مدونات

البرمجة الروحية

إهداء إلى روح تلك الطبيبة التي توفيت في أواخر يناير بمرض عضال، وأسلمت الروح لبارئها بعد شهور من تخرجها من كلية الطب، والتي تنتمي لمنطقتنا القروية التي نأمل أن ينالها حظ من العدالة المجالية حتى يطلب الجميع علماً، ويبني الكل مستقبلاً، رحمك الله المقال هو تفاعل مع وفاتك والإلهام كان بهذه المناسبة الأليمة.

وإهداء أيضًا لسائق التاكسي في إحدى المدن المغربية، حينما سألني كيف الثبات في زمن كهذا؟ فأجبته جواباً مختصرًا، وها أنا ذا أجيبه جواباً عميقاً.

كيف غدت أرواحنا كما الحواسيب يبرمجها المجتمع كما يشاء؟ كيف يسيطر العقل الجمعي على سلوكياتنا؟ كيف يصير الحق غريباً والباطل مرحبًا به؟ كيف يغترب الإنسان روحيًا؟

لكي تثبت.. تعلم كيف تبرمج روحك

حينما يتعود الإنسان على الخطايا، يعيش في كنفها، وتصبح الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، يستثقل التوبة، ينسى الاستغفار، يتناسى الجبار الذي يجبر خواطر عباده المظلومين المحرومين.

يظن أنه لا يمكن أن يصبح صالحًا يوماً ما، روحه أصبحت مبرمجة على الشر، عقله أُفسد بمفسدات الأفكار والخواطر، حتى صار كلام الله عليه مثل جبل يوضع على صدر حائر فيدكه دكاً مادياً بعد أن دُكّ نفسياً، إن التقوى هي اتباع ما أمر الله واجتناب ما نهى عنه ببساطة، أن تستحضر الله في كل تصرفاتك، حينئذ تصبح مؤمنًا تقيًا وقافاً عن الحق، وستتعلق روحك بالله، ستزفر الرضا وتستنشق طمأنينة، ستكون روحك مبرمجة على الخير والمحبة، أليس الله محبة كما يقول المسيحيون، لكن الله عنده الخير والشر، وكل شيء عنده بمقدار هذا هو الإسلام، ولا تظن أن محبته محبة مطلقة يسامح في كل شيء، بل يحاسب ويسامح ويغفر ويختص بالعذاب سبحانه وتعالى.

إذا أردت حقاً أن تبرمج روحك، فاحرص على تعاهد المصحف الشريف، فلتتعاهد مع الله أنك لن تترك وردك اليومي من القرآن الكريم مهما كانت الظروف، وستقرأ بتدبر كل كلمات ربك، ستحس وكأنك المخاطب والله مخاطبك، ستحس بأن حجيج والشيطان حجيجك والله ناصرك، وطوبى لنفوس كان الله ناصرها.

برمج روحك على المحبة، أن تُكرهها على العطاء، حتى تتعلم الإيثار، أن تحب للناس ما تحب لنفسك ذلك الإيمان، أن ترابط في المحراب وتدعو المولى كي يقلب نفسك من درك سفلي لمركز علوي مع المطمئنين.

لكي تثبت.. تذكر الموت؛ الحقيقة الوجودية المتناساة

رغم أن الموت أعظم حقيقة وجودية، ورغم أنه يخطف العديد من أحباءنا وأصدقاءنا، إلا أننا نكابر ونعاند ونرفض التسليم به، بل إنك إذا ذكرت أنك ستموت يومًا أمام أحدهم قال لك: الله ينجيك، من أي شيء سينجيك الله؟!

أليس هو من كتب على كل نفس الموت؟ أليس هو من سيذيق جميع كائناته الموت؟ لا تحجبوا الشمس بالغربال وهي ناصعة في كبد السماء، فالموت كأس ونحن جميعنا شاربوه، وطوبى لقلوب كانت مع الله طوال حياتها المؤقتة، وستنتقل لتجاوره في جنة الخلد هناك حيث الحياة الأبدية.

وأن علمك ومنصبك أو وظيفتك حتى إن جعلوك تجالس الملوك وتصعد للفضاء، فسيكونون نقمة عليك إن لم يوصلانك بالله، إلا لم تطلب العلم لأجل الله فلا علمت ولا دريت وعلمك مردود عليك، أيها العقليون، اجعلوا لوحي ربكم مساحة في عقولكم وقلوبكم، اجعلوا آياته تتدفق لشرايين قلوبكم، عودوا لربكم تستقم حياتكم، وترتاحون بعد موتكم.

وكما يقال خذوا المناصب والمكاسب لكن خلولي الإيمان، حتى أفوز بالجنان، وأسبقكم أمام الرحمان.

خطف الموت العديد من علمائنا الكبار في مجالات شتى، فقد فجعنا من قبل بوفاة المخترع المغربي العبقري عبد الله شقرون الذي عاش لله ومات له، رفض بيع اختراعاته لأعداء أمته، ودافع عن أمته حتى أتاه اليقين، فاللهم اجزه خير الجزاء، وبإحسانه إحساناً، حينما نتذكر وفاته نحس بمنزلة هذه الدنيا، وأنها لا تساوي شيئًا ولن تأخذ منها سوى قطعة قماش تسترك تحت التراب.

أما آخر العلماء الذين توفاهم الله فهو العلامة سيدي محمد العمراني بوخبزة الحسني التطواني العلامة وحجة زمانه قطب إسلامي كبير، كانت تحج إليه الوفود من كل أقطار الإسلام لتطلب العلم على يديه، إن فقد العلماء لهو المصيبة الكبرى، فبانتزاعهم ينتزع العلم رويدًا رويدًا، لذلك نصيحتي لنفسي أولًا ولكل طلاب العلم في عالمنا الإسلامي أن يستفيدوا من شيوخهم ومعلميهم أقصى استفادة، ويرابطوا حولهم ليتعلموا علومًا دينية ودنيوية، لكي يكونوا حقًا من زمرة عمار الأرض، فما أكثر المفسدين فيها وما أندر المصلحين!

لكي تثبت.. تجنب الانقلاب الأخلاقي في زماننا

نعيش في زمان قلبت فيه مفاهيم الخير والشر، فعادت وجهة الناس حيث يوجد المال، وأضحت الذاتية الخلق الطاغي، فجرب أن تنتظر في محطة حافلات في أيام الأعياد حيث الجميع يتزاحم فيدك الضعيف تحت الأقدام، ويصل من يملك الجرأة والقوة كلاهما سيان، إنه مثال بسيط عن انتزاع الرحمة من قلوب الخلق، وعن تحولهم نحو المصالح الضيقة، عن إنكارهم لذواتهم، وهي تضحية عنها أتحدث، عن حب الغير والتعاون معه، عن التعاطف أتحدث.

أما من لا يصاحب فتاة، أو من لا تصاحب فتًا، فهي شذت عن الفطرة العلمانية، وأضحت حالة تحتاج العلاج، وكأننا لا يكفينا ذلك الجيش العرمرم من أطفال الشوارع ضحايا علاقات جنسية غير مؤطرة بالزواج!

إن الحب في العلاقات الغرامية هو انجذاب لجسد المرأة فقط وليس حبًا مبنياً على المنطق، فالحب هو رباط مقدس بين اثنين يتوافقان ويحترمان بعضهما البعض، يؤطرهما الزواج في ظل مودة ورحمة، وهذا هو أساس المجتمعات الإنسانية.

يجب أن يتعلق الإنسان بربه، وهنا أستحضر أبيات شاعر الرسول -صلى الله عليه وسلم- حسان بن ثابت:

ببابك لن أغادره ولن أسعى إلى غيرك
سأنسج بالرضى ثوبي وأشرف أنني عبدك
وأهتف في جبين الصبح حين يقال من ربك
إلهي خالق الأكوان شرفي أنني ملكك.

هي برمجة روحية تربطك بالله، فيعود الكل سواء وتصبح غايتك ومناك رضاه عنك، يبرز الانقلاب الأخلاقي أيضًا في مجال العلاقات الإنسانية في الكذب الذي صار فناً يدرس!

فيأخذ بعض مندوبي المبيعات تكوينًا في كيف يكذبون على الزبون، وقد مررت بهذه التجربة بنفسي وانسحبت من البداية حينما رفضت جو الكذب على الخلق، فلا يمكن للإنسان أن يبيع ضميره لكي يعمل، فكن صادقاً صادق الوعد منصفاً، كن نجمة تضيء سماء الخلق في أيام الشتا، حتى ولو كنت عابراً، اترك أثرًا طيباً.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق