علوم وصحة

البيولوجيا الجديدة تشبه الرقص!

في وقت يبلغ فيه التوجه الاختزالي أوجه مع نموذج “الداروينية الجديدة”، ثمة توجهات وبدائل تفسيرية أخرى، أحدها المنظور البنائي الذي قدمه العالم البيولوجي بريان غودوين. يرى غودوين أن البيولوجيا الجديدة هي علم دقيق يدرس المنظومات المعقدة ويرتبط بالديناميات والنظم المنبثقة بدلًا من استعارات مثل: الصراع والتنافس والجينات الأنانية واللياقة. والتطور هو عملية غير هادفة، إنما حركة في فراغ تشكلي، أي الفراغ الذي يشكل المتعضيات.

يحاول غودوين استكشاف القوانين ومبادئ تنظيم المادة الحية وسيروراتها، وذلك لجعلها قريبة من علم الفيزياء. ولعل أحد الأسئلة الهامة التي عنى بها غودوين كان: كيف نعرف الحالة الحية كمنظومة دينامية؟
وقد أسهمت أبحاثه في إيضاح أن المتعضيات (الكائنات الحية) هي منظومات إيقاعية، دينامية موحدة تعمل على ترددات مختلفة. أنت/ي مثلا لديك متحولات ايقاعية: حرارتك، نبض القلب، تنفس، الدورة الشهرية الخ. مع هذه الرؤية أصبح لدينا فكرة المرض الديناميكي، وهي أفكار اشتغل عليها البيولوجي آرثر وينفري. مثلا، حين يتحول أحد أعضاء الجسم (كالقلب) لنمط ديناميكي آخر (كالارتعاشات البطينية) فإن الإنسان سيموت بأزمة قلبية. الجسم منظومة قوية تتفاعل مكوناتها وتدعم بعضها.
يتخد غودوين مقتربًا يجعل المتعضية هي وحدة أولية في التطور (بدل الجين)، فهي الكينونة الخاضعة للتغيير التطوري.
تنجح الداروينية الجديدة في تفسير التغيرات الميكروية (المقياس الصغير)، لكن مشكلة التغيرات الماكروية ليست محلولة. كيف نحصل على نوع جديد (الانتواع)؟
أنها نقطة انطلاق داروين. ويبدو أن غودوين قد عاد الى البدايات.
يقوم نقاش حول منشأ السلوك‎ ‎التعاوني عند الحشرات الاجتماعية مثل النمل. تفسر هذه الظاهرة عادة وفق مبدأ “اصطفاء القرابة” الذي طوره وليم هاملتون. وتقوم فكرته على أن الحشرات المتعاونة هي ذات قرابة وتتشارك نفس الجينات. يجد غودوين أن هذا لا يفسر نشأة الظاهرة بل يسفهها. ينبغي دراسة ديناميكيات تفاعل الجماعة.
يحاول غودوين تفسير دور الجنس في التطور أبعد مما فعله الداروينيون الجدد فيما يسمى البيولوجيا الجديدة الذين قالوا أنه يدعم التنوع في الخوارزميات الجينية. ويلاحظ أنه بالتركيز على الجينات وتغيرها زمنيا، يتم اهمال البعد الفراغي للمتعضيات التي هي منظومات منظمة فراغيا. ولتوصيفها نحتاج نظريات جديدة تشبه نظريات الفيزياء لشرح النظام الفراغي. بالتالي ينبغي تعزيز دور الفيزياء والرياضيات في البيولوجيا. لفهم نشوء التشكل نحتاج نظريات حقول تعالج سيرورات وبنى الزمان والفراغ.
ويؤمن غودوين بأن الكون ينطوي على ابداع عميق. الاختزالية الجينية مغالطة، لأن الجينات تعمل ضمن المتعضية التي هي مبدعة.
تؤكد الداروينية على الصراع. وهذا لا يبدو متناسبًا مع الشواهد. يفترض غودوين، ويتابع أن السؤال ليس “من الاأضل؟”، بل إيجاد مكان تكون فيه ذاتك واستكشاف امكاناتك. لكل نوع صراعه ليعبر عن وجوده. في الطبيعة هناك تنافس وهناك تعاون.
إن سيرورة الحياة هي رقص خلاق، هذا هو التطور. ليس للتطور معنى وهدف واتجاه. إنه ذاته فقط.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق