سياسة وتاريخ

الترامبيزم أو جنازة سياسية بمراسيم الوعد بالحياة

الترامبيزم .. تحتفظ أمريكا في العالم باعتبارها أم الديمقراطيات الوليدة بعد الحرب العالمية الثانية، بكونها قائدة النّظام العالمي لا من حيث الأخلاقيات، ولكن من حيث كونها القوّة التي لا تنازعها قوّة أخرى في العالم، وإن حدث، فإنّ مآل القوّة المتحرّشة الاجتياح والعنف الذي يردعها، كما حدث بالنّسبة للعراق، إذ اجتياحه كان من أولويات القوّة الطاغية التي تبرهن على توحّشها وقت كان يظنّ البشر يحيوْن عصر الديمقراطية والحرّية واحترام الشّعوب لبعضها.

ما أثارته الانتخابات الأمريكية الأخيرة التي جرت يوم 3 نوفمبر، هو أنّ نفس هذه القوّة التي تدّعي الديمقراطية، اتّضح أنّ الديكتاتورية تعشّش فيها وفي أشدّ  صورها توحشًا، وهي العنصرية، إذ إنّ ترامب الذي صوّت له سبعين مليون أمريكي، وهو ما هو عليه من تعصّب واحتقار للشّعوب غير ذات البشرة البيضاء، وسلوكاته الخارجة عن نطاق المنطق في كثير من الأحيان، إنّما يكشف عن إنّ أمريكا ما هي سوى جهة تحتكر السيادة على العالم بقوّة الأمر الواقع، وليس بسلوك سوي تقتحم به واقع الشّعوب التي ترى فيها المنقذة أو على الأقل الدّاعمة للحق الإنساني في الحرّية كما يتمتّع به الأمريكي في حدود وطنه.

لا يعني تشبّث دونالد ترامب بالسلطة وتحصّنه بكرسي البيت الأبيض سوى أنّ الدّيمقراطية، تحتفظ أيضًا بحقها في مغالبة الواقع السوي والمنطقي وتقمّص الحالة السيّئة فيه لاعتبارات ذاتية تخرج عن نطاق المبادئ الإيجابية الحاكمة، وهذا ما عبّر عنه ترامب خلال عهدته، وأبان عنه في نهاية المهلة السياسية التداولية دستورياً  لحكم الولايات المتحدة. فأن يثير كل هذه الزّوبعة الديكتاتورية في جوهرها والديمقراطية في مظهرها، لأنّ الدستور الأمريكي يتيح له اللجوء إلى المحاكم والاحتجاج أمامها بالعيب الذي شاب العملية الانتخابية، ومع ذلك فإنّ ذات الدستور لم يتصوّر الحالة التي وقعت مع ترامب وهي إصراره على عدم مغادرة المكتب البيضاوي والرّفض بإقرار الهزيمة السياسية، وهو ما يحتم على الإدارة الأمريكية أن تتعامل بحذر في قادم المدد الانتخابية مع مثل هذه الحالات الطارئة التي لم يتصوّرها المشرع ولم يضع لها نصوصًا.

الترامبيزم .. إنّ نهاية العهدة بالنّسبة لترامب لم يكن محيطًا بها على أساس لعبة سياسية تبدأ بفوز انتخابي وتنتهي بهزيمة أو بإعادة انتخاب، وإنّما كانت تعني له إمّا الموت أو الحياة، فهو بعد أن جاء للسياسة من عالم المال، اكتشف أنّ هذا الأخير لابد له من سلطة سياسية تسنده، لأنّ المنبر السياسي يمثل الهيمنة باعتبارها السحر الذي يعمي أعين التابعين من عامّة الشعب عن الخطايا الناتجة عن الزّعامة باعتبارها تحرّر من أي قيد يلجم تغوّلها، وهو ما حدث مع ترامب الذي تحوّل إلى ديكتاتور مشخصن لديكتاتوريات العالم الثالث بعدما أفصح عن ذلك صراحة في إعجابه بــ”ديكتاتوره المفضّل”.

إنّ لحظة الخروج من البيت الأبيض بالنّسبة له هي لحظة جنائزية بامتياز -الترامبيزم -، لأنّها تعني نهاية حياته السياسية الدوغمائية التي منحته الفرصة كي يشيطن كيفما شاء أشخاص العالم السياسيين وشعوبه، أو يستغل من كان مهيّئا للاستغلال وحمايته بمقابل مشروط، وفتح باب الغواية السياسية التي تمسك الجزرة أو عظم “الكلب” لجرّ باقي شعوب الجهة المنبطحة إلى عرش صهيون البائد في عملية تطبيعية، تذلل كل الصّعاب لأجل الانفكاك من تهم الصقتها إدارات سابقة بدول بعينها، أو الوعد بحياة أفضل مع الخالة إسرائيل، ومع كل هذا فهو يبتزّ الوضع الغبائي الهش لبعض الكيانات الشّبيهة بالدول مقابل أن يكون هو وليس أمريكا حاميًا لهم من مغبّات أخطائهم القاتلة واللاإنسانية.

أن يتحصّن ترامب في أغوار البيت الأبيض معلنًا رفضة لنتائج الانتخابات، معناه أنّ المسرحية السياسية بالنسبة إليه لم تنته، وهي تنتقل لكي تصبح تراجيديا تمثل حقيقة الموت كنهاية حزينة تستدعي الألم والبكاء والأسف على ما فات، وبالتالي الاستسلام للقدر السياسي، لكن ترامب أراد لهذا الوضع الجنائزي أن يكون وعدًا بالحياة الأبدية في حضن السياسة، لأنّ مرآة الواقع لم يعد يراها بحسابات الدولار فقط، وموقفه هذا يستدعي موقفًا مناقضًا لكنّه يفسّر التوجهات المبدئية في ممارسة الوضع السياسي، سلفادور أليندي رفض أن يغادر القصر الرّئاسي “لامونيدا” بعد أن انقلبت عليه الديكتاتورية دفاعًا عن شرف السياسة والصّوت الذي منحه إيّاه الشعب، “أعلن أنّي لن أتنازل، إنّي مستعد لتقديم حياتي دفاعًا عن السلطة التي ائتمنني العمال عليها”، هذه هي كلماته الأخيرة التي تعطي معنى ثوريًا ونضاليًا لقصور الحكم التي لا تمثل فقط السيادة والوجاهة، إنّها تمثّل المبدأ الخالد في كيفية الوصول إليها وكيفية مغادرتها أيضًا.

السّؤال الملح هو كيف ستبدو الإمبراطورية المالية لترامب بعد هزيمته السّياسية؟

إن الخروج من البيت الأبيض في عرف ترامب بعد أن ذاق حلاوة السّلطة ونعومة السياسة، يصبح منغّصًا من منغّصات النّومة الهادئة التي يترجّاها الإنسان كي ينعم بلحظة هدوء في عالم لا يستطيع أن يفسّر حقيقته لكنّه يدرك أنّه من أسباب الرّاحة المثلى.

إنّ صندوق الدولار لا يساوي شيئًا أمام الغطاء السياسي الذي توفّره السّلطة لصاحبها، فترامب كان قبل ولوج البيت الأبيض متحكمًا ونافذًا ومتنفّذًا في أمريكا، أما بعد دخوله القبّة البيضاوية أصبح حاكمًا ومتحكمًا في العالم بأسره، وهو ما سيجعل طعم الدولار بعد السياسة ليس كطعمه قبلها.

سوف يصبح سلوك ترامب أمرا محيّرًا في واقع السياسة الأمريكية التي أغفلت وضعًا غريبًا أثناء وضع الدستور عام 1789، بل لعلّه يشكل ظاهرة “الترامبيزم” التي لا تعني في النّهاية سوى الذات في حالتها المنفوشة كريش الدّيك الرّومي حين لا تحسب للحظة النهاية حسابها، فالوضع البشري كله في حقيقته محكوم بالنّهاية الحتمية أو الموت بمراسيمه الفنائية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى