مدونات

التسامح بين الواقع و المنتظر!

إن ما يجعل مقولة المهاتما غاندي الشهيرة “لا أحب كلمة التسامح ولكن لا أجد كلمة أفضل منها” صحيحة، هو كون قائلها لم ينطق بها إلا بعد أن عاش تجربة كبيرة خولت له ذلك، وجعلته يعرف أن التسامح بالرغم من مرارته، إلا أن نتائجه لا يمكن تحقيقها فيما سواه.

هذا المفهوم الذي طال ما كان شعارات ونداءات، إلا أننا في كثير من الأحيان لا نجده إلا مجرد قضية حبر على ورق، فيجدر بنا التساؤل عن متى ستنتهي الإساءة، ومتى سينتهي الانتقام على أرض الواقع إذا كان الكل ينادي بالتسامح فلماذا أغلبهم لا يعمل به؟ ما قيمه الشيء إذا لم يترجم إلى أرض الواقع؟ وما يدعو للاستغراب بشكل كبير وأكثر، هو هذا المستوى الهائل الذي وصله الإنسان من التقدم في جميع المجالات العلمية لدرجة وصوله إلى غزو الفضاء! ومع ذلك لم يكن في في استطاعته الارتقاء والسمو إلى درجة التسامح، فهل يستدعي التسامح شروطا كبيرة غير الاحترام والمحبة؟

يمكننا إذن أن نقول أنه إذا كانت الطرق التربوية المباشرة تحول دون إعطاء حل ناجح حول هذه المسألة، فيمكننا التفكير في اللجوء إلى الطرق الغير مباشرة، والتي تؤثر في الجهاز النفسي لدى الإنسان وتفاعل منطقة الأنا الأعلى لتفعيل الضمير الأخلاقي لدى الإنسان، فالإدراكات الحسية لدى الإنسان تلتقط كل الأشياء الخارجية التي تهيجها، وعندما تحولها إلى سيالة عصبية يتم تحليلها من طرف الدماغ، هذا الأخير الذي يعمل على نقل مباشر لهذه السيالة إلى العقل الباطن بعد التحليل، هكذا يتأثر الإنسان بالمواضيع التي تبدو له هينة، وهذه تقنيه تستعمل في الإشهار مثلا من أجل التأثير في المستهلك لشراء المنتوج وتحويل حاجته إلى رغبة.فلماذا لم توظف هذه التقنية للتأثير في نفسية الإنسان ليكون ملتزما بالمبادئ الأخلاقية والإنسانية؟

إن التأثير في نفسية الآخر تحتمل إمكانية حدوثه بطريقتين؛ طريقة مادية أو معنوية.

فالأولى هي التي تحدثنا عنها سابقا والتي تتمثل في الأشياء المحسوسة الملموسة والتي يمكن أن تحدث تأثيرا في متلقيها.

أما الثانية فيمكننا أن نأخذ الحب كصورة من الطرق الغير مباشرة من أجل التأثير في الآخر، فيمكن استغلال الحب من أجل تلقين درس التسامح والتعايش للآخرين، وذلك يكون بما يلي:

المحبوبون غالبا ما يكونون قدوة للذين يحبونهم، فالفنان على سبيل المثال إذا كان معجبا من طرف جماهيره فسيكون نموذجا بالنسبة إليهم، وسيتأثرون بما يفعل كما نرى في واقعنا المعاش، فأغلب الناس متأثرون بالمشاهير واللاعبين و الرياضيين والفنانين وغيرهم.

يمكن القول بشكل إجمالي أن التسامح لا يكفي أن نمرره عن طريق ألسنتنا، فهذا مألوف لدى الجميع، ورغم ذلك قلما يتم تطبيقه، فتأليف كتب عن التسامح وتدريسها للتلاميذ لا أظنه منهجا صحيحا للوصول إلى المبتغى، وكذلك الندوات الإعلامية والاتفاقيات بل وحتى القوانين الزجرية ليست بالضرورة عنصرا يفيدنا في القول بأن  البشرية ستكون متسامحة، و الخطاب الديني أيضا ينص على ذلك، ينص على القيم والمبادئ.

لكن آمالنا في تحقيق التسامح يكون بالعمل الجاد  قصد للوصول إلى إنسان يعرف قيمة الإنسانية و يعطيها المكانة اللائقة بها، و نخلق بذلك عهدا جديدا بين بشرية سمحاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق