تكنولوجيا

البحث عن السوبرمان، هل يكون سببا في تدمير البشر؟

نختلف جميعًا في قابليتنا للإصابة بالأمراض المختلفة، فقد نجد شابا يعيش نمطا صحيا، ولكنه يتوفي بأزمة قلبية، ونري أخاه المدخن، قوياً حتى سن الثمانين. لماذا؟

بدأت رحلة الإجابة عن هذا التساؤل منذ ستين عاما، حين أرادت وزارة الطاقة الأمريكية أن تعرف الأخطار المحتملة على البشر والكائنات الحية نتيجة تقنيات توليد الطاقة، خاصة الإشعاع النووي. فتم إجراء دراسات على الذين عاشوا بعد قنبلتي هيروشيما ونجازاكي.

حتي جاءت الثمانينات، وظهر جدل حول مشروع شاركت فيه 18 دولة من ضمنها إسرائيل وليس بينها أي دولة عربية، أطلق عليه “مشروع الجينوم البشري”، والذي كان الغرض منه إنتاج قراءة كاملة للحمض النووي “دي ان ايه” (مجموع الحمض النووي لأي كائن حي يسمى جينومه). وتأسست في عام 1990 “مؤسسة الجينوم البشري” لمدة 15 سنة وبتمويل 3 مليارات دولار. وساعد التطور التكنولوجي في إنهاء العمل في عام 2003.

ما دار حوله المشروع باختصار.

مما يعني أن قراءة مخطط الحمض النووي مرة واحدة، تعطينا كل المعلومات. بجانب أن كل مرض يصيب البشر يحتوي على مكون وراثي، وبالتالي فإن القدرة على قراءة المخطط ستكون لها عوائد طبية هائلة.

يمكن تصوير الحمض النووي كسلم طويل، تتكون كل درجة من جزيئين (قواعد). فينتج لدينا الشكل الحلزوني المزدوج للحمض النووي. وتمتد بعض ال “دي ان ايه” من عدة آلاف إلى مئات الآلاف من قواعد تسمى الجينات. ويحتوي تسلسل القواعد هذه، على تعليمات لإنتاج البروتينات التي تتحكم في التفاعلات الكيميائية في الخلية. ويتم تغليف الحمض النووي في حزم تسمى الكروموسومات. وتحتوي معظم الخلايا على 46 كروموسوم، 23 من الأم و 23 من الأب. وكان أول كروموسوم بشري تم فك شفرته بالكامل هو الكروموسوم رقم 22، في مركز “سانجر” بانجلترا في 1999.

وظلت وظيفة 98 بالمائة من ال “دي ان ايه” الموجودة في الجينوم البشري، غير معروفة، حيث تشكل الجينات نحو 2 بالمائة منه فقط، وهي الجينات التي تنتج بروتينات وهرمونات. وقال العلماء أن 98 بالمائة من سلسلات القواعد الموجودة بين الجينات ليست لها وظيفة وكانت تسمى نفايات أو مهملات. ولكن ثبت حاليا أن لها وظيفة محورية في تنشيط أو تهدئة عمل الجينات.

هناك طريقتان لاستكشاف الحمض النووي.

عملية تسمى “التعيين أو الترسيم ”، تتضمن العثور على موضع جينات معينة على كروموسومات معينة.

والعملية الأخرى تسمى “التسلسل”، تتضمن تحديد الترتيب الفعلي للصفوف من أزواج القاعدة في سلم الحمض النووي.

الهدف كان إنتاج خريطة شاملة وتسلسلا كاملا للحمض النووي البشري. ولإثبات أن نوعًا معينًا من العيوب في جين معين، هو المسؤول عن مرض معين، كان من الضروري:

(1) معرفة أي كروموسوم يوجد عليه الجين،

(2) معرفة الموقع الدقيق للجين على هذا الكروموسوم،

(3) معرفة تسلسل هذا الجين،

(4) تحديد “الأخطاء الجينية” المرتبطة بالمرض.

على سبيل المثال، في عام 1989، تم تحديد سبب الشكل الأكثر شيوعًا للتليف الكيسي على أنه غياب ثلاثة أزواج قاعدية محددة على جين محدد من الكروموسوم السابع، وقد أدت هذه المعرفة بالفعل إلى علاجات تجريبية لهذا المرض.

المشكلات بين الحل والفهم.

ولكن عندما اكتمل مشروع الجينوم، واجهتنا مجموعة جديدة من المشاكل. مثلا، إذا كانت ظروف مثل إدمان الكحوليات أو الميول لأي أمراض، قائمة على أساس وراثي، فماذا سنفعل بهذه المعلومات؟

معظم الناس يريدون أن يعرفوا ما إذا كان لديهم ميل وراثي لمرض ما، وما إذا كانوا يستطيعون فعل شيء حيال ذلك.

فمثلا، يمكن لأي شخص لديه ميل معروف لسرطان معين أن يرتب لإجراء اختبارات منتظمة بحيث إذا تطور السرطان، فيمكن اكتشافه مبكرًا ، مع وجود فرصة كبيرة للعلاج. من ناحية أخرى، لنفترض أن شخصًا ما، قام بتحليل الجينوم الخاص بك وأخبرك أنه مهما فعلت، فانت لديك فرصة قوية للإصابة بمرض غير قابل للشفاء قبل بلوغك الخمسين. هل تريد أن تعرف ذلك؟ بالتأكيد لا.

ثم هناك أسئلة حول من يملك المعلومات حول الجينوم، وهي قضية نوقشت كثيرا في كل الابحاث العلمية. علي أية حالة، سار مشروع الجينوم على قدم وساق، حتي تم نشر أول جينوم كامل لكائن حي (بكتيريا بسيطة) في عام 1995، وفي عام 1996، تم تحديد جينوم يتكون من 12 مليون قاعدة لخميرة البيرة. وكانت النقاط الرئيسية للمناقشة هي، التكلفة والدقة (وصلت الي 99 بالمائة). وبانتهاء المشروع بنجاح، اصبحنا قادرين علي قراءة الإنسان كمخطط. ولكن ظهر سؤال هام: ما هي المعايير الأخلاقية لتلك المعرفة؟

فعندما اكتمل المشروع وتم تسجيل القصة الكاملة المكتوبة داخل ال “دي ان ايه”، اصبح لدينا قدرة اكبر علي فهم الآليات الجزيئية المسببة للأمراض البشرية وربما السلوك البشري. ولكن كانت المفاجأة أننا لم نصل إلى حل لمشاكلنا. نعم كان لدينا نوع جديد تمامًا من المعرفة حول الجنس البشري، لكن هذه المعرفة فتحت أنواعا جديدة من الأسئلة. وتحول تركيزنا من “كيف يعمل؟” إلى “ماذا سنفعل بهذه المعرفة؟”

بدأت بعض هذه المشكلات في الظهور بالفعل في المناقشات القانونية. فمثلا، إذا كنت تعلم أن وجود عيب معين في جين معين يهيئك لنوع معين من السرطان، فهل أنت ملزم بإبلاغ شركة التأمين الخاصة بك عن هذه المعلومات، وهل تخاطر بتصنيف هذا العيب كشرط موجود مسبقًا، أو ما هو أسوأ من ذلك، هل يتم حرمانك من التغطية التأمينية تماما؟ هل يمكن لشركات التأمين أو أرباب العمل أن يطلبوا إجراء الاختبارات الجينية كشرط للتأمين أو العمل؟ هذه قضايا صعبة، لكن النظام القانوني يمكنه التعامل معها نسبيا. الا ان هناك قضايا أخرى تتجاوز بكثير المسائل القانونية. مثل التعامل مع مشكلات تطرح دائما في مؤتمرات علم الوراثة.

الحالة الأولي:

يتم تشخيص إصابة المرأة بسرطان القولون، وعند اختبارها يوجد بها عيب جيني مرتبط بقابلية الإصابة بالمرض. وجد ان هناك تاريخ لسرطان القولون في عائلة هذه المرأة، مما يجعل من المحتمل أنها ورثت جينًا متحورًا وربما تكون قد نقلته إلى أطفالها. ومع ذلك، لا ترغب المرأة في إخبار أسرتها بالتشخيص وترفض السماح لأطفالها بإجراء اختبار لكشف هذا العيب.

في هذه الحالة ، هناك تعارض بين حق المرأة في خصوصية ملكيتها وتحكمها في معلوماتها الوراثية وبين سلامة إخوتها وأطفالها. فهل يجب أن يقال لهم أم لا؟

الحالة الثانية (مزدوجة):

(أ) امرأة تعرف أن هناك تخلفًا عقليًا في عائلتها، وأنها تحمل جينًا متنحيًا مسؤولا عن الحالة. طلبت اختبارات جينية للجنين الذي تحمله. كان في نيتها السعي إلى الإجهاض إذا أظهر الاختبار أن الطفل سوف يتاثر. كما أعلنت أنها ستجهض الجنين أيضا حتي ولو كان صحيًا، إذا كان حاملًا لهذه الحالة.

(ب) زوج وزوجة، أقزام. يبحثان عن الاستشارة الوراثية عندما تصبح حاملاً. الجين المسؤول عن التقزم معروف. حيث يعيش الأطفال الذين يرثون نسختين معيبتين من الجين عادة بضع سنوات فقط، وسيكون الأطفال الذين لديهم نسخة واحدة معيبة، أقزاما. يخطط الزوجان لإجهاض الجنين إذا تم العثور على اثنين من الجينات المعيبة. ويعلنان أيضًا أنهم سيجهضان الجنين حتي ولو كان سليما، إذا ورث نسخة مفردة معيبة من هذا الجين، لانه سيعيش قزمًا.

في كلتا الحالتين، سيتم استخدام المعلومات الجينية لإجهاض الجنين بشكل طبيعي.

في الحالة (أ)، رغبة المرأة هي إنهاء تاريخ التخلف العقلي لأبنائها. فتتخذ القرار بشأن الإنجاب أم لا.

في الحالة (ب)، لا يرغب الزوجان القزمان في أن يكون أطفالهما مثلهم.

بالفعل هناك آلاف الحالات الوراثية، بل اننا جميعا نحمل جينات متحولة من نوع أو آخر. ولكن هذه الحقائق تثير أسئلة صعبة، خاصة في مجال الإجهاض. فربما يشعر الأشخاص المؤيدون، أن إجهاض جنين بعيب وراثي خطير، مثل التخلف العقلي، له ما يبرره، ولكن ماذا لو كان الجنين يحمل نسخة واحدة من جين معيب؟ ماذا عن قرارات الإجهاض بناءً على القدرة الجسمانية؟ الذكاء؟ لون العين؟ الجنس؟ هل هناك خط يجب رسمه كي لا نتعداه، وإذا كان، فأين نرسمه؟

علينا أن نقرر متى وكيف نستخدم العلم. حيث أن تعديل الجينوم لن يؤثر علي الجيل الحالي فقط، بل سيتم توريث هذا التعديل لكل سلالة ناتجة في المستقبل. فماذا لو حدث خطأ؟ هل يستحق الأمر المخاطرة؟.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بهاء قابيل

مدون، مدير تسويق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بإحدي شركات الأدوية الأمريكية.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق