ثقافة وفنون

التدوين والترجمة أساس بناء الحضارة وتقدم الشعوب

مما لا شك فيه أن أساس بناء أي حضارة عالمية، يحتاج في الغالب إلى شيئين أساسيين هما عمادها والضامن الفعلي لاستمرارها بهما لملايين السنين، حتى وإن ماتت وطالها الزوال، والحديث هنا عن عمليتي التدوين والترجمة؛ فالتدوين كتابة أو نقش يرتبط بما هو لغوي في الغالب، يؤرخ لحقبة الحضارة ويوثق تاريخها ومعتقداتها وثقافتها وكل ما يتعلق بها، ولهذا نحتاج التدوين كعملية لبناء كينونتنا وهويتنا، وترسيخ وجودنا في هذا العالم الواسع.

والتدوين هذا يختلف من عصر لآخر؛ فالكتابة على الجريد والصخور وصولاً إلى الأوراق، ليست هي الكتابة الإلكترونية اليوم التي نستفيد منها ماديًا وحضارياً، ولهذا نجد أن الحضارات اليوم والشعوب تتسابق إلى عملية تدوين كل ما يتعلق بها، لأنهم يعتبرون أن هذا المكون الذي ربط شعوب العالم كله بعضها ببعض هو وسيلة فعالة لحفظ التاريخ والأمجاد، وأداة للرقي والتطور، كما أنه عبارة عن عصا سحرية تنتقل من جيل إلى جيل.

ولا يمكن لأمة أن تتقدم وتصنع حضارة ضاربة في التاريخ ما لم تزاوج بين التدوين والترجمة؛ فالتدوين وحده غير كاف ولا يرقى لأن يكون ذلك الشريان الذي يربط بين الحضارات، ويمهد لعملية التواصل والتلاقح التي تضمن حياة الإنسان على هذا الوجود، إننا نتحدث عن الترجمة بوصفها المكون اللغوي المهم في عملية التحضر وبناء التاريخ، فهي إذن ذلك العلم المهم من لغات البشر المختلفة، والذي يهدف إلى ربط علاقات بين شعوب المعمورة والأمم، وزرع التلاقح والتبادل الثقافي بين الشعوب العالمية، في عالم أضحى اليوم عبارة عن قرية صغيرة، قوامه الأساسي هو التواصل الفعال الذي يحتاج بدوره إلى الترجمة، أي تحويل معنى لغة ما إلى اللغة التي يتكلم بها الطرف الآخر.

وهنا نعطي مثالًا على ذلك من خلال ما عرفه العالم من ترجمة كبيرة ما بين العرب وغيرهم من الأوروبيين، والفرس والأتراك والإفريق، وما تزال هذه الحركة من الترجمة سارية المفعول إلى اليوم، بالرغم من التطورات التي تشهدها الإنسانية يومًا بعد يوم.

فالحضارة الإسلامية ومنذ القديم اعتمدت على الترجمة بشكل كبير جداً، خاصة خلال الحقبة الأموية والعباسية، حيث تمت ترجمة الكتب الفارسية والإغريقية إلى اللغة العربية، في ميادين شتى منها الفلسفة والطب والعلوم الحقة كالرياضيات والفيزياء، ما جعل العالم العربي يعرف رواجًا علميًا وثقافيًا أفاد به غيره من الحضارات التي نهلت منه فيما بعد، وتغير المعادلة بعد الحروب الصليبية فأصبحت الشعوب الأخرى هي التي تحول محتوى اللغة العربية من علوم إنسانية وعلوم حقة وغيرها، وتترجمها إلى لغاتها الأخرى.

وخلال هذه العلمية ظهر تلاقح كبير بين ثقافات كثيرة، وحصل تواصل بين البشرية، ما كان ليصلنا نحن الأجيال الحالية إلا عن طريق التدوين والترجمة، وكل حضارة لا تعتمد على ترجمة ما أنتجته الأمم الأخرى لن تتقدم وستكون أمة جاهلة، كما التي لا تعتمد على تدوين تاريخها وما يتعلق بها، فالأمة الإسلامية العربية لكي تبسط سيطرتها على العالم وتسود، وما تزال ملامحها ظاهرة إلى اليوم في دول أوروبا وغيرها، إلا بفعل ما صنعت أجيالها من تدوين وترجمة، وفي هذا عمل كبير قام به علماء المسلمين.

فالتدوين يكتب التاريخ، ولولاه لما كنا اليوم نعرف الحضارات التي تعاقبت على العيش على هذه المساحة الجغرافية، والتي لا نعرف بدايتها من نهايتها، فمعرفة الحضارات والثقافات الأخرى هو تواصل وعملية ولادة طبيعية جديدة من أجل التدوين وبحث عن ترجمة اللغات القديمة التي كانت سائدة من قبل إلى لغات اليوم.

وقد يظهر ذلك جلياً من خلال ما خلفته الحضارات من آثار وعلامات ونقوش ورسومات على الصخر وجدران المعابد والمقابر وغيرها، فهذه الأشياء من حضارات بابل والآشوريين والفرس ،ثم المصريين فبلاد الرافدين والإغريق، كنا سنجهل عنها الكثير ولن نعرف عنها أي شيء لو تم تفك رموزها وشفراتها وتترجم كتبها وتنقل إلى لغات العالم اليوم.

فهذا سبيل الوصول إلى ما عرفناه مثلاً عن الحضارة الفرعونية القديمة؛ من طريقة عيشهم وعبادتهم وثقافتهم والأسرار العلمية والهندسية التي أحاطت بهم، لذلك فإن تدوين هذه المرحلة بالطرق التي كانت سائدة مهم جداً، وحاجة ضرورية أكسبتنا عالمًا من الأسرار العظيمة التي ستفيدنا اليوم.

ولم يكن ليصلنا هذا الكم من المعارف والمعلومات عن الحضارات والثقافات الأخرى، بدون تجارة وتبادل تجاري، فالتجارة لعبت دوراً كبيراً في عمليتي الترجمة والتدوين، كون أن العديد من التجار نقلوا الأخبار التي دونت على أقوام من مختلف بقاع العالم، كما سعوا جاهدين إلى الإقدام على شراء الكتب النفيسة التي أعطيت للمترجمين من أجل ترجمتها إلى لغات بلادهم الأصلية.

وخلال هذه العلمية حصل نوع من التصاهر بين الحضارات، ونشطت عمليات التدوين والترجمة وتبادل المعارف والثقافات، وتحول العالم إلى رقعة تتسع لتشمل كافة البشر، ولولا ذلك لبقينا معزولين عن العالم، ولما عرفنا شيئًا عن ثقافات الأمم الأخرى، ولبقينا قابعين في عصر حجري، لا يزيد ولا ينقص من علمنا شيء.

ولهذا نجد أن أكثر من وطد العلاقة بين الشعوب رغم الاختلافات والصراعات هم أهل شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وأعني بذلك دول الشمال بالإضافة إلى المغرب الأقصى، كما لا أبخس دور دول عربية أخرى، فأفضل ما يمكن أن نجود به فيما يتعلق بعمليتي التدوين والترجمة، هو دور التجار المسلمين في نشر الإسلام وتعاليمه في الغرب –كالأندلس على سبيل المثال لا الحصر– فبدون معرفة التجار للغة الغرب، لما استطاعوا أن يعرّفونهم على الإسلام أو يجادلونهم بالحجج القوية العقلانية.

وأما اليوم ونحن في عالم متقدم، عالم التكنولوجيا والتطور الهائل الذي يشهده عالمنا الحديث، ازدهرت هذه الحركة من الترجمة والتدوين بشكل كبير ومتسارع، وكان من الضروري لنا الاطلاع على أسرار هذا التقدم ودراسته، عند أمم أخرى أكثر تقدمًا من الأمة العربية الإسلامية، فبات لزاماً على شبابنا اليوم ترجمة الكتب والبحوث من لغات أخرى إلى اللغة العربية، وخلال هذا العلمية سيتم ربط التواصل بين الثقافات وتذويب الهوة الحاصلة بين الشعوب، ونوثق لهذه المرحلة المهمة عبر التدوين، وبالتالي كانت الحاجة لتعلم مهارات التدوين والترجمة الأساسية.

إن أغلب العلوم المتطورة التي نرغب في دراستها تكون بلغات الشعوب المتقدمة كالإنجليزية أو الفرنسية من اللغات اللاتينية وغيرها من اللغات الأخرى، ومن هنا تظهر الحاجة إلى تعلم أكثر من لغة في عالم تتزاحم فيه اللغات وتكثر فيه اللهجات، فالحاجة إلى التواصل والترجمة تفرض عليك تجاوز كل الحدود الممكنة، والوصول إلى الجانب الآخر، والسعي إلى اكتساب لغات أخرى، تنقل الأفكار وتحولها إلى أفكار جديدة بلغات عدة، فلغة واحدة لا تكفي لحمل هذه الرسالة الإنسانية النبيلة، ولا تضمن لصاحبها القيام بالمهام المنوطة به على مستوى حمل رسالة التدوين والترجمة من هذه اللغة للغة الأم.

فالتدوين والترجمة أشياء أساسية وضرورية لتقدم الشعوب والأمم، ولا يختصر دورهما في التواصل فقط بين الناس، ولا يمكن أيضًا أن نقيدهما بكونهما وسيلة مجردة من الفن والعلم، فالمدون والمترجم يجب عليه قبل كل شيء آخر أن يكون ملماً باللغتين المراد ترجمتهما، وأن يكون فناناً في الترجمة وعالماً بخبايا اللغة، وألا يكون كالوسيلة البسيطة التي تم استخدامها في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تشتغل عبر تطبيقات الويب الخاص بالترجمة الفورية التقريبية للمعنى، وليس المعنى الواضح والمراد ترجمته والوصول إلى حقيقته.

ولا يحدث أن يتم ترجمة أي شيء نصًا كان أو كلامًا ما لم تتوفر شروط الدقة، والحرص على الانتباه والالتزام باللغة المترجمة، بل وأكثر من ذلك فهي رسالة سامية ومهمة حضارية ستبقى شامخة جيلًا بعد جيل تؤرخ لحقبة حضارية معينة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق