ثقافة و فنون

البشري بين الحلم الطوباوي وواقع الانفتاح

1- تعريف بالعمل الدرامي

قدم أسامة أنور عكاشة للدراما مسلسل السيد أبو العلا البشري إنتاج عام 1986 وإخراج محمد فاضل، وهو يُعد واحد من أهم الأعمال الدرامية التي ظهرت وقتها نظرًا لعمق موضوعه، وإتقان كتابته، حتى أنه برغم بساطة الإنتاج كانت القصة الدرامية كافية ومتماسكة لتحمل العمل بأكمله.

يطرح المسلسل قضية المثقف الحالم الباحث عن مجتمع متسق لما وجده وقرأ عنه في الكتب، مجتمع طوباوي بالمفهوم الواسع تسوده الأخلاق والمثل العليا، وفي رحلته يصطدم بالواقع المُعقد ومشاكله.

هذا القالب النمطي للشخصية سبق وطرحه الأديب الإسباني “ميجيل دي ثيربانتس” في روايته الشهيرة دون كيشوت،  وتدور أحداثها حول شخصية ” ألونسو كيخانو” رجل في الخمسين من عمره كان مغرم بقراءة كتب الفروسية لما تحمله من حكايات عن النبل والشهامة، حتى اعيته كثرة القراءة وفقد عقله وقرر أن يبدأ رحلته مع درع قديم وهو يرتدي خوذة بالية ويمتطي حصان هزيل للبحث عن مغامرة من مغامرات الفرسان التي طالما وقرأ عنهم.

يمكن بسهولة ملاحظة التشابه الشديد بين ألونسو كيخانو وشخصية أبو العلا البشري التي قدمها القدير محمود مرسي حتى في العمر، فكلاهما في الخمسين من عمره وكلاهما قرر البدء في رحلة يبحث فيها عن تطبيق عملي لما وجده في الكتب.

أبو العلا قرر أن يترك عمله كمفتش ري ويستقر في القاهرة لمساعدة عائلته التي حسب تعبيره معرضة للانهيار. ورغم محدودية الأدوات والحيلة التي كان يملكها، لكنه راهن على قدرته على إعادة تشكيل هويتهم الضائعة من خلال غرس القيم والمباديء فيهم مرة أخرى.

من هنا أنطلق أسامة أنور عكاشة في تقديم دون كيشوت المصري
مثقف حالم يريد أن يصلح ما أفسدته سياسات الانفتاح!

2- كوميديا عن الإنسان وأخلاق هذا الزمان

العمل هو حكاية أعمق من المعنى الدرامي الصريح الظاهر في حكاية شخص يحاول مساعدة عائلته، بل يعطيه مؤلفه بعدًا يناقش من خلاله مجتمع الثمانينات ومدى الآثار التي نتجت عن سياسات الانفتاح الأقتصادية، هذا التأريخ الأجتماعي الدقيق نجح أسامة أنور عكاشة فى صياغته ببساطة وصنعة معروف بها.

مجتمع الثمانينات كان يعاني تحت وطأة انفتاح السوق مع قرارات 1974 من تدهور شديد للطبقة الوسطى، ربما يتميز عصر السادات بزيادة أعداد المنتمين لتلك الطبقة مع تدهور أحوالهم في الوقت ذاته، على عكس فترة حكم مبارك التي بدأت تتآكل تدريجيا فيه الطبقة الوسطى مع بداية العقد الثاني من حكمه. التدهور في الأساس كان نابع من التحول من مجتمع مُنتج في الستينات إلى مجتمع مستهلك قائم على الاقتصاد الريعي.

نتج عن الانفتاح نهم شديد تجاه الربح السريع والمفاجئ، من خلال الاستثمار في العقارات والإستيراد والتصدير والسمسرة والمتاجرة في العملة، وكلها مصادر غير إنتاجية للنمو السريع في الدخل، حتى انتشرت المقولة الشائعة أن عهد السادات كان العهد الذهبي لتكدس رؤوس الأموال “وإن اللي معملش فلوس وقتها مش هيعرف بعدها”.

ذلك إلى جانب انتهاء العصر الذهبي لهجرة العمالة المصرية إلى الخليج مع منتصف الثمانينات، وعودتهم محملين بالغنائم، سواء للاستثمار والتجارة في السوق المحلي أو تقديم أموالهم قرابين لشركات توظيف الأموال التي بدأت في الإنتشار حينها.

تركت التحولات الاقتصادية أثارها واضحة على المجتمع بأكمله تغيرت معها عادات السكان وربما أخلاقهم والقيم التي كانوا يتبنوها حتى وقت قريب تحت صراع المادة الطاحن، والرغبة في الثراء بكل الطرق إن كانت مشروعة وحتى إن لم تكن كانوا يبحثون عن سبيل لإعطاءها المشروعية.

3- الواقع والنموذج

كان يرصد أسامة أنور عكاشة كل تلك التحولات باعتباره مثقف مهموم بمشاكل مجتمعه. وحاول تقديم نماذج درامية تعكس مدى التغيرات التي طرأت على السكان خصوصا الطبقة الوسطى منهم.

كان هناك غياب للمفهوم السياسي للسكان وهو الشعب، فقد كانت من سمات تلك الفترة عدم الانشغال بالسياسة. لذا ظل السكان مهمومين أكثر بشأنهم الخاص عن الشأن العام، وهذا ما عكسه العمل. فعلى مدار خمسة عشر ساعة من الأحداث لن تجد أي اشارة تخص الأحداث السياسية. وذلك خلاف أعمال أخرى مثل زيزينيا كان الجانب السياسي حاضر فيها بقوة.

على العكس ستجد جماعة من الأفراد يتناحرون على مصالحهم الشخصية، والثروة التي هبطت فجأة على أحد أبناء عمومتهم العائد إلى المدينة. الثروة نفسها لا تخلو من إشارة واضحة لسمات الفترة التي يتناولها العمل حيث دخول قطعة أرض ريفية ضمن نطاق المباني ومن ثم استثمارها في بناء العقارات وهي أحدى الأسس القائم عليها الاقتصاد الريعي كما ذكرنا سلفًا.
وفي ظل صراعهم تغيب القيم والمعايير التي يدافع عنها البشري في رحلته، حتى الرهان على القيمة يغيب مقابل إقبال واضح على الرديء الذي يحقق إنتشار ويناسب تدهور الذوق العام حينها. يظهر ذلك من شخصية محسن البشري المطرب الذي يحاول تقديم فن جيد مستغلا موهبته لكن متطلبات السوق تدفعه في إتجاه التخلي عن فنه، وهالة الساعية للتمثيل والنجومية إعتمادًا على مظهرها دون أي إعتبار للموهبة.

فى المقابل كان هناك شخصيات مثل مجدي البشري (محمد العربي)، زكريا البشري (محمد توفيق)، وشخصية نجوي (نسرين)، حاولوا جميعا التمسك بالقيم في واقع متعثر يتسم بالفهلوة والرشوى ( الشطارة )، ورغم إغراءات التعثر نجحوا في الحفاظ على مبادئهم، لكن بالنظر إلى النسبة التي يمثلوها من مجموع شخصيات العمل ستجدها نسبة ضعيفة، وهي حقيقة أخرى يحاول أن يبرزها الكاتب.

تفاصيل كثيرة تبدو للبعض ثانوية لكنها كانت محورية في فهم السؤال الأهم:

ما الهدف من رحلة السيد أسامة أنور عكاشة مع الكتابة؟

كان يكتب مؤرخًا لمجتمعه، ومقدمًا لمشاكله مثل أي مثقف حالم بواقع أفضل كالذي قرأ عنه في الكتب.

 
الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق