مال وأعمال

البعض يعتبره مستهجنًا: لماذا نخلط بين الادخار والبخل؟

مما لاشك فيه أن ترسيخ ثقافة الادخار عند الأشخاص أصبح مطلبًا ملحًا وخصوصًا في هذه الفترة العصيبة بعد انتشار جائحة كورونا، هذه الجائحة التي أطلت بوجهها علينا وهيمنت على كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وفرضت علينا متغيرات جوهرية وأخضعتنا لنظام حياة يختلف جذريًا عن النظام الذي اعتدنا عليه، ولم يعد لدينا سوى التكيف مع هذا الواقع المرير بكل ما يحمله في طياته من كوارث ومآسي.

ولكن من المسئول عن ترسيخ ثقافة الادخار لدى الأشخاص؟ بالطبع هي مؤسسات التربية التي تشمل: الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام ودور العبادة.

أولًا: الأسرة وزرع أولى دعائم ثقافة الادخار

الأسرة هي اللبنة الأولى والنواة الأساسية لبناء المجتمع وهي البذرة الأولى للتنشئة الاجتماعية فمن خلالها يكتسب الشخص القيم والعادات والتقاليد والأعراف والمعتقدات السائدة لدى المجتمع الذي يعيش فيه، وهي وسيلة لنقل التراث الحضاري، وهي الحضن الكبير الذي يحتضن الأفراد، وهي تعتبر مجتمع صغير يعد الأفراد للالتحاق بالمجتمع الكبير.

لذا استحقت الأسرة أن تكون في المرتبة الأولى لتدعيم ثقافة الادخار في الطفل، ولكن الأسرة سلاح ذو حدين؛ قد تكون معول بناء وقد تكون معول هدم، وهذا يتم الحكم عليه من خلال سلوكيات أفرادها الذين يعتبرون نتاج لما تم ترسيخه بداخلهم من أفكار ومعتقدات. والأسرة تتكون من الأب والأم والإخوة وهذا هو نموذج الأسرة الصغيرة وهي المسئول الأول أمام المجتمع عما تحدثه من تغيرات داخل أفرادها.

ولاشك أن للأسرة أدوار وظيفية بجانب تدعيم ثقافة الادخار نلخصها فيما يلي:

  1. تلبية الاحتياجات الأساسية لأفرادها.
  2. تحقيق السعادة والرفاهية والرضا عن الذات.
  3. التدريب على حل المشكلات الحياتية المحتمل التعرض لها.
  4. تحقبق الاستقرار المادي والعاطفي.
  5. تهيئة الأفراد للانخراط في المجتمع والتأثير فيه.
  6. غرس قيمة الولاء والانتماء والتضحية من أجل الوطن في نفوس الأبناء.
  7. العمل على سيادة جو من الهدوء والسكينة في المحيط الأسري.
  8. إتمام عملية التنشأة الاجتماعية بصورة سوية.
  9.  تعزيز الروابط وتقوية الصلة بين الأفراد.
  10. الحرص على تصدير جيل نافع للمجتمع.
  11. العمل على تأصيل الأخلاق والثقافات الاجتماعية السائدة.
  12. التدريب على تحمل المسئولية الكاملة عن النفس والغير.
  13. احترام وتقدير الغير والالتزام بأداء الحقوق والواجبات.
  14. التواصل المستمر وإتاحة جو للتعبير عن الأفكار.
  15. العمل على تصحيح الأخطاء والالتزام بمعايير المجتمع.
  16. الانفتاح على مختلف الثقافات مع الحفاظ على الثوابت التي لا يمكن المساس بها.
  17. التدريب على تقبل الآخر وعدم التعصب لرأي معين.
  18. إبعاد الأطفال عن جو الخلافات الأسرية.
  19. الحرص على عدم الظهور بمظهر غير لائق أمام الأطفال.
  20. وضع الخطط المستقبلية للتعامل مع الحياة ومواجهة أعبائها.
  21. سيادة جو من الود والاحترام المتبادل والبعد عن العصبية والقلق.
  22. عدم التمييز بين الأبناء وذلك لعدم خلق جو من الكراهية فيما بينهم.
  23. إشباع كل  الاحتياجات الحياتية للأطفال وعدم إهمال أي جانب منه.

كيف تقوم الأسرة بدورها في ترسيخ ثقافة الادخار عند الأشخاص؟

  1. أن تتغير النظرة إلى ثقافة الادخار فمعظم الأسر تنظر للادخار على أنه بخل وحرمان للنفس مما تشتهي.
  2. النظر إلى ثقافة الادخار على أنها ثقافة وقيمة وسلوك حضاري، إذا حدث ذلك فبالطبع ستنتقل هذه الصورة للأبناء.
  3. عن طريق الحوار المباشر بينها وبين الأبناء وتعليمهم أن ثقافة الادخار أصبح ضرورة للوقاية من تقلبات الأيام.
  4. عن طريق التطبيق العملي أمام الأبناء فمثلًا: يستخدمون الأدلة الملموسة لديهم ويقولون إذا انقطعت المياه يومًا وليس عندنا ماء ماذا سنفعل؟ وبذلك يستشعر الأبناء أنه لابد من عمل حساب للغد.
  5. أن يقوم الآباء والأمهات بالادخار الفعلي أمام الصغار وتعليمهم أن هذا الأمر من أجل شراء شيء آخر مستقبلًا، وبذلك ينشأ الأطفال منذ نعومة أظفارهم على حب هذا السلوك.
  6. تشجبع الأطفال على ثقافة الادخار عن طريق اقتطاع جزء من مصروفهم وتقديم المكافأة لمن يفعل ذلك.

ثانيًا: المدرسة وترسيخ ثقافة الادخار

تعد المدرسة الجهة التي وكل لها المجتمع مسئولية تربية الأبناء وتعليمهم، ولم يعد دور المدرسة مقتصرًا على حشو أدمغة الطلاب بمعلومات لا طائل من ورائها بل لابد من إحداث تغيرات في سلوكياتهم بما يتناسب مع الأعراف الاجتماعية السائدة لديهم؛ وبالتالي فإن المجتمع يضع آمالًا عريضة على دور المدرسة والتي من المفترض أن تحدثه لدى الأبناء من تعليم ثقافة الادخار حيث أنها تكمل دور الأسرة بل وتقوم بتعديل ما تراه من أخطاء.

هناك معادلة لا يمكن تجاهلها وهي: عمل الأسرة + عمل المدرسة = تحقيق النمو المتكامل لدى الأطفال.

ولكن إذا ألقت الأسرة مسئولية تعليم ثقافة الادخار كاملةً على المدرسة وتقاعست المدرسة عن آداء دورها فإن الناتج سيكون صفرًا؛ فالعلاقة بين الأسرة والمدرسة ينبغي أن تكون علاقة تكاملية حتى يمكن النهوض بالأفراد.

والمدرسة باعتبارها مؤسسة تربوية تقوم بالعديد من الوظائف يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. توسيع آفاق الناشئين وزيادة خبراتهم.
  2. إيجاد التجانس والألفة بين الأفراد.
  3. اكتشاف المواهب والفروق الفردية والعمل على تنميتها.
  4. إحياء التراث الثقافي.
  5. تخريج أجيال واعية ومثقفة وقادرة على خوض غمار سوق العمل.
  6. غرس قيمة حب الوطن والتضحية من أجله بكل غالي ونفيس.
  7. تزويد الطلاب بالمعلومات الضرورية اللازمة لهم.
  8. الحماية من الوقوع في الانحرافات الفكرية.
  9. خلق مساحة للتعبير عن الأفكار.
  10. الرحلات التثقيفية والترفيهية بصفة دورية للحماية من الأمراض النفسية.
  11. التأهيل المستمر لتخريج أجيال صالحة للعيش داخل المجتمع.
  12. التعريف بالحقوق والواجبات اللازمة للقدرة على العيش الآمن.

كيف تقوم المدرسة بترسيخ ثقافة الادخار عند الطلاب؟

  1. من خلال الندوات والمحاضرات الطلابية.
  2. عقد اجتماعات دورية لأولياء الأمور من أجل الاتفاق على آليات مشتركة لترسيخ ثقافة الادخار في عقول الطلاب.
  3. تخصيص حصة على الأقل أسبوعيًا للحديث عن هذه القيمة.
  4. فتح أبواب المدارس خلال الإجازة الصيفية للحديث عن هذه القيمة.
  5. التأكيد دائمًا على أن ثقافة الادخار تعد سلوكًا حضاريًا.
  6. تشجيع الطلاب على هذا السلوك ومكافأتهم.
  7. عمل لافتات على الجدران تدعو للتمسك بهذا السلوك.

ثالثاً: وسائل الإعلام وتدعيم ثقافة الادخار بالوسائل البصرية

وتنقسم وسائل الإعلام إلى:

  • مسموعة: مثل الراديو الذي يقوم بإرسال وبث الصوت للمواطنين لتعريفهم بالأحداث التي تقع حولهم.
  • مقروءة: مثل الصحف والمجلات والتي تقوم بدورها في توفير المعلومات وتبسيطها للقراء من أجل تحقيق أقصى استفادة لهم وهي تساعد في بناء الرأى العام والمتعة والتسلية والإعلانات.
  • مرئية: مثل التلفاز ومواقع الإنترنت وهذه أخطر الأنواع لأنها تخاطب حاستي السمع والنظر وبالتالي لها بالغ الأثر على سلوكيات الأفراد.

ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها وبقدرتها على نقل الحدث دون اعتبار للزمان والمكان تعتبر سلاح ذو حدين؛ وذلك على حسب نمط استخدام الأفراد لها؛ لذا لابد من التركيز على الجوانب الإيجابية حتى يتقدم المجتمع ويزدهر.

وتقوم وسائل الإعلام بأداء العديد من المهام الوظيفية يمكن تلخيصها فيما يلي:

  1. سرعة نقل الأخبار لجعل العالم قرية صغيرة.
  2. تعتبر أداة للتعرف على مختلف الثقافات.
  3. تقوم بدور الترفيه والتسلية.
  4. تقديم المحتويات والبرامج بما يناسب كل الأذواق.
  5. القيام بالحملات الإعلانية للشركات مما يدعم عملية التسويق.
  6. التوعية الصحية المستمرة للحفاظ على صحة الأفراد.
  7. الحديث عن كل ما هو جديد في جميع المجالات لمواكبة التطور.
  8. تأصيل القيم في نفوس الأشخاص.
  9. إشعار الأفراد بأنهم جزء لا يتجزأ من واقع المجتمع.
  10. التعريف المستمر بكيفية مواجهة الأزمات والتصدى لها.
  11. وضع المواطنين في موقع الأحداث بالتغطية المستمرة للأخبار.
  12. تمكين القائمين على الوزارات والهيئات الحكومية من التعرف على معاناة المواطنين.
  13. شرح الدروس التعليمية وذلك من أجل إحداث النهضة الشاملة للمجتمع.
  14. التوجيه والتعريف المستمر بالحقوق والواجبات.
  15. نشر الوعي بشأن القضايا المهمة في الوقت الحالي.
  16. التنسيق بين مختلف الإدارات وفروعها بالدولة.

كيف تفوم وسائل الإعلام بترسيخ ثقافة الادخار عند الأفراد؟

  1. عمل نشرات إخبارية وبرامج يومية عن هذا الموضوع.
  2. إزالة الصورة السلبية عن ثقافة الادخار لدى بعض الأفراد وإبراز الادخار على أنه قيمة يجب التمسك بها.
  3. الحديث عن نماذج اتخذت ثقافة الادخار منهجًا وسلوكًا لها وتحولت من الفقر إلى الغنى والثراء.
  4. تنمية الوعي لدى الجماهير بأهمية هذا السلوك خصوصًا في هذه الأيام.
  5. التخويف من تقلبات الزمن وصعوبة الحياة.
  6. إبراز العلاقة بين الادخار والعيش الآمن.
  7. تأصيل هذه القيمة في نفوس الأشخاص.

رابعًا: دور العبادة والتأثير على الوعي

تلعب دور العبادة دورًا بالغ الأثر لا يمكن إغفاله في التأثير على سلوكيات الأفراد وتنمية الأفكار والقيم النبيلة والمعتقدات والأخلاقيات العالية ويمكن تلخيص دورها فيما يلي:

  1. تنمية الضمير الحي لدى الأفراد.
  2. ترجمة المعلومات الدينية إلى سلوك واقعي.
  3. الدعوة إلى تقبل الآخر واحترامه.
  4. الالتزام بالتسامح والعطف والمحبة والإخلاص.
  5. الألفة وتكوين الصداقات بين الأفراد.
  6. التمسك بالثوابت والمحافظة عليها.
  7. التعبير عن الميول والاهتمامات والاتجاهات بحرية تامة.
  8. الاعتدال في التفكير وعدم المغالاة.
  9. تنمية جميع جوانب الشخصية وعدم إهمال أي جانب.
  10. إعداد الفرد وتأهيله للعمل الجماعي.
  11. البعد عن الأنانية وحب الذات.

كيف تقوم دور العبادة بترسيخ قيمة الادخار عند الأفراد؟

  1. عن طريق المحاضرات الدينية.
  2. عن طريق السلوكيات الصحيحة ليكون من لديه ثقافة الادخار قدوة لغيره.
  3. التوعية المستمرة والتعريف بأهمية الالتزام بهذا السلوك.
  4. معالجة التباس الأمور عند بعض الأفراد وتوضيح الفرق بين ثقافة الادخار وبين البخل.

وأخيرًا، يمكن القول أن هذه المؤسسات لها بالغ الأثر في تعديل السلوكيات مما ينعكس على حياة الأفراد، ولكن لابد من إيجاد علاقة تكاملية بين هذه المؤسسات حتى يعود النفع على الأفراد ومن أجل تحقيق المصلحة العامة من جراء تطبيق ونشر ثقافة الادخار  وللنهوض بالفكر الصحيح الإيجابي بعيدًا عن الانحرافات السلبية ولابد من الاستمرارية في الحديث عن هذا السلوك الحضاري وآثاره على الفرد والمجتمع.

اقرأ أيضًا: أغنياء جدًا لكن فقراء أيضًا.. المجتمع الاستهلاكي يشتري ليبيع المستقبل 

برجاء تقييم المقال

الوسوم

احمد احمد

حاصل على ليسانس اداب وتربية لغة عربية اجيدكتابة المقالات وفقالقواعد السيو مصرى

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق