مدونات

البحث عن اليقين: الحقيقة تضيع وسط الزحام

ثمة ولع لدي متمثل في الوصول لليقين تلك الراحة والقناعة المطلقة التي تراها على وجوه من وصلوا لوجهتهم بعد عناء طويل. من الجميل أن تكون ذا عقلية مقتنعة بمنطق النسبية بمعنى أن الأشياء تحتمل وجهين بل عدة أوجه، وأن نشأة الشخص وبيئته وتكوينه النفسي فيهم ما يبرر تصرفاته و اتجاهاته، لكن هذا لا يتعارض مع فكرة اليقين.

لابد للشخص من أساس متين يرتكز عليه، فكيف يتقبل كل الآراء وهو بدون قناعة راسخة بالصواب يطبقها على نفسه شخصيًا؟، الإنسان بدون يقين كالنملة فى مواجهة العاصفة.

بلغ بي الهيام مداه بهذا المصطلح حتى فكرت -وأنا لم أتزوج حتى الآن- في تسمية ابنتي الأولى بـ”يقين” وتراجعت عن الفكرة خوفًا عليها من تنمر أقرانها به لصعوبته.

طريق الوصول لليقين

الوصول لليقين ليس هينًا، فاليقين لا يهبط على قلبك فجأة هكذا، دعك من أولئك أصحاب البصائر الذين يعيشون في سلام نفسي وهدوء وتقبل للأخر مع قناعتهم الهادئة القوية بمسلماتهم؛ أصحاب القلوب النقية أولئك قلة. أما أنا وأنت، فنحن المنكوبون في الأرض شئنا أم أبينا، علينا أن نتلمس خطانا وحدنا، لم نوهَب تلك البصيرة الفريدة، فقط تُركنا نحن وعقلنا. فكيف نصل لتلك اليقينيات الأساسية؟

عندما تريد الوصول لليقين فعليك طرح أفكارك المسبقة بعيدًا، كما قال الفيلسوف ديكارت:

إن حدث أن حصلت لديه بالصدفة سلة مملوءة عن آخرها بالتفاح وخشى أن يكون بينها تفاح فاسد فأراد إزالته مخافة أن يفسد الباقي. فما الذى عليه القيام به؟ ألن يقوم بفحص التفاح الواحدة تلو الأخرى وانتقاء السليم فقط تاركًا الفاسد منه لن يعيده مرة ثانية إلى السلة؟

ما بين التضليل واليقين.. الخطأ ليس منك

يقصد ديكارت بالتشبيه المذكور سابقًا، الأفكار من وجهة نظره، عليك إفراغ عقلك تمامًا من كل الأفكار والتعامل بتجرد تام معها حين تفحصها من أجل الوصول لليقين بنفسك، وبعد أن تصل لليقينيات في الأخلاق وغيره، قد تجد نفسك عكس السائد. لن أقول لك أنت على صواب وأنت على خطأ، فمن حقك على المجتمع أن يقبلوك، إنها مشكلة المجتمع وليس خطأك.

يقول أحد الفلاسفة: “قد تخطئ الأغلبية في رأيها، وقد يصيب إنسان فرد، ولو أن البشرية بأسرها اجتمعت على رأى وخالفها فيه شخص واحد لما حق للبشرية أن تخمد صوته تمامًا، كما أنه ليس من حق هذا الفرد أن يخمد صوت البشرية”.

يضر إخماد الصوت في حد ذاته بالجنس البشري بحاضره ومستقبله، كما يضر بقامعي الرأى أكثر من إضراره بصاحب الرأي، ذلك أنه لو كان رأي هذا الشخص صحيحًا لحرم الناس بقمعه من فرصة تصحيح خطئهم، ولو كان رأيه باطلًا لحرموا من فضل يفوق فضل تصحيح الخطأ؛ ألا وهو الرؤية الأوضح للحق الناجمة عن صراعه مع الباطل.

يشار إلى أنه حتى لو كانت عقيدة الأغلبية الحق المطلق، فإن حرمانها من فرصة إثبات نفسها على حساب الباطل يجردها من أسسها العقلانية ويحجب الأسباب التي أحالتها من رأى إلى معرفة قطعية.

متابعة الاقتناع بما وجدنا عليه آباءنا و أجدادنا مغري حقًا ومريح، ومواصلة البحث عن طريق الوصول لليقين مرهق وقد يستغرق أعوامًا و لكننا سنُحاسب فرادى. لذا الأمر يستحق، ألا تتفق معي؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نورهان مصطفى

أول جمل ينشر مقالات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق