مدونات

الباعة الجائلون.. طاقات إنتاجية مهدرة

لا تزال ظاهرة الباعة الجائلين تؤرق المجتمع المصري، فتتزايد أعداد هؤلاء يوماً بعد يوم، فيتواجدون سواء في الميادين العامة أو المواصلات العامة بشكل يؤثر على سير الحركة المرورية بالشوارع والميادين ويساهم في نشر الفوضى والعشوائية بالشارع، فضلا عن تشوية المظهر العام للشارع، كما تساهم هذه الظاهرة في انتشار وزيادة القمامة بالشوارع وكذلك استغلال بعض من هؤلاء الباعة في ترويج المواد المخدرة وتزايد أعمال البلطجة وفرض الاتاوات، فضلا عن تعرض المواطنين لبعض المخاطر الصحية كالإصابة ببعض الامراض أو الفيروسات المعدية خاصة في الوقت الراهن وتزايد فيروس كورونا، وامام تعرض المواطنين لمضايقات الباعة الجائلين يومياً سواء أثناء السير فى الشارع أو فى حالة استقلال المواصلات العامة تتزايد مطالبهم للدولة على فترات متباعدة بضرورة وضع حلول عملية للتعامل مع هذه الظاهرة، ومع تعاقب الحكومات منذ ثورة 30 يونيو 2013 لم تتمكن أية حكومة بوضع حلول عملية حقيقية لإنهاء هذه الازمة التى استفحلت بشكل مخيف فى الشوارع المصرية. فهنا امام صعوبة وتعقد هذه المشكلة كيف يمكن أن تتعامل الدولة معها والقضاء عليها تماما، هل يتم سن قانون لتقنين أوضاع هؤلاء، أم أن الدولة توفر ساحات تجمعهم لعرض بضائعهم على الجمهور بعيداً عن الاماكن والميادين الحيوية، أم يكمن الحل في طريقة ثالثة في ظل ترقب الإعلان عن الجمهورية الجديدة.

فتقنيين وضع الباعة الجائلين عن طريق سن قانون ينظم عملهم من خلال ضرورة الحصول على ترخيص لمزاولة هذه المهنة ومنعهم من التواجد فى الميادين الحيوية، هذا الإجراء من وجهة نظرى يعتبر ارتداد إلى الخلف وصولاً إلى عام 1943 حيث كان يوجد القانون رقم 73 لسنة 1943 الذى كان ينظم عمل الباعة الجائلين، هذا الإجراء القانونى لا يضع حلول حقيقية لهذه المشكلة وما يترتب عليها من مشاكل سبق أن عرضنا لها فى مقدمة المقال، وإن كان هذا القانون موجوداً فى السابق فى عصر وعهد مختلف تماماً عن وقتنا الحاضر والذى تسعى الدولة خلاله بكافة أجهزتها المختلفة بتقديم صورة لائقة للدولة المصرية امام العالم أجمع.فالهدف العام هو القضاء تماماً على هذه الظاهرة، أما عن الاقتراح الثانى بضرورة قيام الدولة متمثلة فى أجهزتها التنفيذية بتوفير ساحات كبيرة لهم لعرض بضائعهم على الجمهور، فهذا الاقتراح قد يؤدى غرضه فى المناطق والميادين التى تتوافر بها ساحات على مساحات شاسعة وقد لا تتوافر فى أماكن أخرى وهنا تبقى المشكلة قائمة كما هى، فهذا يعتبر حل جزئي فقط وفى ضوء ما تقدم عرضه يجب التعامل مع هذه الظاهرة بمفهوم واستراتيجية مختلفة بعض الشئ عن كل الحلول والمقترحات المطروحة أو التى تم تنفيذها فى بعض الأماكن للحد من مشاكلها. فالباعة الجائلون يعتبرون طاقات إنتاجية مهدرة غير مستفاد منهم على الاطلاق، وتذهب كل هذه الطاقة إلى أصحاب الأعمال التجارية المسئولين عن تواجد هؤلاء بالشارع حيث يتم استغلالهم وتوزيع المنتجات عليهم لبيعها بالميادين والمواصلات العامة نظير الحصول على أجر يومى زهيد.

ففي ظل إنطلاق العديد من المشروعات القومية التي بدأت تظهر ملامحها في شتى المجالات المختلفة، يمكن الاستفادة من هذه الطاقات عن طريق إلحاقهم للعمل بهذه المشروعات كلا في مجال تخصصه فالكثير منهم لديه مهارات عديدة. فمنهم من لديه خبرة في مجال التشييد والبناء ومنهم من هو فني ميكانيكا ومنهم من يجيد قيادة السيارات ومنهم من يجيد العمل في أعمال الكهرباء والسباكة والنجارة والحدادة ومنهم من يمتهن الزراعة وغيرها من المهن التي تحتاجها هذه المشروعات التي تنفذ حالياً على الأرض، فهل من مبادرة رئاسية جديدة تطل علينا كغيرها من المبادرات التي أطلقتها رئاسة الجمهورية في مجال الصحة على سبيل المثال، تكون هي بداية احتواء ووضع استراتيجية كاملة لتنظيم وتقنين أوضاع الباعة الجائلين بما يتناسب مع طبيعة ونوعية المشروعات التي تحتاج الدولة فيها إلى أيادي عاملة،حتى مع انتهاء تنفيذ بعض المشروعات التي تحتوى هؤلاء الباعة يمكن أن تتضمن المبادرة الرئاسية ضرورة قيام شركات رجال الأعمال بإلحاق هذه العمالة للعمل ضمن مؤسساتهم مع قيام هذه المؤسسات بفرض تأمينات إجتماعية عليهم تضمن لهم ربط معاش شهرى لمن يبلغ منهم سن التقاعد القانوني يؤمن به مستقبله ومستقبل أولاده من بعده، خاصة أن غالبية الباعة المتواجدون فى الشوارع من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18-45 سنة وهي السن الذى يسمح قانون التامينات الاجتماعية والمعاشات رقم 148 لسنة 2019 بتقرير الاشتراك فى نظام التامين الاجتماعى، وبهذا يتم تأمين مستقبل هؤلاء بإقرار معاشات شهرية تعينهم على ظروف المعيشة، وبذلك نكون قد أنهينا ظاهرة دامت لأكثر من عشرات السنين تهدد وتؤرق المجتمع المصري وتحد بشكل كبير من انتشار بعض الظواهر السلبية المقترنة بها وتقلل بحد كبير من أعمال البلطجة ومعدلات انتشار الجريمة، مع الوضع في الاعتبار ضرورة صدور قرار تنظيمي من رئيس مجلس الوزراء يحظر وبشكل قاطع تواجد مثل هؤلاء الباعة في الميادين والمواصلات العامة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د /على زايد عبد الله

حاصل على دكتوراه فى القانون
زر الذهاب إلى الأعلى