سياسة وتاريخ

الانتخابات الفلسطينية.. والخيار الصعب

إن الانتخابات أداة وشكل من أشكال تطبيقات الديمقراطية، ولكنها يجب أن تكون تحت سقف الوحدة الوطنية والمشروع الوطني، وتكون عملية المنافسة تحت مبادئ المشروع الوطني وليس عليه، بمعنى انه يجب أن يتأسس نظام عام، ومبادئ تأسيسية على غرار مقدمات الدساتير الغربية مثلا، أو أن يكون هناك مشروع وطني متفق على مبادئه الأساسية وعليه إجماع، ومن ثم تجرى الانتخابات تحت هذا الإطار.

في الحالة الفلسطينية، الانتخابات كانت منذ البداية ذات طابع سياسي- تنظيمي، فقد شهدت الأراضي الفلسطينية أول انتخابات في تجربتها الأولى عام 1996، والتي قاطعتها أغلب التنظيمات الفلسطينية التي عارضت مشروع “أوسلو”، و اقتصرت على تنظيم شؤون مؤسسات السلطة الفلسطينية وفق السقف المحدد لصلاحياتها في الاتفاقيات الثنائية بين منظمة التحرير وحكومة الاحتلال، وعقدت هذه الانتخابات في ظل مرحلة انتقالية كان من المفترض لها ان تنتهي وفق الاتفاقيات والنظام الاساسي بحلول العام 2000، ولكن حين كان كل شئ رهينا بما ستؤول إليه مفاوضات كامب ديفيد عام 2000، و فشل هذه المفاوضات، و اندلاع انتفاضة الأقصى، وعملية “السور الواقي” عام 2002، واجتياح كل مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، بدى وأن المرحلة الانتقالية قد انتهت فعلا، وكان هناك موقف ينادي بالرئيس ياسر عرفات، بأن يعلن صراحة منذ حصاره بالمقاطعة سنة 2004 بأن المرحلة الانتقالية انتهت، والاتفاقيات مع الاحتلال انتهت.

كانت حينها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش مستعرة في حربها على “الإرهاب” وشارون يجهز على ما تبقى من أي التزامات إسرائيلية للاتفاقيات مع الفلسطينين، وموازين القوى الدولية والإقليمية تهتز بعد ارتداد زلزال 11 سبتمبر عام 2001، و خرج صوت قوي من الادارة الأمريكية دعمته باقى القوى الدولية وخصوصا اوروبا، وتوصيات مؤتمر إصلاح السلطة الفلسطينية في لندن عام 2003، بأنه يجب أن تكون هناك انتخابات تشريعية ورئاسية في اراضي السلطة،  وأن تباشر عملية إصلاح جذرية في مؤسسات السلطة وسياساتها.

لم تكن حاجة الفلسطينيين الملحة آنئذ  هي عقد انتخابات، بقدر ما كانوا بحاجة إلى موقف من التزامات أوسلو والمرحلة الانتقالية ومسألة الدولة الفلسطينية والفساد و…،  كما أن الظروف الداخلية كانت ملتهبة نتيجة لتعاظم قوى المعارضة خصوصا الإسلامية في ظل انتفاضة الأقصى، وكانت الانتخابات البلدية مقدمةللانتخابات التشريعية والرئاسية، بمساعدة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي ساعدت بنشاط لجنة الانتخابات المركزية عامي 2004-2005 . وعند ملاحظة صعود التيار الإسلامي المتمثل في حركة حماس، التي أحدثت هزة كبيرة في  النظام السياسي المتشكل بعد أوسلو، و كانت كل المعطيات تشير الى إمكانية خسارة حركة فتح لتلك الانتخابات التشريعية، وبغض النظر عن أهمية عقد الانتخابات في تلك الظروف وتلك المرحلة، إلا اأها كانت من أهم المطالب الدولية وخصوصا الأمريكية، ومن الطبيعي ان تنصاع السلطة لتلك الضغوط التي رافقتها تهديدات سياسية وابتزاز مالي، وعقدت الانتخابات التشريعية الثانية التي شاركت فيها حركة حماس عام 2006، وبعد فوزها الذي كان متوقعا، دخل النظام السياسي برمته في أزمة هي الأخطر في تاريخ الفلسطينين المعاصر، أزمة انقسام وانفصال  الضفة عن غزة، بعد الأحداث المؤسفة والتي كانت متوقعة أيضا والتي تجلت في الاقتتال بين قطبي السلطة حماس وفتح.

ونتيجة لغياب التوافق الوطني، وعدم تحديد الأهداف العامة لتحقيق الإجماع الوطني، فكانت بالتالي نتيجة الانتخابات بحد ذاتها، و في ظل تلك الظروف كارثية بكل المقاييس، فبدلا من أن تكون الانتخابات حلا، تحولت إلى سبب رئيسي في الانقسام الذي تلاها.

هناك إذن  خطورة دائمة من أن تتحول الانتخابات إلى مجرد  أداة للاستقطاب السياسي، وكلما تعمق هذا الاستقطاب يؤدي ذلك إلى تفاقم الأزمة، وما زاد الطين بلة أن هذا الاستقطاب أصبح ينصب على مقولات تأسيسية في الرؤية السياسية وشكل المشروع الوطني، والتعريف القضية، فكانت كارثة الانتخابات الفلسطينية التي عقدت في ظل غياب التوافق الوطني السبب الرئيسي لدخول نفق مظل، أدى إلى مصادرة كل المكتسبات التي يمكن الحديث عنها بعد تشكل سلطة فلسطينية داخل الأراضي المحتلة.

لم تتغير الظروف في الحالة الراهنة كما كان الأمر عليه سنة 2006، بل تعقد الامر أكثر، ولم تحل مسببات فشل الانتخابات  من انتشال الحالة الفلسطينية من أزمة اوسلو والتسوية، بل تراكمت وتجذرت، و مازال هناك انقسام، ومازال المشروع الوطني لا يحظى بإجماع، ومازالت الظروف الدولية والاقليمة اكثر انكشافا و تؤثر بشكل مباشر وجذري بالحقوق الفلسطينية خاصة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، ومع سطوة اليمين الصهيوني المتطرف على القرار الإسرائيلي.

ماذا لو عقدت الانتخابات في ظل هذا الانقسام المتجذر منذ 15 عاما؟! هل نحن الآن في ترف البحث عن البرامج التي تحظى بأغلبية أصوات الناخبين؟! وهل لو نجحت فتح ستسلم حماس السلطة كلها؟! وهل فتح مستعدة بالقبول بنتائج الانتخابات وتسليم السلطة لحماس؟! و ما الذي اختلف بين انتخابات 2006 والآن؟!

الفلسطينون الآن بحاجة الى إعادة صياغة المشروع الوطني الذي قررته منظمة التحرير سنة 1968، ويجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات الراهنة، وكل التغيرات التي مرت على المشروع الوطني والممارسة السياسية الفلسطينية لأكثر من 72 سنة، من النكبة وإعادة إحياء الهوية الوطنية، ومعركة استقلالية القرار الوطني الفلسطيني الذي راح ضحيته الشهداء، وإعادة الاعتبار لمكتسبات الفلسطينيين في كل مكان، يجب أن يكون هناك حالة شراكة كبيرة وحيوية بين 13 مليون فلسطيني أينما وجدوا، نحتاج الى كل الفصائل وكل التنظيميات وكل الشباب وكل المؤسسات الوطنية، ولا يمكن لأي مجموعة مهما ارتفعت نسبة نجاحها في الانتخابات أن تفرض على كل الشعب الفلسطيني رؤيتها.

إذا الانتخابات الآن ليست هي الحل، بل بالعكس ستفاقم الأزمة، والتحدي الذي فرض على الفلسطينيين منذ زمن بعيد ويجب عليهم اجتيازه هو الوحدة الوطنية، ومهما يكن لا يمكن لأي مشروع أن ينجح دون أن يكون مرتكزا على وحدة وطنية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى