مدونات

التسميات العنصرية في عالم يتبجح بالديمقراطية

لقد طغت على أحداث العالم مؤخراً مقولة “Black Lives Matter” بمعنى أن “حياة أصحاب البشرة الداكنة تهمنا جميعاً”.. كلنا نعلم الأسباب التي دفعت العالم لتبني هذه المقولة، وكيف أن العنصرية البغيضة لم تزل طاغية بالذات بين مجتمعات تتبجح من سنين بأنها ديموقراطية وبأنها تتمتع بالحريات وحقوق الأقليات إلى جانب ادعاءاتها بنبذها للعنصرية والتفرقة بسبب اللون أو الجنس أو الأصل… فدول متقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودول عظمى مثل الصين وروسيا وغيرها لا تزال تمارس شتى أشكال الممارسات العنصرية وتنتشر فيها معاملات غير إنسانية تجاه الأقليات الإثنية أو الدينية أو العرقية.. فلو عدنا قليلاً إلى الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” خلال الأيام الأولى لترشحه لرئاسة البيت الأبيض، سنتذكر كم التعليقات السلبية ضده شخصياً وضد حظوظه بالفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، فقط لأنه من “الملونين” رغم كونه “نصف أسود” أو “من أصول أفريقية” ووالدته “بيضاء” مسيحية ربّت ولدها على ديانتها ومذهبها رغم أن أصل “باراك” من أب مسلم (ولو بالاسم فقط) من “كينيا”.

وكلما دنت مواعيد الفرز النهائي لأصوات الناخبين وكلما شعرت وسائل الإعلام في أمريكا حينها بأن “باراك حسين أوباما” على وشك أن يصبح الرئيس القادم، كلما خفت التهكمات والسخرية والمسميات الدونية والعنصرية تجاه هذا القادم “الأسود” لقيادتهم من داخل البيت “الأبيض”.. ولا يزالون في أمريكا يصنفون شعبهم إلى شعوب.. طبعاً، “الأبيض” هو لون السادة من أصول أوروبية (شمال-غربية)، بالذات من الجزر البريطانية ومن بعدهم من إيرلندا، وغيرهم من العناصر البيضاء والشقراء.. وجميعهم يتم تصنيفهم بلون واحد.. أما بقية “الشعوب” من الأمريكيين فلهم مسميات حسب لون البشرة أو العرق أو الدين.. أما التصنيف العام لكل من لا ينتمي لفئة البيض فهو وصفهم بالملونين.. ومنهم أصحاب البشرة السوداء والشعر الخشن والملامح الأفريقية ويصفونهم باللون “الأسود”.. وبعد سنوات من الاحتجاجات باتوا يسمونهم بمسمى الأفارقة الأمريكيين أو الأمريكيين الأفارقة (African Americans).. وهنالك أيضاً أصحاب البشرة الداكنة والشعر الأسود الكثيف والملامح المسماة (Hispanic)، وهي صفة عامة يطلقونها على ذوي الأصول من “اسبانيا” وكافة مستعمراتها السابقة في “المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية”، وأحيانا يسمونهم بمصطلح الأمريكيين اللاتينيين (Latin Americans).. والتصنيف اللوني لجميع هؤلاء هو اللون البني.. واللون البني يندرج أيضاً على أغلب القادمين من الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشمال أفريقيا.. وصفة الآسيويين يشمل أغلب شعوب دول النصف الجنوبي من شرق آسيا.. ولونهم بالطبع هو أيضا بنياً.. أما شمال شرق آسيا، كالصين واليابان والكوريتين، فيصفونهم باللون الأصفر.. والغريب أن الشعوب الأصلية للقارتين الأمريكيتين يطلقون عليهم “الهنود الحمر”!

ويطلق الأمريكيون ألقاباً أو صفات أو تسميات من باب السخرية والتصغير والإهانة على أغلب “الملونين” وكثير منها عنصرية بحتة فيها إزدراء واستهزاء.. أما المسميات التي يطلقونها على ذوي الأصول المكسيكية وعلى كافة القادمين من أمريكا الجنوبية فهي كثيرة جداً، ومن أشهرها (Spic) و (Beaner) و (Cholo) و (Brownie) و (Tonk) و (Wetback).. وكل مسمى له معنى معين القصد منه السخرية ببعض الطبائع أو العادات أو التصرفات التي يستهجنونها.. فمثلاً كلمة (Beaner) تأتي من (Beans)، أي البقوليات وغيرها، بالذات الفول، حيث تعتبر البقوليات والعدس والذرة من أهم مكونات الوجبات لدى اللاتينيين، ولكن الشعب “الأبيض” يسخر من هذه الأنواع من الأطعمة ويتهم القادمين إلى أراضي الولايات المتحدة “بإطلاق الغازات” بسبب تناولهم الدائم للبقوليات.. هكذا نوع من السخرية يعكس مدى التعصب والعنصرية ضد شعوب وملل وأقوام كانوا يتمتعون بحضارات وتاريخ وإرث عظيم عبر حضارة “الإنكا” التي كانت تضاهي حضارة الفراعنة وبابل والصين، وغيرها من الحضارات القديمة.. بينما الساخرون من “البيض” الذين يعتبرون أنفسهم شعباً أكثر سمواً ورقياً فهم نشئوا في الأساس من الجحافل المنبوذة والمطرودة والمكروهة في أوطانهم الأصلية، والتي أجبرتهم دولهم على ركوب البحر والهجرة القسرية نحو المستعمرات الجديدة سواء في الأمريكيتين أو في أستراليا ونيوزيلندا، وغيرها من الأراضي المغتصبة حول العالم.   وحتى مصطلح الـ (Wetback)، أي (المبتل بالماء)، فيُقصد به العبور الغير شرعي لهؤلاء المهاجرين عبر المجاري المائية التي تفصل الولايات الجنوبية عن المكسيك.. وينسون أنهم كلهم مهاجرون وجميعهم أتوا من دول وقارات بعيدة و استوطنوا القارتين الأمريكيتين دون وجه حق و على حساب شعوبهما الأصلية أصحاب الحق !!

ومسميات ذوي الأصول الأفريقية بشكل عام كثيرة جداً وتعكس سنوات الاستعباد والظلم في حق الأفارقة.. ومن أشهر التسميات العنصرية هي (Nigger) و (Nigro) و (Afro) و (Eggplant) و (Monkey) و (Ape) و (Coon).و (Boy) و (Bootlip).  وكمثال نجد هنا أن كلمة الـ Boy تُستخدم للدلالة على التصغير من شأن الشخص وتحقيره والتنزيل من قدره ومناداته بمصطلح قد يعني الخادم أو العامل البسيط، وربما أشبه بكلمة “ولد” أو “إصبيّ” التي ننادي بها الخدم وعاملي المقاهي في دول الخليج والعراق دون أن نعي لمعانيها الدونية.. والتسمية بمصطلح مثل Bootlip هو للسخرية من انتفاخ الشفاه لدي أغلب أصحاب الملامح الأفريقية.. ولكم أن تتخيلوا التشبيهات المهينة لذوي البشرة السوداء بمسميات مثل Monkey و Ape (من فصائل القرود)، و كلمة الـ Eggplant أي الباذنجان (الأسود طبعاً).  ولا يخفى عليكم أننا نحن العرب والمسلمين أيضاً نطلق على ذوي الأصول الإفريقية مسميات مهينة ولا نشعر بحكم تعودنا على سماعها بأنها قد تجرح المشاعر.. فنجد بيننا كلمات عديدة، ربما من أكثرها استخداماً وشيوعاً ونرددها دون وعي لقساوتها ومدى مهانتها للكرامة هي كلمة (العبد)، وكلنا نعلم مصدر هكذا تسمية.

ومن آسيا بشكل عام نجد مصطلحات مثل (Yellow) و (Chink) و (Dink) و (Coolie) و (Chee-chee) و (Paki) و (Flip).. والعشرات من التسميات التي يمكن البحث عنها في صفحات الويكيبيديا.. ولكل مسمى قصة وتعكس عنصرية ونظرة فوقية تتعلق باللون والعرق أو العادات أو حتى الطعام الأكثر شيوعاً بين فئة ما.

وحتى بين البيض أنفسهم أيضاً توجد مشاعر عنصرية بحسب الدين والمذهب واللغة والعرق.. فكثير من الإيرلنديين في القرن التاسع عشر عانوا من التفرقة إما لأنهم يتبعون المسيحية الكاثوليكية أو لكونهم آتون من بيئات ومجتمعات ريفية غير راقية مقارنة بالإنجليز، أصحاب القدم الأولى في القارة الأمريكية الشمالية.. وكذلك الأمر مع المهاجرين الإيطاليين والبولنديين والروس، ومن بعدهم العرب من أهل الشام وغيرهم بسبب مذاهبهم المسيحية المتنوعة أو بسبب أصولهم العرقية أو لكونهم من المسلمين أو البوذيين أو ممن يعبدون ويقدسون الأبقار أو أية أديان أخرى.

وربما كان الأسوأ حظا من بين الأوروبيين البيض في أوروبا وأمريكا هم اليهود.. فاليهود منذ بدء التاريخ كانوا يتعرضون لشتى أشكال التفرقة والكراهية بسبب هيمنتهم على مفاصل الحياة وولعهم بالمال وشغفهم بالذهب والتجارة بكل أشكالها، ومنها تجارة السخرة والعبودية والبغاء.. وكانوا الأوروبيون يرون أن اليهود يمتازون بصفات خبيثة مثل نكثهم الدائم للعهود والمواثيق ولإصرارهم على تكرار مقولة إنهم “شعب الله المختار”.. فمنذ عصور اليونانيين والرومان حتى العصور الوسطى، إلى أوائل القرن الماضي، كانوا منبوذين في كافة دول أوروبا وأمريكا.. وأدبيات تلك الأزمنة تحتوي على كثير من الازدراء تجاه اليهود وتظهرهم بأبشع الصور وتصفهم بصفات الجشع والخبث والدهاء ومعدومي الثقة.. وربما تعكس مسرحية “تاجر البندقية” (The Merchant of Venice) للمؤلف الإنجليزي الأشهر “ويليام شكسبير” الصورة النمطية السلبية للمرابي اليهودي سيئ الصيت “شايلوك”.

ومن أشهر التسميات العنصرية ضد اليهود كانت وربما لا تزال (Shylock) و (Yid) و (Kyke) و (Hymie) و (Jidan) و (Heeb) و (Smouch) و (Sheeny) و (Shyster) و (Zhyd).. وربما بتنا نعلم مصدر التشهير ضد اليهود بتسميتهم بـ (شايلوك Shylock) كما أسلفنا في الشرح أعلاه عن مسرحية “شكسبير”، غير أن البعض يعتبر أن مصطلح (Shyster) هو الأكثر إساءة من حيث المعنى.. فهذه التسمية تعني الشخص (في الغالب المحامي) المخادع والمنافق والكاذب وعديم الثقة، وجملة من الأوصاف السلبية مجتمعة في كلمة واحدة.. وقد شهد التاريخ أن هكذا أوصاف وأفكار عن اليهود في أوروبا هو ما دفع النازيين في ألمانيا إلى بغض العرق اليهودي ونبذهم ومحاولة إفنائهم من الوجود عبر المجازر والمحارق في الحرب العالمية الثانية !!

وقد عانى اليهود من كراهية المسيحيين لهم عبر التاريخ وذاقوا الكثير من سوء المعاملة والعنصرية حتى نجحت الصهيونية في ابتداع مفهوم “معاداة السامية” وبدأت توظفه لتحقيق مصالحها بعدما اتخذت القيادات الصهيونية من مصطلح معاداة السامية ذريعة لفصل الجماعات اليهودية عن المجتمعات المسيحية التي كانت تعيش بينها في أوروبا، وطورت على أساسها الفكرة القومية الموجهة لإنشاء ما يسمى الوطن القومي لليهود.

ومن الملفت أن أغلب المهاجرين من الأوروبيين “البيض” ممن كانوا يعلمون بكراهية من سبقوهم إلى الأراضي الأمريكية لهم كانوا يلجؤون إلى تغيير أسمائهم وألقابهم ليداروا بها أصولهم المنبوذة، كما كان يفعل جل اليهود منذ اللحظة الأولى لمغادرتهم السفن القادمة من القارة الأوروبية في مرافئ ولاية نيويورك، وقد نجح أغلبهم في الاندماج والانخراط في المجتمع الجديد بحكم ملامحهم المنتمية للعرق الأبيض.. وبالطبع لم يكن هذا الأمر مجدياً مع الأسيويين و الأفارقة وكل من يندرجون تحت قائمة “الملونين” !!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى