سياسة و تاريخ

التحول في الوعي السياسي العربي

في فيديو له على موقع اليوتيوب، تطرق الكاتب الصحفي الفلسطيني الشهير المقيم بأمريكا أسامة فوزي بكثير من الألم لما يقع في العراق من صدام الشارع مع السلطة نتيجة لما حصل من انحراف على مستوى إعادة البناء السياسي بعد نهاية حكم الحزب والشخص الواحد، وهنا تحسر أسامة فوزي عن صدم حسين وعهده الذي حسبه مهما كان من طبعه الديكتاتوري إلا أنه كان ضامنا للاستقرار والرفاهية للإنسان العراقي، وهو أمر ليس يختلف فيه اثنان.

شخصيا أدرك أن الأستاذ أسامة لا يقصد بحسرته تلك تأييد الجانب المظلم من حكم البعث وقبضته الباطشة لعقود بحملة الرأي الآخر من أهل العراق، لكن إحالة حالة الاحتراب والتناقضات التي يعيشها عراق ما بعد البعث كتأسيس سببي لعهد الإسلام الأول وتحديدا لزمن الحجاج فيه شيء من المبالغة، ذلك لأن فشل التجربة القُطرية فلسفة وممارسة في الحدائق والصحاري العربية، مرتبط أساسا بالغيبوبة التاريخية التي عاشتها شعوبها والمنزلقات المنهجية والعملية التي هوت منها نخبها من برجها العاجي إلى وهدة خراب العقول.

ما لم يشر إليه الأستاذ أسامة ولربما كان ذلك عائد لحالة تأثره بما يحصل في العراق، هو أن الرفاهية والأمن في عرف الأمم ومنطق التاريخ صنعة مجتمعية تتوج مستوى من الوعي بالتجربة الجمعية والمجتمعية لأي أمة من الأمم في ظل مشمول لفظ الحرية ومفاهيهما ودلالاتها وهو ما لم تحرص نظم الدولة الوطنية في كامل البلاد العربية على أن يكون مبدأ ومنتهى مشروعها الوطني، قد حرصها على ربط مصير الوطن بحياة الزعيم.

فأحرص ما حرصت عليه النخب الحاكمة في بلاد العرب المستقلة جلها حديثا هو أن يبقى هرم الكيان الوطني على شاكلته الغنائمية الأولى، أي الزعيم ثم الجيش ثم الحزام الأوسط للهرم وهو الحزب أو الحزيبات الموالية – المعارضة ثم القاعدة الشعبية المنهكة دوما بحمل أثقال كل هؤلاء وأولئك.

وبالنظر لطبيعة الهرم الذي أريد له أن يعكس الحالة الوطنية العربية، نرى أن “الاستصنام” والاستعصام، المتصاعدين مع ذراعي شكل الهرم خطابا وممارسة، خلق أبوية وطنية مستقرة ضد منطق التاريخ في الوعي العام، فصارت الحقيقة من كونها إنتاج بشيري تاريخي إلى أسطورة تضفي على حاملها هالة التأثير على المحمولة إليه، فترسخ لدى الإنسان المواطن العربي أنه ملزم بالخضوع لذلك البناء الهرمي الأسطوري غير ذي السلالم، فالحاكم هو الحقيقة وهو حاملها، النخب الثقافية هي شارحة تلك الحقيقة ورجال الدين هم أداة شرعنة حاملها، فتم بذلك الإطباق على فرصة الإنسان العربي من أن ينتقل من حالته الفطرية بوصفه “الإنسان” إلى حالته التاريخية السياسية بصفته “المواطن”، وهو ما ظل يعيق تطور المفاهيم الجديدة التي تعطي للدولة معناها التاريخي مثل المواطنة، التعايش المشترك، التنوع، والتعدد، ونحسب أن كل هاته الإشكالات كان لها أثرها الكامل في تعطيل مسارات التنمية والتحديث الكبرى في البلاد العربية، لكونها أبقت “وعي الاغتراب التاريخي” سائدا طولا وعرضا عبر الجسد المجتمعي وحتى في لحظة تصدع الهرم فإن الاستعصام والاستصنام يتحول إلى من الشخص الطائفة أو القبيلة أو الدائرة المائزة الضيقة وليس إلى الوطن لأنه غير متواجد في الخارطة الإدراكية للإنسان العربي.

فالواضح إذن هو أن حركة الشعوب العربية وحِراكاتها المتتالية في موجاتها وتوجهاتها وإن خلخلت بنية الهرم الوطني وتجاوزت حالة “استصنام واستعصام” الشخص الواحد وحزبه وعصبته وعصابته إلا أنها لا تزال تراوح مكانها في عملية قلب الهرم بالشكل الذي لا يقطع كلية مع طبيعة ذلك الوعي، ذلك أن ما حدث هو الاستصنام الاستعصام تحول من الزعاتية الفردية، إلى الاستبداد الطائفي والشللي وبالتالي لا يمكن الحديث عن تطور في الوعي بمنطق الدولة لدى الإنسان بل تحول في مركزيته ومحوريته، في العراق مثلا اسقط صنم صدام وأعلي بدلا منه عصمة المذهب والطائفة، واتركست الدولة في حلم التغيير، نجم عن ذلك عودة الاغتراب السياسي وتلاشي مفهوم وشعور بالانتماء وتأجل الموعد مع التنمية، والنتيجة النهائية/ هي هذا الوضع أو بالأحرى الوجع الحالي مشتعل في جسد الشعب بشوارع المدن العراقية، شكوى من الفساد، واحتجاج على انهيار مستوى المعيشة وتظلم كل الفئات من كل الآفات المترتبة هن الممارسة الطائفية الافسادية للسلطة.

وفي الجزائر يتعثر التغيير الهرمي الصاعد، بعد سقوط صنم دولة الاستقلال الأخير عبد العزيز بوتفليقة، ولم يعد للعصبة المتخفية الناحتة للرؤساء والزعماء من كثير فرص لنحت أسطورة جديدة يبتلعها الشعب ويستعصم بها، فتم اللجوء إلى أحداث الشرخ العرقي والثقافي واعتوار التنوع و(تعييب) وتغييب التعدد، فراح البعض يستعصم بالعسكرـ باعتبار المؤسسة العسكرية، كما تم ترسيخه في الوعي العربي العام العمود الفقري للدولة وحامي وحدة البلاد الجغرافية، وحين تقف طموحات شعب عند مجرد الحفاظ على شاكلة حضوره الجغرافي دونما التاريخي، أي ذاك المتصل بالانجازات التنموية والحضارية، فليمكن وقتها الحديث عن آفاق جيلية متتالية وقفزة في الوعي الوجودي بوطن يحمل كل المعاني السياسية والسيادية للكلمة.

والغريب أنه بعد أزيد من نصف قرن من بعد استقلال البلاد العربية الوعي الوطني لم يزله في تقلباته وتموجاته لم يستفد من تجارب الوطنية المتعثرة بل والدامية في أكثر من قطر، فهو لم يستوعب بعد أزمة طبيعة “السلطان الموضوعي” الذي يقيم منطق التعايش للجماعة الوطنية خارج سياج الوصايا الأمنية العسكرية الوهمي، ويدرك المواطنون قبل الوطنيين أن القوة العسكرية لـ”الدفاع” التي يمولها بضرائبه هي أداة فرض الميزان السياسي الداخلي، أكثر منها على الصعيد الجيو- استراتجي الجواري، ميزان بين كتل وعصب السلطة التي لا تنتجها إرادته ولا تنبع من سيادته، وأبدا لن يتحقق الميزان والعدل طالما أن القوة في يد طرف دون الآخر، هكذا تقضي لعب السياسية بين الأمم وبين الشعوب حكاما ومحكومين، وأن قوة السلم الواعي (لا استسلام) هي أكبر بكثير من قوة السلاح بل هي الأصل في الوجود والعنف هو الاستثناء، وكل تجارب القيام القُطري الغربي وحروب القوميات الكبرى تبرهن على ذلك، لكن العقل السياسي الغربي انبسط ظله على كامل مساحات الوجود الوطني، حتى صار السياسي هو الحامي الأول للوطن بل وحامي للعسكري أيضا، هذا ما يغيب عن العقل السياسي العربي بعمومه وخصوصه اليوم.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق