علوم وصحة

البيوفيليا: هل يؤثر الاتصال البصري مع الطبيعة على الصحة والرفاهية؟ (2)

مراجعة مشتركة للباحثين: بيورن غريند (المعهد النرويجي للصحة العامة)، غريد باتل (الجامعة النرويجية للعلوم الحيوية)

الرؤى النظرية

شكلت قوى التطور البشر، كأي نوع آخر. ويستخدم مصطلح بيئة التكيف التطوري (اختصارًا EEA) للدلالة على صفات البيئة التي تكيف البشر للعيش فيها. من الواضح أن هذه البيئة تضم حضورًا أوثق للطبيعة مقارنةً بالبيئة التي يختبرها معظم الناس اليوم. كانت النباتات ذات أهمية حاسمة للبقاء على قيد الحياة خلال معظم تاريخنا التطوري، كمورد غذائي ومأوى وكمؤشر على المياه. بناء على أسس نظرية بحتة، يتوقع أن يكون لوجود النباتات كجزء لا يتجزأ من بيئة الإنسان التكيفية، تأثير على تطور الدماغ. من المفترض أننا مهيئين للعيش في بيئة خضراء.
لقد تمت الإشارة إلى أن الانحرافات في طريقة الحياة التي صممناها لا تتوافق وراثيا معنا. بعض حالات عدم التطابق مفيدة، مثل النوم على أسرة بدلاً من الأرض، في حين أن البعض الآخر قد يساهم في المرض أو يقلل من جودة الحياة. يتم استخدام كلمة “التعارض” لوصف حالات عدم التطابق التي لها تأثير سلبي؛ أي أنها تسبب شكلاً من أشكال الكرب، على الأقل لدى الأفراد المعرضين للإصابة. توضح حدائق الحيوان هذه النقطة، إذ يحتاج القائمون عليها إلى فهم البيئة التكيفية الأنسب التي يجب توفيرها للحيوانات. والحالة المثالية هي تطبيق البيئة التكيفية الأقرب للحيوانات المعنية، أي الشروط الواجب توفرها في البرية. والإخلال بهذه القاعدة يجعل الحيوانات تظهر سلوكا غير لائق كأن تؤذي نفسها وترفض الأكل والتزاوج.

هل يؤثر الاتصال البصري مع الطبيعة على الصحة

يمكن تفسير المجتمعات البشرية الحديثة على أنها حدائق حيوان ذات بيئة تختلف عن البيئة التكيفية البشرية. والخطوة نحو تحسين حالتنا هي تجنب التعارضات وخلق بيئة تقترب قدر الإمكان من بيئتنا التكيفية. والاستراتيجية المرشحة هي مقارنة نمط حياتنا مع البيئة المفترضة التي عاش فيها أسلافنا، وتقييم التعارضات بالبحث التجريبي. على الرغم من أن أي عضو أو وظيفة جسدية يمكن أن تعاني من التعارضات، إلا أن الدماغ البشري يبدو ضعيفًا بشكل خاص بسبب تعقيده، وحقيقة أنه يتطلب نضجًا كبيرًا بعد الولادة، وأن النضج يحدث استجابة للمنبهات البيئية. هذا الضعف يفترض أنه يساعد في تفسير سبب كون الاضطرابات النفسية إحدى المشكلات الصحية الرئيسية في المجتمعات الغربية.
وبالتالي، إلى الحد الذي يعتبر فيه نقص العناصر الطبيعية تعارض، يتوقع المرء أن الارتباط الوثيق بالطبيعة يجب أن يحسن الصحة النفسية. ركزت معظم الأبحاث المتعلقة بالبيوفيليا على الآثار الإيجابية للارتباط بالنباتات بدلاً من الآثار السلبية (التعارض)، مثل آثار إزالة المساحات الخضراء. وفقًا لمفهوم التعارضات، يشير التأثير الإيجابي إلى أن نقص التعرض للنباتات يصاحبه انخفاض جودة الحياة. الإحصائيات الحالية للصحة النفسية لا تتعارض مع هذا النموذج.
معظم الدراسات التي تتناول الفوائد النفسية للطبيعة تعتمد على علم النفس البيئي. تقترح إحدى النظريات أن البيئة المرئية مهمة في استعادة الإجهاد، وأن تقليل التوتر يكون أسرع في الطبيعة مقارنة بالبيئة الحضرية. يقال أن تنشيط الإجهاد تطور كاستراتيجية للتعامل مع المواقف التي تهدد الرفاه. حيث أن التوتر يؤدي إلى أمراض مختلفة.
قد يكون الوجود المرئي للنباتات أحد أهم العوامل للحد من التوتر فالاستجابة العاطفية للمنبهات البصرية الجمالية وسيلة هامة لتنفيس التوتر. يعرف الجمال بأنه مدخلات بصرية تسعد العقل، يشير الفحص النظري للقيم الجمالية إلى أهمية العناصر التي تعكس الطبيعة ؛ مثل التعقيد واختيار الألوان والمنظور والتوازن. بعبارة أخرى ، قد تقدم الطبيعة نفسها محفزات جمالية قوية.
تقدم نظرية استعادة الانتباه طريقة بديلة لشرح الفوائد النفسية للطبيعة. قد يؤدي توجيه الانتباه إلى المهام الصعبة والتعامل مع العوامل البيئية المزعجة إلى الإرهاق الذهني. فيما توفر البيئات التي توفر إمكانية لمزيد من الاهتمام بدون مجهود فرصة لاستعادة القدرة العقلية. يُعتقد أن المناطق المحيطة التي تهيمن عليها عناصر الطبيعة هي تجديدية.
على الرغم من أنه قد يكون من المفيد فهم كيف يمكن أن يكون للوجود المرئي للنباتات تأثير إيجابي على الرفاهية والصحة، يجب أن يكون المرء منفتحًا على احتمال أن البيئة الطبيعية تؤثر على العقل الباطن من الدماغ بطرق لا يمكن وصفها بسهولة.
قد يكون للأشياء الموجودة في مجال الرؤية تأثير في الواقع حتى لو لم يتعرف الدماغ الواعي على وجودها. المثال الكلاسيكي هو الاستجابة التي يثيرها غصين على الأرض إذا كان يشبه الثعبان عن بعد: يبدأ الخوف قبل أي تفحص بصري للغصين.
وبالمثل، قد تؤثر النباتات على الدماغ من خلال آليات غير واعية حتى عندما لا تكون هدفًا للتركيز. قد يشير غياب النباتات إلى بيئة غير طبيعية، وبالتالي يحتمل أن تكون غير آمنة.

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى