علوم وصحة

التحول الوبائي: منظور تطوري، اجتماعي اقتصادي

يستخدم مصطلح التحول الوبائي Epidemiological transition (النموذج الأصلي لعبد الرحيم عمران) من أجل فهم العلاقات البيئية المتغيرة بين المجموعات السكانية البشرية ومسببات الأمراض في سياق نموذجي تطوري يأخذ بالاعتبار المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية. قبل حوالي 10 آلاف سنة حصل “التحول الوبائي الأول”، الذي تميز بظهور الأمراض المعدية، وذلك عندما ظهر نمط العيش القائم على الزراعة والتدجين، والاستيطان وزيادة الكثافة السكانية.

التحول الوبائي الثاني حصل قبل قرن من الزمن، حيث انخفضت الأمراض المعدية بسبب تطوير المضادات الحيوية، وازدادت الأمراض التنكسية والمزمنة. وفي عصرنا يشهد البشر ظهور التحول الوبائي الثالث، حيث يعاود ظهور الأمراض المعدية بشكل معولم، مع تطور أمراض فيروسية مستجدة وسريعة الانتشار، والمقاومة للمضادات الحيوية. وذلك في ظل التعايش مع العديد من الأمراض المعدية التي ظهرت في التحول الأول، والأمراض المزمنة التي ظهرت إبان التحول الثاني. يرى العديد من الخبراء أن ظاهرة التحول الثالث هي نتيجة لتفاعل مسببات اجتماعية وديموغرافية وبيئية في البيئة العالمية التي يسودها اقتصاد معولم.

ويفترض مورس (1995) أن هذه الأمراض الناشئة هي نتيجة السفر والتجارة الدولية وتراجع التدابير الصحية الوقائية، إلى جانب الحقائق التكيفية للميكروبات. ويضيف أن الاضطرابات البيئية التي نتجت عن مشاريع التنمية الزراعية والسدود وإزالة الغابات، الفيضانات والجفاف والتغيرات المناخية، كل ذلك أدى إلى ظهور أمراض عديدة مثل الحمى النزفية الأرجنتينية، الحمى النزفية الكورية (هنتان) وغيرها. ويجب أن نذكر أن السلوك الديموغرافي البشري كان عاملا في انتشار حمى الضنك. واليوم يبدو جليا دور هذه العوامل في انتشار فايروس كوفيد-19.

إن القوى التي أفضت لظهور العديد من الأمراض المعدية هي التغيرات البيئية التي تجعل البشر في اتصال دائم مع مسببات الأمراض. كما أن دور البشر في تطوير مقاومة المضادات الحيوية عن طريق الممارسات الطبية والزراعية هو مثال خطير لتأثير الإنسان على تطور مسببات الأمراض.

عند النظر إلى انتشار الأمراض والأوبئة لا ينبغي إغفال الجوانب الاقتصادية للأسر وعدم المساواة الاجتماعية أيضا.

في الولايات المتحدة شهد الاقتصاد بين أعوام 1947-1979 ازدهارا على كافة الصعد، مع نقص الهوة الطبقية، ورافق ذلك تحسنا في الصحة العامة. بعد 1979، ومع تبني السياسات الاقتصادية النيوليبرالية للسوق، أصبحت الهوة الاقتصادية هائلة بين الفئات الاجتماعية. وفي حين تتركز ثروة تعادل الناتج المحلي لأكثر من 40 دولة فقيرة في يد ثلاثة أشخاص، فإن ملايين البشر يعانون من انعدام أدنى الخدمات الصحية، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض.

إن الجدال حول العلاقة بين التفاوت الطبقي والنتائج الصحية مستمر في العلوم الاجتماعية. عام 1999 وصف ويلكنسون Wilkinson الارتباطات الواضحة بين التفاوت الطبقي وبين نتائجها الصحية. فالأكثر ثراء يتمتعون بصحة أفضل. وتدعم هذه الفرضية غياب سياسات التكافل الاجتماعي. وقد وظفت هذه الفرضية ضمن سياق أكبر للعولمة من قبل كوبرن Coburn (2000). ويؤيد مونتاج Montague (1996) رأي ويلكنسون بأن معدلات المرض والوفيات أعلى بين الفقراء من الأغنياء، ويوافق على أنه ليس متوسط ​​الدخل للمجتمع هو المؤشر الأكثر أهمية، وإنما حجم الفجوة بين الأغنياء والشرائح الأكثر فقرا.

لقد سمحت الرأسمالية العالمية كاستراتيجية اقتصادية (macroparasitis) لأعضاء ما يسمى بـ “العالم الأول” بتجميع كميات هائلة من رأس المال المادي والاجتماعي، غالبا من خلال الاستغلال الواسع النطاق للموارد والأشخاص في “العالم الثالث”. يمكن للقوة الاجتماعية التي اكتسبتها النخب عزلهم عن نقص الغذاء وظروف المعيشة غير الصحية التي يتحملها الفقراء، والتي تعود جزئيًا إلى سلوك هذه النخب. يضيف أرميلاغوس (وهو عالم كبير) بأن أحد الجوانب الإضافية لاستراتيجية “الطفيليات الكبيرة” تلك (كما وصفها) هو الإسناد السببي فيما يتعلق بالظلم والصحة. إذ يتم إلقاء اللوم على كيانات خارجية مثل الجينات أو الجراثيم، أو عدم الملاءمة الأخلاقية للأفراد لإخراج أنفسهم من وضعهم. مثلا، كانت أمراض مثل الإيدز والجذام تعزى إلى السلوك السيء أو الافتقار إلى الروادع الأخلاقية للضحايا، بدلا من انعدام الخدمات والرعاية والبؤس المزمن لكون المرء فقيرا. إن الفقر هو الذي يديم الظروف غير الصحية، وهذا ما تسعى النخب التي تقدم نفسها كفئة متفوقة بيولوجيا وأيديولوجيا، إلى التعتيم عليه. ونقتبس من المجلة الطبية البريطانية (1996): “The more equally wealth is distributed, the better the health of society” أي كلما كان توزيع الثروة بشكل متساو، كان المجتمع أكثر صحة.

إن التأمل في الواقع المرضي للمجتمع الإنساني يفصح عن حقيقة مؤلمة، وهي أن المرض الأخطر هو الفقر المدقع. أكثر من 3 مليار إنسان يعيشون في أقل من دولارين يوميا. إن الواقع الوبائي المستجد يفرض على الدول مراجعة سياساتها، وصياغة نظام اقتصادي جديد أكثر عدلا وعقلانية وتوازنا، وإلا فإننا قد لا نعيش لنشهد التحول الوبائي الرابع.

هذه القضايا هي في صلب الأنثروبولوجيا الطبية، والأنثروبولوجيا الفيزيائية عامة، وينبغي العمل باستمرار ولفت الانتباه للمحركات الثقافية والاجتماعية لمسببات المرض، بقدر ما نهتم بالمحركات البيولوجية للمرض نفسه.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى