سياسة وتاريخ

التباعد الاجتماعي في زمن كورونا بين دول الرعاية ودول الوصاية

التباعد الاجتماعي يعني تقليل التواصل المباشر وعن قرب بين الناس إلى أقصى درجة ممكنة، فإن كان ولا بد من اتصال مباشر بين شخصين أو بضعة أشخاص، فعليهم الحفاظ على مسافة مترين بينهم، أو ارتداء كمامات وقفازات.

ومن ثم فالتباعد الاجتماعي يتطلب بقاء غالبية الناس في منازلهم، وإيقاف جميع الأنشطة التي تستوجب تجمع الناس في مكان واحد، وهذا الإجراء يشمل إيقاف التدريس الجماعي في المدارس والجامعات وصلاة الجماعة في المساجد والكنائس، والتوقف عن الذهاب لأماكن العمل سواء كانت شركات أو مكاتب أو محلات صناعة أو تجارة.. إلخ.

وتُستثنى الأنشطة الحيوية، كتجارة المواد الغذائية والأدوية، وعمل المستشفيات، والأنشطة المتعلقة بالخدمات التي لا يمكن الاستغناء عنها كمصالح الكهرباء والماء مثلًا، مع التزام العاملين في هذه المجالات بارتداء وسائل الوقاية المذكور بعضها فيما سبق.

لا شك أن إجراءات التباعد الاجتماعي من أهم الوسائل الفعالة للحد من انتشار الجراثيم المعدية، ومن ثم لما تبين قدرة فيروس التاج 2019 (كورونا) على الانتقال من إنسان لإنسان، وسرعته وسهولته في العدوى، فرضت الصين ثم بعد ذلك دول الغرب تِباعًا التباعد الاجتماعي في المناطق والمدن التي وصلها الوباء، حتى أن دولًا فرضته في كل أنحاء البلاد.

ولا شك أن في فرض التباعد الاجتماعي من قِبَل الحكومات تقييد لحريات الناس، وهذا يُعتبر وصاية عليهم، ومن ثم، ورغم أنها وصاية لا تجوز إلا مؤقتاً وأنها لمصلحة حماية العامة التي تفوق في هذه الظروف الحرية الفردية.

نظرًا لذلك تتعامل الدول المتحضرة الراقية التي تحترم حقوق الناس وحرياتهم مع هذا الإجراء بحساسية، فتقوم بحملات توعية ليفهم الناس الحاجة الماسة والحيوية للتباعد الاجتماعي، ولا تستعمل العنف اللفظي ولا الجسدي تجاه الناس، ولا تعاملهم كمجرمين فيضربهم رجال الأمن ويجهرون السلاح في وجههم لإجبارهم على البقاء في البيوت، ولا تطارد الفرد الواحد في الشارع لأنه لا يشكل خطرًا مادام ليس في اتصال مباشر مع أناس آخرين دون وسائل وقاية، ويحافظ على مسافة مترين على الأقل بينه وبين من يصادفهم في الطريق، فبديهي أن يخرج أفراد لقضاء حاجيات البيت الضرورية، أو لممارسة رياضة فردية في الطبيعة، أو لنزهة من حين لآخر في الحدائق العمومية، ما دامت غير مكتظة وتفسح مجالاً من المساحة للحفاظ على مترين على الأقل بين المتنزهين، هذا كله تأخذه الدول الراقية المتحضرة العقلانية بعين الاعتبار حين تفرض التباعد الاجتماعي.

إجراءات الوصاية يجب أن يصاحبها واجب الرعاية

والدول المتحضرة التي تدرك مسؤوليتها تجاه الناس، تعرف أن الوصاية لا بد أن تكون ملازمة للرعاية، فلا يمكن بحال اكتفاء الدولة بمنع الناس من العمل والخروج من بيوتهم، دون أن تتولى هي رعاية الشؤون والمصالح التي مُنعوا هم من قضائها، فمن واجبها أن تكفل لهم كل الضروريات التي تجبرهم عادة على الخروج من البيت، وأهم دافع لاضطرار الإنسان للخروج من البيت، هو كسب المال للقدرة على النفقة على نفسه وأسرته.

وهكذا غالب دول الغرب خصصت راتباً شهرياً للناس الذين اضطروا أو أُجبروا للبقاء في البيت وعدم الذهاب للعمل، إذا لم تستطع الشركات تمكين استمرار ممارسة عملهم من البيت وتوقفت عن دفع رواتبهم، ومنحت تعويضات مالية لكل الشركات (صغيرة ومتوسطة وكبيرة) وأصحاب المحلات التجارية والأعمال الخاصة الذين أُجبروا على التوقف عن العمل، كلٌّ يمنح مبلغاً حسب حجم الشركة أو المحل التجاري وعدد العاملين بها، كما أنها مكنت في كثير من الحالات استمرار التعليم الدراسي عن بُعد، فلم يتوقف التلاميذ عن الدراسة، إذ استمر المعلمون في إعطاء حصص التعليم للتلاميذ عبر الشبكة العنكبوتية.

ومن مقتضيات الرعاية تمكين السجناء أيضاً من إجراءات التباعد الاجتماعي لوقايتهم من العدوى، فيطلق مثلا سراح –ولو مؤقتا– المحكومين في جنايات إدارية أو قضايا لا تتعلق بالدماء -ناهيك عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، الذين سجنوا أصلاً ظلماً- ليصبح متسع في السجون يُمَكِّن تحقيق تباعد اجتماعي بين السجناء المتبقين.

وكذلك من مقتضيات الرعاية التي تقوم بها غالب دول الغرب -ولو بتفاوت- أنها زادت من النفقات في مجال الصحة، فاشترت مثلاً المزيد من أجهزة الرعاية الطبية المركزة، وفتحت مصحات إضافية -سواء بنايات جديدة، أو استأجرت بنايات أو فنادق- ووظفت المزيد من الممرضين، لتستوعب الأعداد المتزايدة من المرضى.

وبدأت على الفور في تمويل أبحاث مختبرية لتطوير وسائل لكشف العدوى بفيروس التاج الجديد (كوفيد 19)، ولمعرفة كل خصائصه، ومن بين هذه الأبحاث ما هو متعلق بحل شفرة المادة الوراثية لأكبر عدد من الفيروسات، كل واحد منها مستخرج من مريض معين -عَيِّنات من مختلف الأماكن الجغرافية المُصابة بالوباء في البلاد، ومختلف أوقات الإصابة، ومختلف الأعمار، ومن الذكور والإناث- فهذا يعطي لمحة عن مدى قدرة الفيروس على التغير، كما أن نتائج فحص الحمض النووي لأعداد كبيرة من الفيروسات تُستعمل لاختيار الجزئيات المحفوظة لا يُغيرها الفيروس، لتكون هدفاً لتطوير لقاح ضدها، ومن ثم تجربة فعالية اللقاح وسلامته، قبل الترخيص لاستعماله.

غالب الدول في العالم الإسلامي اكتفت بإجراءات الوصاية وبشكل قمعي

عرضت فيما سبق بعض إجراءات الرعاية التي تقوم بها كثير من دول الغرب، فماذا قامت وتقوم به الدول في العالم الإسلامي ومن بينها غالبية الدول العربية؟ هذه الدول تكتفي بتقليد الغرب، ويا ليتها قلدته في الإجراءات المتعلقة بالرعاية التي ذكرت بعضها فيما سبق!

فكيف يُعقل أن تمنع الناس من الخروج للعمل، دون أن توفر لهم راتبًا شهريا طً طوال مدة الحجر الوقائي يغنيهم عن الحاجة للعمل؟

فغالب الدول في العالم الإسلامي لم تقلد الغرب إلا في إجراءات التباعد الاجتماعي والحجر العام، لم تقلده إلا في إجراءات الوصاية، بل وبحكم طبيعة نظام حكمها السلطوي، واحتقارها لشعوبها، غالت كثير من تلك الدول في إجراءات الوصاية، فرأينا المسارعة لنشر جيوش في الشوارع بدبابات وأسلحة رشاشة وكأنها في حرب ومواجهة ضد الشعب، ورأينا حالات شتم وسب رجال الأمن للناس، وحالات ضرب وسحل وتهديد بالسلاح، لا يُقبل بحال في أي دولة –غربية أو شرقية– إهانة العصاة لأوامر حظر التجول من الناس وشتمهم أو ضربهم، بل يُكتفى بأمرهم بالعودة لبيوتهم دون تعنيف لفظي أو جسدي، وفي أقصى الحالات تغريمهم مبلغاً مالياً بالمعروف -غير مُبالغ فيه- يُصرف حصريا في إجراءات مكافحة وباء كورونا.

وكثير من الدول في العالم الإسلامي وضعت شروطاً وإجراءات للتباعد الاجتماعي أقل ما يقال عنها أنها شروط ارتجالية وغير عملية البتة، بل وقد تساهم في نشر العدوى بدلًا من إيقافها، من بينها –في بعض الدول– شرط حيازة ترخيص للخروج من البيت لقضاء حاجيات ضرورية، لا يتم الحصول عليه –أي الترخيص– إلا بالذهاب شخصيًا للمصالح الإدارية، فيحصل اكتظاظ للناس عند تلك البنايات وداخلها، ويتم تواصل مباشر وعن قرب بين الموظفين وأعداد كبيرة من الناس، مما يمكن أن يُحَوِّل الموظفين أنفسهم الى موزعي فيروس التاج، فكلما كثر اتصال الموظف بالناس كلما زاد احتمال إصابته.

ناهيك عن إجراء حظر التجول بالليل، فلا يدري عاقل ما محل هذا الإجراء من الإعراب؟ هل فيروس كورونا يتنقل وينشط بالليل فقط وينام بالنهار؟

من سياسات الرعاية تطوير الأبحاث التجريبية وإتقانها

أما الأبحاث المختبرية لتطوير وسائل لكشف العدوى بفيروس التاج، ومعرفة خصائصه الوبائية، وحل شفرة مادته الوراثية وتطوير لقاح ضده، فهذه كلها أعمال متروكة للغرب والصين حصريًا، لا تفكر الحكومات في معظم البلدان الإسلامية حتى في الحلم في تمويل مشاريع ضخمة تدشن لنهضة في علم الفيروسات وعلم الأدوية، فتصبح تعتمد على نتائجها هي العلمية في اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية والعلاجية، وتصبح تنتج دوائها.

ولا يُقال إن الدول في العالم الإسلامي ليست لها الإمكانيات لذلك، فهناك ما يكفي ويزيد من الطاقات البشرية المتخصصة في هذه العلوم ولها القدرة على الإبداع والاكتشاف والتطوير والإنتاج، لو أُعطيت لهم الصلاحيات اللازمة ومُنحوا الإمكانات المالية الكافية.

ولا يُقال إن الدول في العالم الإسلامي تنقصها الإمكانات المالية، فالأموال الباهظة التي تُنفق مثلاً على الأجهزة القمعية (الأمنية) المختلفة، وتُنفق على الحروب الوظيفية –حروب الوكالة عن أمريكا–، ومهرجانات الرياضة والرقص والغناء، وبناء القصور والنفقة على خدمتها وصيانتها، وتمويل حياة البذخ للفئات المتنفذة في البلاد، ناهيك عن نهب المال العام، هذه الأموال كافية لتمويل أضخم وأكبر المشاريع العلمية والصناعية التي تعود فعلاً بالمنفعة على عامة الناس، وتجعل المسلمين يعودون للمساهمة في التقدم المادي للبشرية، إلى جانب وجوب عودتهم لقيادتها خُلقيًا وروحيًا، وإحياء الإحساس بمسؤوليتهم تجاه البشرية جمعاء.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

هشام البواب

الدكتور هشام البواب، محلل سياسي واجتماعي مستقل. مقالاتي تشمل موضوعات سياسية واجتماعية وعلوم تجريبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق