سياسة و تاريخ

التأميم الإيديولوجي للوطنية كأزمة رئيسة في الوعي القُطري

من خطيئة أولئك الذين ورثوا من دون فرع ولا أصل ولا حتى نص سيادة الشعوب العربية على نفسها من الاستعمار، وجلها نخب عسكرية، لم يثبت التاريخ في معظم التجارب القطرية العربية أنها كانت مناوئة للاستعمار حتى لا نقول كانت مناولة (من المناولة) له بالعمالة، أنها استفرغت كل الوقت والجد الذي منحه إياها جهل وقلة وعي الشعوب وجماهير فترة التأسيس القطري الذي أعقب موجة استعمار الكبرى للتأسيس إلى وطنية رام من خلالها هؤلاء أن تتجاوز في ضيق مفهومها الأيديولوجي الجاهز نطاق المعنى الطبيعي المتصل بالانتماء التاريخ والجغرافيا للبلد، وجعلها أيديولوجيا ذات محتوى خاص يحمل الحقيقة “الجمعية” الوحيدة للجماعة الوطنية، وهي بذلك أم العقائد والإيديولوجيات التي قد تطرح في سوق الأفكار بسر سلعها وعلنه، وذلك بغرض التمركز، بمزية التأسيس، في تاريخ القطري ومن ثم الحصول على شرعية تقفز على كل الأطر القانونية والمؤسساتية وميكانزامات خلق وتفعيل أجهزة الدولة، مستديمة ووراثية سواء سلالية أو شللية للسلطة والدولة وهذا أتعس ما تعانيه الأوطان العربية اليوم في أزمة ما يسمى بالديمقراطية وسيادة الشعوب على نفسها وقدراتها.

الميلاد القُطري خارج الوعي

فالواضح أن الاختلاق القطري العربي الذي مارسه الاستعمار كان اختراقا لكتلة صلبة متصلة في الزمان والمكان للثقافة والمشاعر أتاحه له غياب الوعي بلحظة التاريخ التي كان الاستعمار قد طبعها ووسمها بفكره وميسمه، وعليه كان يلزم الإنسان العربي زمنا ليس بالقصير كي يعد استكشاف حالة انوجاده وطبيعتها القسرية التي تداعت لهيمنة وهيلمان الاستعمار، وفي انتظار ذلك ابتلع كل ما سقي به من عناوين وتفصيلات وخطابات متعلقة بالدولة الوطنية، ولزم الفاعل السياسي والتاريخي جهدا كي يستوعب معنى هذا الانوجاد السياسي العصري المركب على أنقاض قديمة، كالقبيلة، الطائفة، الجهة والشلة، وكيف تشكل ذلك التركيب في قالب أيديولوجي اكتسح المعنى المحايد الذي تتصف به الوطنية كمفهوم وممارسة في الغرب، وبهذا المعنى فإن تراكم الوعي النقدي بالمسألة الوطنية وفك تركيبها و(الاستلحاق) القسري الذي اربد لها في التأسيس القطري يجعل من كل ثورة ضد السلطة هي ثورة ضد الادلجة الوطنية وهي في كبرى مقاصدها ثورة لإعادة التأسيس الوطني خارج اللحظة المأزومة والمستديمة التي تمت خارج الوعي.

الوطنية.. أدلجة وتأميم في الممارسة والمفاهيم

في كتابه الشهير (بين الرشاد والتيه) يقول المفكر الجزائري ما لك بن نبي بخصوص مصير الاختلاق الإيديولوجي المصلحي (إن الايدولوجيا التي لا تتضمن – بصفتها أفكار موجهة قوية – إلا مصالح عاجلة، فإنها – وإن كانت محترمة – لن تفتح الطريق لغير سياسة قصيرة محدودة المدى على قدر الشعارات التي دفعتها).

لو حاولنا إسقاط هته الخلاصة في الاختلاق الإيديولوجي ألاستعجالي على المسألة الوطنية في عالمنا العربي، سندرك لا محالة حقيقة أزمة المجتمعات العربية المركبة والمنبثقة كلها عن عملية الاستيلاء الإيديولوجي التي تمت على البعد الوطني بمقوماته الفطرية الطبيعية ذات الصلة بالتاريخ والجغرافيا.

فالوطن صار ملحقا وممتلكا لطرف دون آخر فقط لأنه حاز السبق في قيادته الأولى بعد الانبثاق القطري واستحال ذلك الإلحاق والمُلك إلى عنون ومعنى للوطنية يحملها بالوجوب والقسر كل مواطن فهزمت الوطنية المؤدلجة كل مساع انبلاج وتجلي المواطنة بحسبانها المعنى المحايد والحقيقي للوعي بالوجود الوطني.

الارتهان للاستعجال

وهكذا وجدت القطريات العربية الحديثة أو المستحدثة نفسها وهي تلبس معنى حجري للوطنية المؤدلجة في قفص الارتهان والاستعجال الدائم الذي يحمل تناقضين في طبيعته أولها كونه استعجالي يفترض أنه قصير المدى على نطاقي المفهوم والتطبيق لكنه مع ذلك يستديم في الحضور، وباستدامته تلك في وعاء الاستعجال يغدو خطرا على الكيان الجمعي الوطني، وحتى يدرأ عن نفسه خطورته على المجتمع تلك يعمد إلى خلق أزمات مع مختلف التيارات والأفكار النقادة والمنتقدة لوضعه غير الطبيعي في التاريخ الوطني، الدينية منها والدنيوية تلكم الأفكار التي أفرزها مسار الوعي المتغذي عن أسئلة الوجود الوطني التي أفرزها النظام بخلفيته الوطنية المؤدلجة، وذلك بالتخوين والعمالة للتيارات الحداثية والرجعية للتيارات الدينية قياسا بالنصوص المقدسة للأيديولوجية “الوطنية” الضامنة للوحدةبل الحاملة لمعناها الأوحد والأوكد وخطابها المجتر عبر نخب ثقافية انتفاعية استهلاكية.

إن إلحاق المعنى المحايد للوطنية من قبل جماعات التأسيس القطري وجعله فكرة ومشروع سياسي وهوية للبلاد والعباد كما هو الحال في تلبس الرمزيات التاريخ لاضفاء الشرعيات على معنى الوطنيات المؤدلجة كالمملكة الهاشمية (الأردن)، السعودية، المملكة الشريفة (المغرب)، أرض المليون شهيد (الشرعية الثورية بالجزائر) لا يقل في خطورته عن خطورة من احتكروا معنى التراث كاللغة أو الدين وجعلوا أطاريحهم فيها هو مكنون الحقيقة الوطنية الوحيد وأن خلاف ذلك هو خطأ ديني أو لغوي أو ثقافي يمضي عليه مجتمع الدولة الوطنية أو القطرية التي في الحقيقة بظهورها كمعطى تاريخي عن حقبة الاستعمار مشكلة صدمة للعقل العربي كي يتبناها بالسلاسة والسهولة التي تمت في الغرب كونه لم يصفي الكثير من سلفياته وسردياته ولا زالت أسئلته التاريخية مع التراث الديني والإثني والجغرافي تطرح نفسها عليه بثقل التاريخ في حين لا يملك عقل الاجابة عنها لغيبوبته الطويلة عن الوعي التاريخي الذي حفل بنشأة الجغرافيا السياسية الجديدة وأسس قيامها وسريانها وجريانها في فضائي الزمان والمكان معا.

وعلى ضوء كل ما تقدم فإن ليغدو واجبا التأكيد على أن التقلبات التي يعرفها الشارع العربي التائه في بمطلبياته ليس يصلح التسطح في التصدي لها وطرحها على طاولة التشريح، دونما العودة إلى لحظة الولادة الوطنية واستجلاء ظروفها وملابساتها وما تداعى عنها من تعقيدات تستمر في تعطيل تطور ونمو المجتمعات العربية، فلا يمكن البتةاختزال أزمة ضاربة بجذورها في التعقيد، قبول هذا الانغلاق في القوقعة الدستورية والحديث عن أزمات الشرعية الانتخابية التي تتأتى عن عمليات تزوير تقنية إجرائية، تمارسها النظم (القديمة /المتجددة) تمنع من خلالها التأسيس لأي فكر خارج النص الوطنية المقدس وبالتالي احتكار (المعبد) مثلما تمنع هاته النظم نفسها احتكار المعبد الديني كمعطى ومعنى للجماعات الدينية، بل يتوجب النفاذ إلى أسس التزوير الأولى التي وسمت ظاهرة الانبلاج القُطري وتماهت في معنى الوطن والوطنية من دون وجه حق.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق