مدونات

التربية الحديثة

قبل الحديث عن التربية الحديثة يجدر بنا بالدرجة الأولى أن نعرف مفهوم التربية، فهذا الأخير يقصد به التنشئة الاجتماعية وهي تكون عبارة عن تلك القيم والمبادئ والأخلاق التي يكتسبها الإنسان في مراحله الأولى من عمره، والمسؤول عنها في عصرنا الحالي هم الأبوان بالدرجة الأولى والمدرسة ومجموعة من مؤسسات الدولة.

وفي عصرنا الحالي هذا المفهوم يشهد نقطة انعطاف تفرق بذلك بين التربية بمفهومها التقليدي والتربية الحديثة؛ فالتربية بمفهومها التقليدي تقوم على أساس الخوف والعقاب والزجر، وتخلق بمجموعة من المبادئ والقيم، أما التربية بمفهومها الحديث فهي مرتبطة بالتطور العقلي والتكنولوجي، وهي مبنية على أسس الحرية والتفهم والتعايش. فالعالم اليوم شهد طرقًا جديدة في تلقين المبادئ الأساسية التي تقوم على الرغبة في بناء مجتمع جديد، وهذا ما نهجته أبرز الدول المتقدمة التي جعلت المؤسسات لا تقوم بالدور التعليمي فقط، ولا تقوم بالتربية بمفهومها التقليدي القديم المبني أساسًا على العقاب والخوف؛ وإنما لجأت إلى أطر متخصصة في علم النفس وعلم الاجتماع وفي علوم التربية من أجل إيجاد طرق جديدة لها نتائج فعالة في التأثير على الجانب التربوي لدى التلميذ. هناك بعض المؤسسات الابتدائية على سبيل المثال تعتمد على تلقين التلاميذ الصغار التربية عن طريق اللعب، وتختار بدقة أنواع اللعب التي من شأنها أن تجعل التلميذ يتعلم بطريقة يعتمد فيها على نفسه ليتعلم تحمل مسئوليته وبناء فكره الذي سيختاره.

إن مشكلة العالم العربي اليوم أنه يسعى إلى بناء مناهج جديدة في التربية، إلا أنها لا تقوم على المقومات الأساسية لتحقيق ذلك، فعلى سبيل المثال عند رجوعنا إلى المستويات التعليمية الابتدائية في الدول العربية نجد أن التلاميذ تحت ضغط التعليم لا يوجد مجال للتربية، ولا وجود لأي تدخل تكنولوجي علمًا بأن هذا الطالب الصغير عقله منفتح بشكل كبير على التكنولوجيا، وبتالي لا يمكن استيعابه لمناهج قديمة وهو في عالم تفرض فيه الحداثة والتطور والعصرية أنفسها.

باستخدام فكر جديد يمكننا القول أن المناهج الدراسية التي تكون في أغلب الدول العربية غير مسايرة للواقع المعيش الذي يشهد عولمة تكنولوجية في جميع المجالات، فالطفل بحاجة إلى تنشئة اجتماعية تبنى على أسس جديدة تحث على المجالات التي يرغب فيها وعلى التطور التكنولوجي وأن يجد هذا التلميذ مجاله في المدرسة من أجل مناقشة الرغبات التي يميل إليها.

وبالرجوع إلى الفئات المسئولة عن التربية فلا يمكن تحميل المسئولية للمدارس فحسب، أو حصرها عند مؤسسات الدولة فقط، وإنما المجتمع المدني كذلك مسئول باعتباره مكون آخر أغلبيته لا تتفهم التكنولوجيا الحديثة، ولا تواكب الفكر الجديد. وذلك لا يمكنه إلا أن يعطينا جيلًا جديدًا سلبيًا لا يمكنه مسايرة الواقع المعيش، فالعالم العربي اليوم لا يعيش المشاكل المادية فحسب، وإنما هو مختنق في أزمة فكرية كذلك إذ لم يجد معظم الشباب من يفهم أفكارهم.

إن هذا هو الفرق الأساسي الذي يكمن بين العالم العربي والغربي؛ وهو كون العالم الغربي وجد من يتفهمه في فكره، ويبني سياسته بناء على التطور الذي يشهده مجتمعه وهذا ما نأمله في عالمنا العربي.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق