سياسة وتاريخ

التحولات في الداخل الأمريكي وانعكاسها على سياساتها الخارجية

التحولات في الداخل الأمريكي وانعكاسها على سياساتها الخارجية

منذ الحرب العالمية الثانية أضحت الولايات المتحدة القوى الأعظم في التاريخ البشري، ولا زالت. وإن فهم أي تحول على الصعيد الدولي يجب أن يبدأ برصد ما يجري في أمريكا. يقول المفكر نعوم تشومسكي أن “قوة الولايات المتحدة وصلت لذروتها بعد الحرب العالمية الثانية، لكن التراجع بدأ سريعًا بعد خسارة السيطرة على الصين أولًا، وانتعاش القوى الاقتصادية الأخرى”.

وهذه القوى بدورها بدأت الصعود والمنافسة. لكن الهيمنة الأمريكية اتسعت، أو بدت أكثر وضوحًا، منذ عهد إدارة الرئيس رونالد ريغان، وتغولها في العالم تحت ذرائع مكافحة المخدرات ومحاربة الإرهاب. لقد تبنت الولايات المتحدة منذ الثمانينيات سياسات اقتصادية نيوليبرالية، والتي توصف بأنها “ثورة اقتصادية”. هذه “الثورة العظيمة” وصلت لذروتها في الأزمة المالية الكبيرة عام 2008 مع حصول كساد كبير استدعى تدخلًا من قبل إدارة أوباما حينها لإنقاذ الشركات تحت عنوان “إنقاذ الاقتصاد”.

كتب المحرر في صحيفة الغارديان اللندنية جورج مونبيوت مقالا مفصلا تحت مسمى “النيوليبرالية: العقيدة القابعة خلف مشاكلنا” يقدم فيه نبذة تاريخية جيدة عن صعود التيار النيوليبرالي في الولايات المتحدة ونجاحه، معتبرا إياه فشلا كبيرا لليسار الذي لم يقدم شيئا يذكر منذ 80 عاما. ويحمّل مونبيوت الفلسفة النيوليبرالية مسؤولية تدهور البيئة وقطاع الصحة والتعليم وأمراض التوحد، وكذلك صعود دونالد ترامب إلى السلطة. ويعتبر مونبيوت أن النيوليبرالية سقطت فعليا عام 2008، وأنه يتوجب على أحزاب العمل والديموقراطيين واليسار بجل مكوناته تطوير برنامج اقتصادي ضخم، وأن تعي ضرورة تصميم برنامج جديد يستجيب لتطلعات القرن الجديد بدل استحضار الكينزية.

إن الولايات المتحدة مقبلة في الفترة القادمة على انتخابات رئاسية وانتخابات الكونغرس قد تكون تاريخية وحاسمة، وسط أزمات عديدة وفوضى سياسية اجتماعية اتضحت بعد حادثة مقتل جورج فلويد، وظهور حراك “حياة السود مهمة”، الذي بين وجود مشاكل عديدة يعاني منها الداخل الأمريكي، والتي يبدو أن الديموقراطيين والتيارات المعادية للتوجهات الشعبوية واليمينية والجمهورية التي يمثلها الرئيس ترامب، يستغلونها في تحشيد واستقطاب الدعم الانتخابي بشكل جيد.

وقد اعتبر البعض أنه من المفاجئ فوز مرشحين محسوبين على تيارات اليسار التقدمي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي. ويبدو أنه سيكون مكسبا كبيرا إن استطاع التقدميون والاشتراكيون الديموقراطيون تمرير أجنداتهم ولو داخليا على حساب تغول المصالح الخاصة والتوجهات اليمينية المتطرفة، الأمر الذي سينعكس إيجابا بشكل خاص على الطبقة العاملة التي أنهكت خلال عقود من السياسات المتبعة لتعزيز أرباح الشركات. تظهر الاستطلاعات والانتخابات الأولية تحولا جماهيريا كبيرا نحو اليسار فيما يتعلق بكثير من القضايا بعد الأزمات الكبرى التي عصفت بأمريكا، وما يدل على ذلك فوز ثلاثة مرشحين تقدميين (منهم رشيدة طالب المعادية علنا لإسرائيل) في انتخابات تمهيدية للكونغرس بشكل مفاجئ على مرشحين مدعومين من الشركات. هنالك تغيير اجتماعي كبير يحصل. على سبيل المثال، نشرت المحللة السياسية ليليان ماسون تقول: “لعقود كنا قلقين بشأن سيطرة حزب (تقصد الحزب الجمهوري) يسعى لتكريس تسلسل هرمي تاريخي عرقي (وجنساني)، والذي قمع وحرم العديد من الأمريكيين من العدالة.. ما جعل الطرف الآخر يحشد تحالفا ممن يرغبون بقلب هذا النظام الاجتماعي”.

لكن ما مدى انعكاس تلك التحولات في الداخل الأمريكي على مستوى السياسة الخارجية؟

تعاني الولايات المتحدة مشاكل داخلية ستجعل الانكفاء ضرورة لا مفر منها، مثل انهيار القطاع الصحي، والهزات الأمنية والاقتصاد المشلول والفوضى والانقسام والبطالة المرتفعة، وتبعات وباء كورونا، كما يبين جورج باكر في مقال له على موقع the Atlantic تحت عنوان “هل أصبحت الولايات المتحدة دولة فاشلة؟”. أضف إلى ذلك ما أوضحه رفائيل كوهين المحلل الاستراتيجي والضابط السابق في القوات الجوية في مقال بعنوان why the united states will need a new foreign policy حول التغير الذي سيطرأ على السياسة الجيواستراتيجية الأمريكية بعد عام 2020. ففي نهاية الحرب الباردة ، شكلت امريكا وحلفاؤها الأوروبيون والآسيويون أكثر من ثلاثة أرباع الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

قبل كورونا، انخفض هذا الرقم إلى أقل من 60% وكان من المتوقع أن ينخفض إلى أقل من 50% في المائة بحلول عام 2030، بينما ترتفع حصة خصوم أمريكا إلى 30%. معظم النمو في الصين، في حين كان أكبر انخفاض نسبي في أوروبا واليابان، ما أدى لقلب التوازن الاقتصادي ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وسوف تؤدي تحالفات خصوم أمريكا، والتهديدات المتنوعة، وتناقص الموارد، والضغوط الخارجية المتزايدة لخلق عالم أكثر قابلية للاشتعال وتحديات أكبر للقيادة الأمريكية. يمكن أن يجد الجيش الأمريكي نفسه منتشرا بشكل أضعف من أي وقت مضى عبر المناطق للتعامل مع العديد من التهديدات. ويختتم كوهين: إن السؤال ليس ما إذا كان الرئيس المقبل سيواجه مأزقا استراتيجيًا، ولكن كيف يختار في النهاية إدارته. يمكن للولايات المتحدة أن تضاعف التزاماتها الحالية وتنفق المزيد من المال وربما الدم أيضًا، أو تتراجع وتقبل عواقب الجهات التي تتقدم لملء الفراغ (يقصد أعداء أمريكا).

بالنسبة لي شخصيًا لست متفائلًا أن الأمور قد تؤول إلى الأفضل، خاصة وأننا نعيش ما يسميه بعض الخبراء “عام الأزمات”. ربما نحن مقبلون على الأسوأ. هذا يتوقف ايضًا، في جزء كبير منه، على استجابة جماعات الضغط وصنع القرار في الولايات المتحدة لتلك الأزمات.

مصادر التحولات في الداخل الأمريكي وانعكاسها على سياساتها الخارجية

1

2

3

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق