علوم وصحة

البيوفيليا: هل يؤثر الاتصال البصري مع الطبيعة على الصحة والرفاهية؟ (4)

مراجعة مشتركة للباحثين: بيورن غريند (المعهد النرويجي للصحة العامة)، غريد باتل (الجامعة النرويجية للعلوم الحيوية)
دراسات تجريبية على البيئة الداخلية
ثبت أن موظفي المكاتب يعوضون نقص النوافذ عن طريق إدخال النباتات الداخلية أو صور الطبيعة. والسؤال التالي هو ما إذا كانت النباتات أو الصور تحسن الأداء أو الصحة أو الرفاهية للموظفين. في نفس مجتمع الدراسة، وجد أن مشاهدة النباتات من محطة العمل قلل من مقدار الإجازات المرضية المبلغ عنها. أكثر من عشرين دراسة في أماكن العمل والمدارس والمستشفيات دعمت هذه النتائج. لم تبلغ أي دراسة عن آثار سلبية للنباتات.
النباتات الداخلية تحسن من جاذبية المكان. قد تشير فرضية البيوفيليا إلى تأثير النباتات على الحالات العاطفية؛ وملكن الدراسات أخفقت في العثور على أي تأثير ثابت.
هل يؤثر الاتصال البصري مع الطبيعة على الصحة  
خلصت الدراسات إلى أن المرضى كانوا أكثر تحملا للألم عندما تتواجد النباتات في الغرفة، وكانت النباتات المزهرة أكثر تأثيرا. نظرت تجارب أخرى في تأثير النباتات على أداء المهام أو اليقظة الذاتية. الفكرة هي أن وجود النباتات الداخلية قد يساعد في الانتباه عن طريق استرخاء الأشخاص ومساعدتهم على التعافي من الإرهاق الذهني.
وجد أحد التقارير أن الأداء في التعرف على الحروف انخفض مع وجود عدد أكبر من النباتات، وهو فسر بأن الانبهار بالنباتات قد يتداخل مع التركيز على المهمة المطروحة. تم الإبلاغ عن انخفاض في الشكاوى الصحية، مثل التعب والسعال، في العاملين بالمكاتب والمستشفيات عندما تمت إضافة النباتات إلى بيئة العمل. ولوحظت نتائج مماثلة لدى أطفال المدارس. يعزو المؤلفون النتيجة الإيجابية لهذه التجارب إما إلى تحسن في جودة الهواء، أو البيئة المرئية اللطيفة. ولكن من المنطقي افتراض أهمية عامل التأثير البصري.
المناقشة
تدعم جميع الأدلة التي تمت مراجعتها، فكرة أن التفاعل مع الطبيعة له تأثيرات إيجابية على الصحة والرفاهية. وبالتالي، فإن فرضية البيوفيليا لها مزايا هامة. تتضمن الأدلة دراسات حول الأنشطة الخارجية، والاستخدام العلاجي للطبيعة، والتفاعل المرئي مع الطبيعة (إما الطبيعة الواقعية أو بالصور) ، وإضافة النباتات إلى البيئات الداخلية. يعتمد النقاش أعلاه على بيانات تجريبية، ولكنه مدعوم بتوقعات نظرية كذلك، ما يشير إلى أن غياب الطبيعة هو “تعارض” محتمل.
تم طرح المسألة الأخيرة من قبل ريتشارد لوف، الذي يستخدم مصطلح “الإفقار الطبيعي” nature-deficit، ويقترح أن الزيادة في انتشار حالات مثل السمنة واضطرابات التشتت والاكتئاب ترجع جزئيًا إلى انخفاض تعرض الأطفال للطبيعة. يمكن وصف البيوفيليا على أنها تفضيل غامض لوجود بيئة طبيعية كنتيجة لتاريخنا التطوري. على هذا النحو ، يتوقع المرء أن تكون النباتات محبذة، وأن غياب المساحات الخضراء محسوس، ربما دون وعي، كعامل إجهاد.
بمعنى آخر، يمكن أن يؤثر وجود النباتات على العقل البشري. ومع ذلك، فإن البيوفيليا ربما لا تكون سمة ذات نفاذ قوي. وبالتالي فإن العلاقة بين الإنسان والنبات من المحتمل أن تتشكل إلى حد كبير من خلال العوامل الثقافية والخصائص الفردية.
تشير النتائج المتنوعة إلى أن هناك حاجة لمزيد من البحث لتحديد الآثار المحتملة للنباتات الداخلية الموضوعة ضمن أوعية. لم تذكر أي من الدراسات آثار سلبية واضحة.
يمكن القول أنه إذا لم يكن هناك أي تأثير، فمن المتوقع أن يوجد عدد متساوٍ من الدراسات السلبية والإيجابية. من ناحية أخرى، المنشورات عرضة للتحيز في التقارير التفضيلية للنتائج الإيجابية. ليس من الممكن معرفة عدد النتائج المحايدة أو السلبية الجديرة بالثقة التي لم يتم نشرها، ولكن حقيقة أن العديد من المقالات أبلغت عن عدم وجود تأثير يشير إلى أن كلا النوعين من النتائج سيكونان قابلين للنشر.
تتمثل إحدى المشكلات في اكتشاف التأثيرات المحتملة في أن معظم الدراسات ، لأسباب عملية، تمتد لفترة زمنية قصيرة. ينظر البعض فقط إلى التفاعل القصير مع النباتات، بينما قد يتابع البعض الآخر لمدة عام أو نحو ذلك. إلى الحد الذي يعتبر فيه غياب النباتات تعارضا، قد يتوقع المرء أن العواقب تكون أكثر وضوحًا على مدى الحياة. علاوة على ذلك، على الرغم من أن الإمكانات العلاجية أو الوقائية للنباتات من المحتمل أن تكون محدودة، حيث أن البيئة الداخلية هي الإعداد اليومي لغالبية السكان الحاليين، إلى أن الآثار الطفيفة لإضافة النباتات يمكن أن تؤدي إلى انخفاض كبير في العبء الصحي على على نطاق عالمي.
قد يكون التأثير الإيجابي للحصول على منظر من النافذة مرتبطًا بالانفتاح الملحوظ أكثر من ارتباطه بأي خصوصيات للمنظر. تناول فيلارد وآخرون هذه المشكلة وخلص إلى أن رؤية المياه المفتوحة أفضل من المناظر الطبيعية للمدينة المفتوحة، لكن المناظر الطبيعية الخضراء قدمت أفضل النتائج. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المساحات الخضراء التي يُنظر إليها على أنها غير مُدارة قد يكون لها تأثير سلبي في المدن لما تسببه من القلق من الجريمة.
أبلغت بعض الدراسات عن اختلافات في الاستجابة للنباتات حسب الجنس. يبدو أن هناك ميلًا لدى النساء للاستجابة للنباتات بشكل أقوى من الرجال. من الناحية النظرية، قد يتوقع المرء أن تهتم النساء أكثر بالنباتات بسبب الاختلافات في الأنشطة خلال الفترة التكوينية للتطور البشري؛ أي أنه من المفترض أن تكون النساء أكثر انخراطًا في جمع النباتات كغذاء، بينما كان الرجال أكثر استعدادًا للصيد. ومع ذلك، قد يكون الاختلاف أيضًا بسبب التحيز الثقافي؛ ففي المجتمعات الغربية، كانت مهمة المرأة تقليديًا هي العناية بالمنزل، والتي ستشمل عادةً نباتات الحدائق والنباتات الداخلية.
يبدو أن هناك اتجاهًا حاليًا نحو محبة التلفزيون وشاشات الكمبيوتر بدلاً من الطبيعة، حيث يستخدم الناس الأولى أكثر والأخيرة أقل. على الرغم من أن النباتات الداخلية قد تخفف بعض الآثار السلبية لهذا الاتجاه، إلا أنها بالكاد يمكن أن تكون أكثر من بديل لتجربة الطبيعة الحقيقية في الهواء الطلق. يمكن تعزيز أو إخضاع سمة البيوفيليا من خلال التعلم الفردي.
ومع ذلك، يبدو من المحتمل أنه حتى لدى الأفراد الذين لا يعبرون عن أي تقدير للنباتات والطبيعة، يمكن أن يكون لنقص الطبيعة تأثير سلبي. يبدو أنه من المفيد تشجيع التفاعل مع النباتات، في الهواء الطلق وداخل المنزل، حيث من المحتمل أن تكون هذه مبادرة بيئية مفيدة مع ملمحات جيدة لحسابات التكلفة والعائد.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى