مدونات

البعد الجمالي في فلسفة العبث

تحت فصل (الفلسفة) يكتب غوته في تأملاته: “الخطأ الأجمل هو ذاك المتعلق بأنفسنا وقوانا الذاتية، كأن نندفع إلى عمل جديد.. لسنا قادرين على أدائه، أي أن نسعى إلى هدف لسنا قادرين على تحقيقه مطلقًا.. في درب تحقيق الغايات المستحيلة، نحقق ما خلقنا لنكتفي به”. يبعث هذا التأمل في الذهن أحد الدلالات التي طرحها كامو في “أسطورة سيزيف” عن فلسفة العبث .

حيث حكمت الآلهة على سيزيف أن يصعد بصخرة ثقيلة إلى القمة، وما أن يصل بها إلى الأعلى حتى تتدحرج الصخرة في المنحدر ويعاود سيزيف الكرة إلى الأبد. سيزيف لم ينتحر. البطل الذي تحدى الآلهة تمسك بحياته، وواجه مصيره، متسلحًا باللا اكتراث في مواجهة مستقبل بلا أمل.

ربما لم يحب واقعه، لكنه وجد نفسه فيه، وعليه أن يعيشه. الوصول يقتل فينا توق الوصول. من هنا تبلغ جمالية فكرة الفردوس أقصاها، فهي تداعب الخيال البشري منذ مهده، لأنها غير موجودة أو متجسدة واقعًا.

إن الواقع مهما بلغ اتساعه يظل مقيدًا بالأشياء الموجودة به، والقوانين التي تحكمها. والفردوس حالة نتوق إليها دون أن نبلغها، لأنها تتسامى فوق محدودية وجودنا البيولوجي. لقد كانت الآلهة في المخيال البشري مدركة تماما لهذه الحقيقة، لهذا قطعت وعدا (يشبه الصفقة) للبشر بدخول الجنة بعد أن ينذروا حياتهم بكاملها لخدمتهم وإطاعة أوامرهم!

لعل كامو أراد منا أن نتخيل سيزيف سعيدًا، لأنه في طريق الصعود بصخرته (وهي كناية عن أعباء الحياة) إلى الأعلى، سوف ينجز ممكنات وجد (خلق) لأجلها بتعبير غوته. وخاتمة دروبه غير مقررة، فهو سيواصل صعوده، وإلى الأبد، وفي دوامة واقعه الرتيب، يصقل تجاربه ويعزز فهمه لحاضر وجوده المتدفق على الدوام.

فالعالم الإنساني مليء بما يسمى فلسفة العبث ولكن هذا لا يعني أنه بلا قيمة، وعلينا أن نتحدى العبث ونواجهه! والغايات وإن كانت مستحيلة، إلا أن هذا لا يعني ألا نسير في دروبها. لقد وضع نيتشه مطمحا نصب عينيه، وهو مدرك تماما أن “الواقع الانساني يربض بكليته على مسافة خيالية من تحته” حسب تعبيره، ورغم ذلك، تفتق سعيه عن ولادة تحفة أدبية يعدها هو “أعظم كتاب قدم للبشرية على الإطلاق”، حسب تعبيره أيضا. كان نيتشه قد عاش حياة بائسة، وتلقى صدمات عاطفية ساهمت في تكوين مساره الفلسفي، بدءا من الصدمة التي تلقاها وأنهت علاقته بالموسيقي العظيم فاجنر، وصولا إلى السياط التي ألهبت قلبه من الفاتنة لو سالومي، وانتهت حياته بشكل مأساوي بانهيار عصبي.

ورغم ذلك عزم على وضع مشروع فكري، يجعل من نبرته المتعالية عابرة خلال آلاف السنين. لقد خلق نيتشه لشخصيته المتخيلة في كتاب “هكذا تكلم زرادشت” وجودا مستقلا يحكمه زمان غير خطي، فهو سيعيد ذاته مرارا، ويكرر النداءات نفسها، فهل سيرتد إليه صداه ويظل العالم صامتا كحال انسان كامو المتمرد؟ على الأقل لن يكون هذا العناء بلا جدوى لنيتشه، فهو لم يصعد إلى شاهق كي يرمي بنفسه، والأصداء العميقة المتعالية تؤكد وقوفه في الأعالي الشاهقة، وإن لم ينصت إليها أحد، فهي تبقى إحدى أصوات العالم الذي يتحدث باسم جميع الوجوه، فهو طالع من أعماق البشرية لكنوز الحقيقة، والتي تنطق بهشاشة واقعنا وقيمه الكبرى، وبهذه الحال يصبح العالم، بشكل رمزي، انعكاسا لنا. وفي الوقت الذي يعيد زارا بعث نفسه ضمن الحيز اللازمني للأسطورة، يستعيد نيتشه حضوره الدائم في أحلام وأذهان الأحياء من قارئيه، ومن هنا يجب أن نتخيل نيتشه سعيدا، مثل الشمس التي يناجيها: “لو لم يكن لشعاعك من ينير، أكان لك غبطة أيتها المقلة المتوهجة بأنوار السعادة؟”.

إن الغوص في هذه الأعمال العميقة لعقول تبدو متباينة جدًا، يحفز فينا التأمل والدهشة. فجأة تكتسب إنسانيتنا ووجودنا قيمة كبيرة، فحياتنا بلا معنى ورغم هذا نشعر أن لها قيمة عظيمة، عمق تساؤلاتنا وإجابتنا (أو محاولة الإجابة) على واقعنا يفتح أمامنا الكون بطريقة تجعلنا نتسامى بأنفسنا، ينقلنا إلى العالم ويجعلنا نتأمل أنفسنا فيه ونتشبث بتلك الفلسفة “فلسفة العبث” أكثر.

اقرأ أيضًا :

روشتة علاج التشاؤم

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق