مدونات

مصائب قوم عند قوم فوائد: البيئة أول المستفيدين من كورونا

يتأسف العالم بالإجماع على كل ما حصدته أزمة كورونا في العالم من أرواح البشر، وعن المخلفات الاقتصادية، ونسب البطالة المهولة، وكذلك عن الفقر الذي ازدادت نسبته بسبب هذا الفيروس، إذ أعلن أن عدد الذين رجعوا تحت عتبة الفقر يقدر بالملايين في العالم، خاصة دول العالم الثالث.

وكعادة كل أزمة تمر في العالم، لا تمضي إلا وقسمت العالم إلى نصفين، متضرر ومستفيد، لن نستغرب إن رأينا بعض القطاعات التي استفادت من أزمة كورونا، وازدادت حيويتها بمجرد حلول الأزمة، وليست القطاعات وحدها من استفادت هذه المرة، بل إن البيئة بدورها استفادت مما سببه فيروس كورونا في العالم.

فالبيئة وبعد إعلان حالة الطوارئ ببلدان العالم، وبمجرد فرض الحجر المنزلي على الجميع، تنفست الطبيعة من جديد، وكأن البيئة تقول للإنسان أنها تستفيد إذا ابتعد عنها، لتكشف حجم الضرر الذي كانت تتعرض له من ذي قبل.

بالفعل، فنسبة الغازات السامة انخفضت بشكل غير متوقع في العالم بصفة عجيبة، لم تقدر على تطبيقها كل المواثيق الدولية المتعلقة بالحفاظ على البيئة، ووقف الأنشطة التي من شأنها إصدار الغازات السامة والمواد الضارة، فبتوقف نسبة كبيرة من المصانع وعدد السيارات والطائرات الهائل، أصبحت السماء واضحة طوال اليوم، خالية من الانبعاثات التي كانت تخنقها.

لم يكن الجانب الجوي هو الوحيد المستفيد في الطبيعة، وإنما استفاد الماء بدوره، بعد أن استعادت المياه زرقتها، فما أن ابتعد عنها الإنسان، غاب عنها التلوث الذي اعتادته في شواطئ البحار وعلى جنبات الأنهار ومجاري الوديان، كما قلصت النفايات البحرية التي كانت تلقى بفعل السفن في أعالي البحار، وإن لم تتوقف النشاطات المتعلقة الرحلات البحرية بشكل مطلق، إلا أنها تقلصت على الأقل.

الأزقة والشوارع والطرقات بدورها استعادت نظافتها بفعل التعليق الكبير لحركة العموم فيها، ساهم ذلك بشكل غير مسبق في الحد من تلوث البصر الذي تراه العين كل يوم في الأزقة، كما ساعد ذلك العمال العاملين في قطاع النظافة، إذ قلص بشكل كبير حجم التلوث اليومي المعتاد.

تتعدد أنواع التلوث، إلا أنها تقلصت بشكل كبير كلها بفضل أزمة كورونا، هذا الفيروس الذي لم يرحم البشر كان سبباً في رحمة البيئة التي لم يرحمها البشر بدورها، فلم نعد نسمع حتى عن تلوث السمع، وذلك طبيعي، إذ إن كثرة السيارات وازدحام البشر والأنشطة والاكتظاظ لم يعد في الوقت الحالي، وحل محله السكون والهدوء، والكل في انتظار انتهاء الأزمة لا غير.

هل فهم العنصر البشري الرسالة التي وجهتها له البيئة؟ فانتهاء الأزمة لا يجب أن ينتهي بإعادة تدمير البيئة بأنشطتنا السلبية، بل إنه من الواجب تقييم هذه المرحلة، بالمحافظة على البيئة كما هي الآن، ﻷن التطور والتحسن الذي عرفته البيئة في أزمة كورونا لم يكن ليتحقق في هذه المدة الوجيزة، وكل المخاوف الآن تعود لموجة ثانية من إفساد الطبيعة وتدميرها بمجرد انقضاء هذه الأزمة، لذلك فمن الواجب على المنظمات المختصة في هذا المجال الانتباه لهذه المسألة، ﻷن الحفاظ على البيئة ضمن أعظم المكاسب التي تعود بالنفع على البشرية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق