سياسة وتاريخ

البراغماتية والقيود المفروضة على سياسة بايدن الخارجية

في الأشهر الثمانية الأولى من رئاسته، حدد جو بايدن كأولوية حل الخلل الاقتصادي والسياسي لبلده.  ونتيجة لذلك، تبن سياسة خارجية قائمة على منافسة الصين، وتثبيت العلاقات مع روسيا، واستعادة القيادة بين الحلفاء، وسحب القوات من أفغانستان والعراق، ومنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط.

وقال جو بايدن بعد توليه الرئاسة “أمريكا عادت والدبلوماسية عادت”.  منذ ذلك الحين، اقترح على حلفاء الناتو ومناطق أخرى، العمل معًا لمواجهة المشاكل المشتركة، مثل تغير المناخ والأوبئة، ولكن مع إرادة “القيادة”.

 لقد أشار في أكثر من تصريح إلى الصين (كما فعل دونالد ترامب) وروسيا (على عكس ترامب) باعتبارهما الخصمين الرئيسين في “الصراع الأساسي” بين الديمقراطية والسلطوية.  في هذا السياق، تراقب الإدارة الجديدة انتهاكات حقوق الإنسان بشكل انتقائي. و  يواصل بايدن السياسة التي بدأها أوباما وترامب بسحب الولايات المتحدة قواتها من أفغانستان، وتقييد مشاركة القوات في “حروب لا تنتهي أبدًا” خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فيما تقع أمريكا اللاتينية وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى خارج خط أولويات الإدارة الأمريكية.

1-  تراجع البيت الأبيض عن بعض قرارات ترامب الأكثر إثارة للجدل

حيث عادت الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ وإلى عضوية منظمة الصحة العالمية؛  واتفقت مع موسكو على تمديد سريان معاهدة ستارت بشأن الأسلحة النووية الاستراتيجية لمدة خمس سنوات واستأنفت المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ومع ذلك، فإنها تحافظ على الرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات التي فرضتها الإدارة السابقة على سلسلة من المنتجات الصينية وزادت من الاتصالات مع حكومة تايوان (وهي دولة تعتبرها الصين جزءًا من سيادتها)،  و هذا ما يزعج حكومة بكين ويمكن أن يؤدي إلى مواجهة عنيفة مع واشنطن.

 كما ألغى جزءًا من إجراءات ترامب الأكثر تطرفاً ضد استقبال اللاجئين والهجرة وفصل الأطفال المهاجرين عن عائلاتهم. حيث تعتبر الهجرة واللاجئين من أكثر المشاكل تعقيدًا لأنها جزء من الحرب الثقافية مع الجمهوريين، خاصة مع تزايد تدفق الأشخاص الذين يرغبون في دخول الولايات المتحدة بشكل يتناسب مع النزاعات المسلحة والجفاف ونضوب الموارد والفقر وعدم المساواة …

2- سياسة خارجية للطبقة الوسطى

 يربط الرئيس الديمقراطي إعادة بناء الاقتصاد والبنية التحتية للولايات المتحدة بـ “السياسة الخارجية للطبقة الوسطى”.  في فبراير، أشار إلى أن خطة الاستثمار لإعادة تنشيط الاقتصاد والابتكار في التقنيات النظيفة ستخلق فرص عمل، وتعزز مكانة الولايات المتحدة في العالم وتسمح لها بمنافسة الصين.

كما أعلن الرئيس الأمريكي أنه سيكافح الاستبداد المناهض للديمقراطية في الصين وروسيا.  وستعقد “قمة الديمقراطيات” وتؤسس تحالفات مع دول أخرى.  على سبيل المثال، مع أستراليا واليابان والهند (المجموعة الرباعية) لمواجهة ثقل بكين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.  لكن في عالم اليوم، تكون التحالفات مرنة وقابلة للتغيير، وتسترشد بالمصالح الاقتصادية بدلاً من الصلات الإيديولوجية.

 و يشير فرانسيس براون وتوماس كاروثرز، ان التركيز على روسيا والصين، يترك جانبًا النقاش حول المشاكل الديمقراطية التي تعاني منها الدول الحلفاء مثل المملكة العربية السعودية ومصر والهند، ولا يأخذ في الاعتبار أنه في كثير من الحالات لا عِلاقة للاستبداد بموسكو أو بكين.

3- العودة إلى صفقة إيران

في الشرق الأوسط، يتم عرض البراغماتية الحذرة للإدارة ، التي تحافظ على تحالفات تقليدية مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرها من الأنظمة الملكية في المنطقة.  في الوقت نفسه، لا تزال على الهامش في ليبيا وسوريا، تاركة المجال لروسيا وتركيا.

 أولوية بايدن هي التفاوض مع طهران لإعادة تفعيل اتفاق 2015 بشأن البرنامج النووي الإيراني (المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة).  تخلى ترامب عنها وضاعف العقوبات ضد هذا البلد.  و الهدف هو عدم امتلاك إيران أسلحة نووية، وعدم تجهيز الدول العربية في الخليج العربي لنفسها بهذا النوع من الأسلحة، و جعل إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تمتلك قدرة حربية نووية في المنطقة.  لكن لا شيء يضمن أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ستضعان تطلعاتهما جانباً.

و في هذا الاطار، يعارض الجمهوريون المفاوضات وتقبلها الحكومة الإسرائيلية الجديدة على مضض بينما يصر رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو على مهاجمة إيران.  فيما تريد الحكومة الإيرانية أن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات قبل كبح برنامجها النووي، وأن تتعهد بأن الإدارة الجمهورية المستقبلية لن تتخلى عن الاتفاقية مرة أخرى.

4- عدم القطيعة مع السعودية

 في يوليوز، أبلغ بايدن الحكومة العراقية أن 2500 جندي أمريكي متبقين في البلاد لن يشاركوا في أي مهام قتالية، مما يؤكد اتجاه واشنطن لسحب قواتها من المنطقة، وتقليل وجود القواعد العسكرية الكبيرة (مقابل الوصول إلى الموانئ والمطارات المحلية)، وتعزيز القدرة العسكرية للحكومات الحليفة وتنفيذ هجمات محددة، حيث سمحت واشنطن مرتين في عام 2021 بهجمات على ميليشيات في سوريا والعراق المتهمة بدعم إيران.

فيما أصدرت إدارة بايدن تقريرًا استخباراتيًا أمريكيًا حول اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في 2018 في سفارة المملكة العربية السعودية في تركيا في مارس الماضي.  وبحسب التقرير، تمت العملية بتفويض من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.  لكن الرئيس رفض اتخاذ إجراءات ضده، وفصل أفعاله الإجرامية عن التحالف الاستراتيجي مع الرياض.

 و في فبراير، وعد بايدن “بإنهاء كل الدعم الأمريكي للعمليات الهجومية في اليمن، بما في ذلك مبيعات الأسلحة ذات الصلة (إلى المملكة العربية السُّعُودية والإمارات العربية المتحدة).  لكن في أبريل، راجعت حكومته مبيعات الأسلحة إلى الإمارات واستأنفت الاتفاق الذي وقعه ترامب مع تلك الدولة وأحد أطراف النزاع في اليمن.  وأشار، من جهة، إلى أنه لن يبيع للسعودية بعض أنواع الأسلحة التي يمكن استخدامها في تلك الحرب.

5- لا جديد في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

 أسقط الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من قائمة أولويات إدارة بايدن، حيث أشار بايدن إلى أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل لن يتغير ولا يشكك في احتلال الأراضي الفلسطينية ولا يفكر في التراجع عن القرار الذي اتخذه ترامب في 2018 بنقل سِفَارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس خلافًا لما جاء في قرارات الأمم المتحدة.

 و على الرغم، من محاولات أوباما المحبطة للتوصل إلى حل، اقتصرت الولايات المتحدة على الحفاظ على الوضع الحالي، والتدخل دبلوماسيًا عند اندلاع العنف.

 بعد أكثر من نصف قرن من الانخراط في المنطقة، يتفق الاستراتيجيون والسياسيون من مختلف التوجهات على أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تغادر الشرق الأوسط بالكامل، لكنها لا تمتلك أيضًا القدرة على التحكم في الديناميكيات المتضاربة والوجود المتزايد لروسيا و الصين.

6- عودة القوات إلى الوطن

 أحد أكثر قرارات بايدن دراماتيكية هو الاستمرار في انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان الذي بدأه ترامب،  إن فرص اندلاع حرب أهلية وسيطرة طالبان على البلاد عالية للغاية.  بعد عشرين عاما من التدخل العسكري وقتل آلاف الجنود والمدنيين واستثمار ملياري دولار، سيكون سقوط كابول تأكيدا لفشل السياسات في تغيير الأنظمة وإصلاح الدول بالقوة.  بالنسبة لبعض المحللين، كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تبقي مع قواتها بالمنطقة إلى الآن، و   بالنسبة للآخرين، كان ذلك سيعني فقط تأخير ما لا مفر منه.

7- العودة الى الماضي مع روسيا

كانت انتهاكات حقوق الإنسان والأعمال العنيفة ضد المدنيين خطيرة في الأشهر الأخيرة بكل من ميانمار وتيغراي (إثيوبيا) ونيجيريا وموزمبيق.  لكن واشنطن، ركزت بشكل واضح، على حملة الصين ضد الإيغور في كاشغر، في منطقة شينجيانغ، وسجن السياسي الروسي أليكسي نافالني.

في لقائه في يونيو مع الرئيس فلاديمير بوتين، عاد بايدن إلى الماضي، وأسس مع روسيا نوع العلاقات التي كانت تربطها بالولايات المتحدة مع الاتحاد السوفيتي السابق خلال الحرب الباردة،  بمعنى آخر المسافة الحرجة والحوارات المحددة و لغة التهديد ولحظات من التوتر تنتهي باتفاقيات للتعايش المشترك.  وانتقد الهجمات الإلكترونية المزعومة على العملية الانتخابية الأمريكية، لكن اللهجة كانت أقل شدة من تلك التي استخدمها الوفد الأمريكي مع نظرائه الصينيين في ألاسكا في مارس.

8- النقد والصمت في وجه الاحتجاجات الاجتماعية

في مجال حقوق الإنسان، فإن الطرق المختلفة التي تنظر بها إدارة بايدن إلى الاحتجاج الاجتماعي وردود فعل الحكومات لافتة للنظر.  انتقدت واشنطن الصين بسبب القمع في هونغ كونغ والأويغور، لكنها لم تقل شيئًا عن رد فعل الحكومة الكولومبي القاسي على مظاهرات مايو، رغم ان قسم من الحزب الديمقراطي أعرب عن استيائه من الحكومة الكولومبية.  وهكذا، أعاد وزير الخارجية، أنتوني بلينكي، التأكيد على أن كولومبيا هي الحليف الرئيسي للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية. من ناحية أخرى، كانت الانتقادات شديدة اللهجة للحكومة الكوبية لقمعها المتظاهرين قبل أسبوعين.  في هذا الإطار، يتبع بايدن سياسة ترامب في الوقت الحالي.

فيما يتعلق بفنزويلا، أطلقت واشنطن خطة طوارئ إنسانية في يناير مع إعلانها أنها تسحب تهديد التدخل العسكري الذي كان ترامب يتكهن به.  و أعطت حكومة كاراكاس بعض بوادر الانفتاح وتعتمد وزارة الخارجية على النرويج والاتحاد الأوروبي لإعادة توجيه الحوار.

 عموما، يبدو أن الإصلاحات الاقتصادية والصراع السياسي سوف يمتص الكثير من طاقة إدارة بايدن، و يضعف من قدرتها على الاستجابة لعالم معقد.  على الرغم من خطاب “القيادة مرة أخرى”، تستكشف واشنطن المكان الذي ستحتل فيه الولايات المتحدة بين القُوَى العديدة الموجودة في النظام الدُّوَليّ.

و تحاول السياسة الديمقراطية تكييف نفسها في كل منطقة، مع الحفاظ على التحالفات التقليدية.  ومن بين كل الخطوات ، يظل أخطرها المواجهة مع الصين التي تحظى بدعم من مجموعة من  القطاعات مثل قطاع الصناعة العسكرية ، التي ترى فرصة كبيرة لإحياء الحرب الباردة.  الاختلاف الكبير عن تلك الفترة هو أن الاتحاد السوفيتي كان نظامًا اقتصاديًا وسياسيًا يعيش أزمة خانقة، الآن الولايات المتحدة لديها نقاط ضعف قوية والصين قوة عالمية صاعدة !

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى