مدونات

الانتحار.. سعادة تحققت أم سعادة تعذرت؟

المتتبع للأخبار والأحداث اليومية يرى أن حالات الانتحار توجد في الدول الغنية والمترفة اجتماعيا، وكذلك توجد في الدول الفقيرة والبائسة مجتمعيا، هو تناقض مثير، قد نجد له سببا عند بائس منتحر، لكن في إطار مجتمع مترف ومتقدم في دولة كسويسرا أو السويد، فلا بد أن يخالجنا التساؤل عن ماهية هذا الانتحار؟ أليست السعادة هي الحصول على الشيء وبلوغ المتمنيات؟ فما الذي لم يتحقق لدى هذا المتقدم؟ وما الذي جعله يقدم على ذلك الانتحار؟

السعادة في دنيانا النسبية لا يمكن لها أن تتحقق بمعزل عن التعاسة، فسعادتي في دنياي هي تعني تعاستك أنت، سعادة الناجحين هي ركوبية على تعاسة الخاسرين، فلو افترضنا أن الامتحانات الدراسية مثلا ينجح فيها الكل، فهل هنا سيكون في الأمر سعادة؟ أم سيصبح الأمر في نطاق الاعتياد الخالي من التميز.

إذن لا يمكن الوصول إلى السعادة المطلقة المعممة على الكل في هذه الدنيا النسبية، السعادة المطلقة تعني انهيار مفهوم السعادة ذاتها، ودخولها في وعاء الاعتياد والتكرار، وهو ما يفقدها فجائيتها وبريقها.

عند الدول المتقدمة، الشباب لا يبالغون التفكير في هموم البطالة اوالشغل او السيارة او المسكن، او ما شابه…كل هذه الأمور أصبحت حقا تحوزه اليد، الكل يملك سيارة، خليلة، بيت، وراتب محترم.. الكل هناك من المفترض ان يكون سعيدا، لكن لماذا يا ترى لديهم هذا العبوس؟ لماذا هذا الجفاء؟ لماذا الانتحارات في مجتمع توفرت له سبل السعادة العامة؟

إنه بكل بساطة الاعتياد واليسر، فشباب تلك المجتمعات يحقق أمنياته بسرعة ويسر، بل سار يخلق أمنيات قد نراها مخبولة في أوطاننا البائسة، فهذا يتمنى زيارة القمر والآخر المريخ، هؤلاء انتهوا من الأرض وما عادوا يحسون بالسعادة فيها، فالشيء الذي حققه يرى جاره أو صديقه قد حققه كذلك، لا مجال للتميز في مجتمع كله يملك سيارة، راتبا، منزلا، وظروفا من العيش ملائمة، لهذا يبحث شبابهم عن تقليعات للتمظهر، ومحاولة خلق التميز الموصل إلى السعادة، فهذا يلجأ إلى الشذوذ، الآخر يلجأ الى تبديل خلقته، وتلك تريد جعل نفسها رجلا، والآخر امرأة، وذاك يتزوج كلبته، والأخرى كلبها، ثم انظر الى بني جلدتك الذين يهاجرون إلى أوروبا كذلك، فهل لهم ان يحسوا سعادة فيها؟ غالب الظن أنهم لن يحسوها لأن أي محاولة للتميز ملتهمة في المجتمع الأوروبي، هناك سواسية لا تميز فيها، لهذا يدلف المهاجرون إلى الأوطان، حنينا إليها، وكذلك لأن بعضا منهم، يجد فيها شبابا بائسا، تواقا لسيارة وبعض البقشيش والخردة، حينها يحس أولئك المهاجرون بالسعادة وهم في أحضان الوطن، لكونهم يحسون بالتميز، مع العلم أن سعادة أولئك الصنف من المهاجرين، نقصت حدتها مقارنة مع السنوات الفارطات، بحكم ان الاستفراد بالتميز لم يعد ممكنا في بعض المجتمعات، خاصة بعد أن صارت السيارة مثلا، في متناول أبناء البلد، باختلاف مشاربهم، وهي التي كانت حلما لدى الشباب فيما قبل، فحلم  السيارة صار بالإمكان إحقاقه في ارض الوطن دون هجرة.

إذن السعادة في دنيانا النسبية لا يمكن تعميمها ولا يمكن الوصول بها إلى حد المطلق، لأن أي محاولة لاحقاق ذلك تعني القضاء على انتظارية المتمنيات، والقضاء على صبغة التميز المحفزة للمرء، فالدول التي تعاني من تعاسة السعداء كسويسرا والسويد، الحل يكمن لديها في استقدام التعساء من الدول البائسة، حتى يضفوا على مجتمعاتهم طابع التميز، الذي به يحس شبابهم بنوع من الوجود، فسعادتهم لن تبرز الا بوجود تعساء أمامهم.

المتقدمون في حاجة لبؤسكم وتعاستكم فلا تتعجبوا، لأن وصولكم الى سعادتكم تعني تعاستهم، فأنتم ستفرحون بتحقيق الأمنيات أبتها الدول الفاشلة، وهم ستتكاثر لديهم الانتحارات لأنها لم تعد ترى تعيسا تتفرج عليه. إنها دول لولا تعاستكم ما كان لسعادتهم أن تتميز أو أن تكون، أنتم وقود حياتهم واستمراريتهم، فالتفرج في تعاستكم هو ما يجعلهم يحسون بالتميز، وكل شخص لم يترب على التفرج ، أو لم يبال بعيش شقائكم، فإن مصيره سيكون الانتحار. ولهذا ينتحر بعض شبابهم، لأنهم لم يسيحوا ويهيموا في أرض التعساء كما يفعل الآخرون، إحساسا بالتميز الذي جعل داروين يوما ما، يصنف على ضوء حزن التاعسين الخافت، نظريته في ارتقاء الأنواع.

قال الله تعالى : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ.49.سورة القمر.
إن الاطناب في السعادة، والذهاب بها بمعدل أكبر من معدلها النسبي الذي خلقت عليه في هذه الأرض النسبية، هو ضرب من الجنون والخبل، لهذا خلق الصيام والزكاة، وقدر للانسان قدر معين يتحدد فيه متاعه في الدنيا، دون إفراط ولا تفريط ، وخلق الفقر والغنى، ونبذ الربا وكل أشكال الحرام الموصلة للثراء، إنها شريعة منضبطة وليس هذا لعب نرد أو تفكير عقول إنسية.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مالك بوروز

كاتب وباحث مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق