مدونات

الانتحار ليس عملية فُجائية

لقد انتشرت ظاهرة الانتحار في هذا العام بصورة كبيرة وخصوصًا هذه الأيام، وظهرت بمعـــدلات كبيرة بين الشباب والفتيات، وأصبحت تٌمثل خطرًا على المجتمـــع. ولكــن دعونا نبحر سويًا في هذا العالم الغريب للمنتحر، وكيف يحدث ذلك؟ وما هو تفكير الشخص في تلك اللحظات؟ وما هي أسبابها؟

بدايةً هناك تعريف بسيط للانتحار، دون الخوض في تعريفات عميقة تُرهق القارئ، وهو قيام الشخص بالتخلص من حياته بنفسه، ويكون الضرر والإيذاء الجسدي واقع على الشخص نفسه وليس الغير. وهنا يتبادر إلى أذهاننا ماهي الأسباب التي تدفع المنتحر إلى فعل ذلك في نفسه؟

من خلال هذا التعريف ندخل إلى شخصية المنتحر، فهو يريد أن يعبر عما بداخله من ألم وعذاب لمن حوله، إنه يتألم من فترة ولا أحد يشعر به، فيعبر عن ذلك بإقدامه على هذا الفعل الذي يعتبر كبيرة من الكبائر والذي نهى الرسول عن قتل النفس ولن أخوض في سرد الأحاديث.

ولكن سوف نوضح الأمر من الناحية النفسية للمنتحر وفقًا لعلم النفس والطب العقلي، ويعلم هذا الأمر المتخصصون في هذا المجال أو الباحثون والمهتمون بعلوم النفس والاجتماع، حيث إنه في علم النفس يكون السبب نتيجة ما يسمى بالهوس الأحادي.. حيث يكون المنتحر في هذه الحالة طبيعي جدًا ولا يظهر عليه أي علامات تدل على قيامه بهذا الفعل، ولكن في نفس الوقت لديه خلل في جزء بسيط يؤثر عليه تأثير داخلي مثل أن تظهر لديه رغبة جامحة في التخلص من حياته أو في البعد عن الناس أو في عدم الأكل والشرب. وبالتالي يكون لدى الشخص رغبة قوية في تنفيذ إحدى تلك الرغبات التي تظهر أمامه وقد يكون الانتحار أو العزلة أو غيرها من الأشياء التي تم توضيحها.

ولكن أيضًا حتى نكون منصفين ليس هذا هو السبب الوحيد للانتحار، ولكن يوجد أسباب أخرى للانتحار..

ومنها الانتحار السوداوي أو ما يسمى بالاكتئابي، وفي هذه الحالة يصل المنتحر إلى حالة صعبة جدًا؛ حيث تظهر جميع الأمور أمامه باللون الأسود، فتصبح الدنيا أمامه سوداء ولا يشعر بأي فرح أو سعادة، وكل يوم يمر عليه يشعر بالألم ويتألم مع نفسه ويميل الى العزلة والوحدة من أقرب الناس إليه. كما أنه لا يفكر إلا في إنهاء حياته للتخلص من هذا الشعور، حيث يعيش من وجهة نظره في عذاب وألم فيشعر بأنه قد أصبح لزامًا عليه أن يتخلص من حياته حتى يرتاح ويريح من حوله؛ لأنه يرى نفسه حملًا وعبئًا على أقرب الناس إليه، وهذا من الناحية النفسية.

بينما من الناحية الاجتماعية يوجد تحليل آخر وهو من واقع الحياة اليومية؛ وهو أن الانتحار قـد يكون السبب فيه ضيق الحال والظروف المعيشية، وخاصة إذا شعر الشخص أنه عالة على أهله، وكذلك قد يكون أنهى دراسته ولا يجد عمل فيشعر بذلك من خلال كلام الأهل، أو أن تتم مقارنته بأحد الأشخاص، وقد يقع الأهل في هذا الخطأ دون عمد أو قصد، أو من خلال فشل في الدراسة ومعايرة من الأهل له بذلك أيضًا، وكذلك شعوره بأن الجميع ينظر إليه على أنه فاشل، وكذلك انفصال أصدقائه عنه نتيجة نجاحهم وفشله.

أو يجد أن كل الأبواب المفتوحة أمامه قد أغلقت ولا يوجد حل أمامه، وقد يكون السبب عاطفي أحيانًا نتيجة فقدان حب أو شخص عزيز عليه، ويرى أن الحياة بعد فقدانه ليس لها قيمة وعليه أن يتخلص من حياته، وقد يكون السبب ماديًا وشعوره بالنقص أمام زملائه.

هذه معظم الأسباب سواء النفسية أو الاجتماعية، التي تؤدي إلى الانتحار. وللعلم هي لا تكون وليدة اللحظة بل لها مقدمات عديدة، وقد يشير بها الشخص لمن حوله ولكن لانشغال الأهل والأصدقاء بالحياة لا أحد يهتم بذلك، وأيضًا نظرة المجتمع إلى العلاج النفسي على أنه علاج من الجنون وعيب في بعض الأماكن.

لقد تم سرد الأسباب والشعور الذي يمتلكه الضحية، ولكن يوجد هناك معالجات وحلول متوقفة على الفرد والأسرة والمجتمع والدولة التي نعيش فيها حتى نستطيع أن نتخلص من تلك الظاهرة المؤسفة؛ فيجب على الفرد أولًا أن يتقرب إلى الله بالصلاة والعبادة وأن يلزم الدعاء والصبر.

كما يجب على الأسرة أن تكون قريبة من أبنائها ولا تقسو عليهم حتى لو فشلوا في دراستهم، فقد يكون السبب خارج عن إرادتهم، وعليه فيجب الجلوس معهم وتشجيعهم والحرص على تحفيزهم، وليس مقارنتهم بأشخاص أو أصدقاء لهم، وبث روح العزيمة والإصرار والتحدي في نفوسهم من خلال الود والاحترام والحب.

ويجب على المجتمع أن يكون رحيمًا بالبشر ويكون الناس رحماء فيما بينهم ولا يقسو القوي على الضعيف ولا يهزأ الغني بالفقير، ومن يملك القدرة على فتح بيوت أو توفير فرص عمل فليفعل، وليكون الود والحب والمودة والزيارات متبادلة بين الأقارب والجيران حتى يكون هناك تماسك مُجتمعي.

كما يجب على الدولة أن تساعد المجتمع من خلال توفير سبل العيش في أمان، ومن خلال تناسب الدخول مع الأسعار، ومن خلال الدعم لطبقات الشعب الفقيرة، وكذلك من خلال عمل مراكز تعليمية للخريجين تكون بأسعار رمزية لتعليمهم مهن جديدة تتناسب مع ظروف السوق.

ويجب أن تتبنى الدولة جميع فئات المجتمع وليس فئة معينة، ولا تكون الوظائف والمؤتمرات قاصرة على طبقات معينة، فكل هذه العوامل سوف تُساعد على تخفيف ظاهـــرة الانتحــار.

كذلك يجب أن تكون مادة الدين سواء الدين الإسلامي أو المسيحي مادة أساسية في المدارس؛ لأن جميع الأديان قد حرمت هذا الفعل سواء في الدين الإسلامي من خلال أحاديث الرسول صل الله عليه وسلم أو من خلال الكتاب المقدس للديانة المسيحية، نحن نحتاج إلى برامج توعوية ومشاركة مجتمعية لمؤسسات الدولة مع الناس، وأن يكون الخطاب الديني يتناسب مع لغة العصر فليس بالصوت العالي والتكفير والترهيب سيقتنع هؤلاء الأجيال، ولكن بالعقل والتفكير والحكمة وتوصيل المعلومة بسلاسة مع توضيح عقوبة الانتحار وخطورتها في الآخرة وأنها كبيرة من الكبائر، فلم يصلِ الرسول على المنتحر لكنه لم يمنع أصحابه من الصلاة عليه.

وألا يكون هناك تعاطف مع المنتحر على وسائل التواصل الاجتماعي لأن هذا يجعل الآخرين يقدمون على هذا الفعل فيجب إنكاره والتنديد به مع توضيح عقوبته بأسلوب مهذب والدعاء للمنتحر بالرحمة وسرد حديث العذاب في الآخرة لمن يقتل نفسه، ومدى تحطيم هذا الشخص لنفسه وأهله ومدى العذاب الذي يتركه من قام بهذا الفعل على أهله.

أخيرًا يجب أن يكون هناك مراقبة من الدولة على صفحات الفيس البوك حيث يوجد بعض الصفحات التي تحرض الشباب على الانتحار والتخلص من الحياة.

إن حياتك ليست ملكًا لك وحدك يا صديقي فهي ملك لأهلك وربك فحافظ عليها، كما أن لكل مشكلة حل وليست الدنيا سوداء كما تظهر أمامك، فخذ من فشلك المتكرر صخورًا تقف عليها لتصل الى نجاحك.

واعلم جيدًا أن من خلقك لن ينساك ولكن يريد منك أن تلجأ إليه كي يسمعك تدعوه.. فكن قريبًا من الله يكن الله عونًا لك في هذه الحياة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عماد الأطير

مدير مالى فى المملكة العربية السعودية ، وكاتب مقالات فى مواقع اليوم السابع ، وساسة بوست ، و مواقع جريدة شباب مصر ، واليوم الثامن ودنيا الوطن وإنفراد وكذلك (( مدون )) فى مدونات موقع هافينتغون بوست ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق