سياسة وتاريخ

التاريخ.. هنا بين صفحاته المتهالكة سر صناعة الحضارات وبناء الأمم

التاريخ كلمة لطالما سمعناها، لكن لم نعرف مغزاها بشكل دقيق، فبعضنا يعتبره علمًا قديمًا، أكل عليه الدهر وشرب ولم تعد دراسة التاريخ تصلح في حياتنا المعاصرة. فهل هذا الطرح صحيح؟ وهل صحيح أن ليس ثمة تاريخ بشكل أو بآخر في حياتنا الاجتماعية؟

أصبح مجتمعنا المتحضر سريع الحركة، مما فرض نوعًا من العزوف عن كل علم لا يواكب التطور وعصر السرعة بشكل مباشر، ومن ثم عزفنا عن دراسة التاريخ، بل يرجع سبب عزوفنا عن دراسة التاريخ ربما إلى طغيان المادة على حياتنا المعاصرة،ومن ثم يقول قائل لماذا سأدرس علم بعيد عن زماني وقضايا مجتمعي الحالية!! فالتاريخ كعلم يدرس الأحداث التاريخية ويتناولها بتحليل والجرد ثم إعادة الصياغة بغرض فهم الأحداث التاريخية بدقة وموضوعية أكبر.

وجدير بالذكر، أن التاريخ يتناول مواضيع قديمة القدم لكن إن لم يكن التاريخ فحتى مواضيع مجتمعنا الراهن ستصبح يوماً محسوبة عن الماضي وستذهب أدراج الرياح إن لم يكن التاريخ علم قائم بذاته. فالفضل يرجع للمؤرخين وتدوين وتحليل ووضع المناهج الصارمة لتحري دقة الحقيقة التاريخية، كلها ترجع لتاريخ، فلا يمكننا أن ننكر الدور المحوري الذي يلعبه دراسة التاريخ في حياتنا الاجتماعية المعاصرة، بل الأحداث والوقائع هي الأخرى يطبعها مبدأ التراكم وينسخ بعضها بعضاً.. فالحياة في تجدد وحركية دائمة، لذلك وجب التدوين الأحداث لتدخل الذاكرة وتدرس وتصبح ضمن ثقافة أجيال قادمة.

إذن لا أحد ينكر الدور الذي لعبه التاريخ ويلعبه ولا يزال سيلعبه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، بل إن التاريخ بنى حضارات وأمم، ستقولون لي كيف لتاريخ أن يبني وهو مجرد ذاكرة تسجل أحداث والوقائع! وأقول لكم إن الأحداث التي يسجلها التاريخ تحمل نمط وثقافة عيش مجتمع ما، بل نظمه ومعتقداته السياسية والدينية التي كان يعتنقها، من هنا نفهم أن دراسة التاريخ هو سبب نهضة الأمم، ومعرفة تقاليد أجدادنا وثقافتنا، بل هويتنا الإسلامية نفسها، كيف لها أن تصل إلينا لولا أن القرآن دُوّن في عهد عثمان رضي الله عنه، ودَوّن الصحابة الأحاديث وجمعها البخاري ومسلم في صحيحيهما، بالله عليكم كيف كان أن يصل إلينا تراثنا الإسلامي الوحي والسنة لولا وجود التدوين!!

إذن دراسة التاريخ لها دور محوري في الانفتاح على تراثنا ودراسته ومعرفة ما فيه، فسبب نهضتنا يتم بمعرفة أولًا تقاليدنا تراثنا الذي يشكل رمز هويتنا كمسلمين، ثم الانفتاح على العلوم الأخرى والنهل منها كل ما يعود علينا بالنفع في أمور ديننا ودنيانا، فالمعرفة التاريخية هي سبب نهضة الغرب، فكيف لأمة أن تنهض وهي تجهل تاريخها وما يشكل هويتها؟

إن أزمتنا الحالية هي أزمة هوية فنحن لم ندرس تاريخنا الإسلامي، وأمجاد أجدادنا المجددين الذين حققوا نهضة علمية وفكرية في زمان كانت فيه أوروبا تتخبط في ظلمات الجهل والرذيلة! ولعل الأندلس إلى يومنا هذا يشهد على الحضارة التي شيدها رجال مسلمون مؤمنون.. قيام الدولة الأموية في الأندلس (إسبانيا حاليًا) ولا زال ما شيدوه هناك دليلًا على قوة ودرجة التقدم والتحضر الذي بلغه المسلمون من فترة باكرة في فجر التاريخ. فلا يمكن أن تحقق أمة نهضة ومجد وعزة ونصرة وهي جاهلة برجال تاريخها وإنجازاتها، فالقديم هو بناء الجديد.

اقرأ أيضاً: العظماء والتاريخ.. من يصنع الآخر ويضمن له الخلود؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أيوب حطوبا

أيوب حطوبا العمر : 31 سنة طالب باحث في التنمية الذاتية وعلم نفس بدأت مسيرتي ب قراءة الكتب(التنمية الذاتية وعلم نفس) لما يقرب من 15 سنة، ثم توجت هذه التجربة بتلخيص الكتب وأخيرا كتابة مقالات عند مدونة 22 arabi. أتمنى أن أفيد وأستفيد معكم. شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق