علوم وصحة

الاكتئاب والصحة النفسية

حبي للقراءة في المواضيع النفسية والأمراض المتعلقة بها  قادني إلى أحد كتب الدكتور لطفي الشربيني المتعلق بمرض الاكتئاب الذي يعد  أكثر الأمراض شيوعا في البيئات المجتمعية وذائع الصيت مقارنة بالامراض النفسية الاخرى، رغم انتشار هذا المرض وما يخيل  للناس في مقدرتهم على تشخيصه والاستدلال عليه من نظرة واحدة ان صح التعبير او من خلال حديث قصير مع الغرباء وما إلى ذلك، لكنه أعمق مما نتصور فالحكم والتشخيص الشخصي بغير خبرة ودراسة طبية يكون بعيدا كل البعد عن إصابة كبد الحقيقة ويحتاج لجلسات عدة لتشخيصه بالشكل الصحيح.

وإن أصابت رؤياهم في التشخيص المبدئي تكون أعراضه ظاهرة كعين الشمس لمن له خلفية ثقافية طبية بهذا المرض، الأحكام التي يطلقها الناس ليس إلا ما تراه من إيماءات الوجه وتعابير الجسد ونبرة الصوت والأفكار و غيرها و هي ليست كافية للتشخيص. فالتشخيص الخاطئ يؤدي لأفعال خاطئة وعلاج ينتهي بنتائج لا تحمد عقباه، يتشعب الاكتئاب و يتشكل بعدة أشكال يجهلها الكثير بادئ ذي بدء من الاكتئاب الواضح أو الملموس إن صح التعبير إلى الاكتئاب المقنع والضاحك واكتئاب الشباب والأطفال وكبار السن وغيرها حتى بعضه قد ينتهي بدرجة قاسية مقدما المرء لوضع حد لحياته بالانتحار إلا أن النسبة الكبيرة التي تقدم على الانتحار هي في البلاد المتقدمة والغربية من غير المسلمين لما تحرمه الاحكام الاسلامية المتعلقة في قتل النفس والانتحار.

في رأيي الشخصي هذا المرض لا يختلف كثيرا عن السرطانات والأورام الخبيثة إلا أنه يصيب الروح والنفس لا الجسد، يتشبث بروح المرء، يأكل و يشرب منها وعليها، يمتص و يقتص من النفس بلا رحمة، بأسباب عدة كأمراض تجذب الأمراض أو الفشل المتكرر أو الانهيار الكامل للمرء بعدما تساقطت أحلامه أمام أم عينيه والخذلان والصدمة والآثار الناتجة ما بعد الصدمة او حتى حوادث قد تراكمت مع مرور الزمن و خدوش الطفولة التي تظهر اعراضها في سن متأخر جدا والكثير.

هنالك نسبة عظيمة لا يستهان بها بناءا على العديد من الدراسات التي اجريت تصل من 80-85% من الناس الذين يعانون من الاكتئاب لا يستعينون بالاطباء ذوي الاختصاص بالامراض النفسية لكن الامر الاغرب ان غالبية الناس مصابون بالاكتئاب دون علمهم، تجدهم يذهبون لاطباء مختلفين بسبب مشاكل صحية  كعسر الهضم والصداع وآلام الظهر وغيرها، لكن السبب الرئيسي هو الاكتئاب الذي ينعكس على الصحة الجسدية للمرء، هنالك العديد من الاشخاص الذين يعانون بصمت من الاكتئاب الحاد دون ان يكتشفهم احد.

لذلك باتت التوعية للصحة النفسية و الاهتمام بها هي أشد الأمور أهمية في صحة المرء لما ينعكس عليها من أمور كثيرة وتترتب في قدرته على الإنجاز والإبداع والمضي قدما متصالحا مع ذاته ساعيا لتحقيقها.

كما تعرف ظاهرة جبل الجليد في عمقها بما يتعلق بمرض الاكتئاب، فنحن لا نرى الا قمة الجبل بينما الاذى المحدث هو اعمق بكثير تحت سطح المحيط الذي يعيش بداخلنا، وهنا علينا اعارة الانتباه اكثر واخذ الامور بجدية اكثر حول هذا المرض.

الامراض النفسية لا تختلف عن اي مرض آخر يعاني منه الانسان الا ان النظرة المجتمعية لهؤلاء المرضى تختلف بمفهومها الخاطئ حيث انها مرتبطة بالجنون كما هو متداول بين الناس، بل هي اعلى واشد الامراض فتكا في روح المرء مرتبة، و الصحة النفسية هي اولى مراتب الصحة واقسى درجات الامراض بترتيبها، ما نحتاجه حقا هو ادراك حجم هذه المسألة و النظر الى الجانب الآخر من القضية و معرفة كيفية التعامل مع من يعانون هذه الامراض و يتألمون دون معرفة احد خشية من البوح بها خجلا و خوفا من النظرات و الألسن التي ستأكل سمعته في هذا المجتمع الذي بات لا يرحم.

يتداعى هذا المرض ويتلون حتى يصبح مزمنا في كثير من الأحيان، تعصف بك الاحزان والكآبة لمدة ثم تضربك موجة من الضحك والفرح بعد مدة كأنك لا تحمل من الهموم  ثقلا لكنها كلها تبعات لهذه الاكتئاب الذي تجهل انك مصاب به، في نهاية المطاف تتعدد اشكال الاكتئاب و السبب واحد وهو فقدان الانسان وعدم مقدرته على التوافق داخليا مع الحياة.

مراجعة الطبيب النفسي لا تختلف ابدا عن مراجعة اي طبيب آخر الى ان المشكلة ليست بعضوية بل روحية ونفسية، الاساليب التي يلجأ اليها الأطباء النفسيين تعتمد على دراسات مطولة و الادوية الموصى بها لا تكتب عبثا بل مستندة لعلم عريق ودراسات كثيرة كما يستدل بها الاطباء الى نقص هرمون وارتفاع آخر المسؤول عن المزاجية والانتاج وما الى ذلك، مما يساعدك في الوصول في نهاية المطاف الى  التوازن الجسدي والنفسي في ذات الوقت، في خضم هذا التطور الهائل الذي نعيشه والتكنولوجيا والمعرفة المتداولة والمتناولة في اليد الى ان الجهل الذي يعيش بداخلنا قد عسكر و خيم بشكل اكبر مانعا وصول الفكر السليم والمعرفة المفيدة بالشكل الصحيح لنا.

في عصر السرعة والتطور اضحينا ضحايا لهذا الزمان بسهولة ابتغاء الامور و صعوبة السعي لها ما يعيدنا الا دوامة نفسية و جسدية و دواليك، نحن لا نحتاج الا للمزيد من التوعية و الاقبال للحصول على هذا الوعي قدر المستطاع، الحصول على هذا الوعي والتثقف في الصحة النفسية قد يحول بينك وبين أمراض كثيرة ويجنب اشتباكها في نفسك و التعلق بها بشكل قاتل، نحن نحتاج لتعزيز الرياضة و الصحة  النفسية كما البدنية للمضي قدما قدارين على التوافق والتقبل و السعي جاهدين بطموح اكبر مقبلين للوصول لنجاح أكبر، نتحدى انفسنا اتجاه ما نبتغي مفعمين بالامل دون انكسار من فشلنا، نحن نحتاج للدعم المعنوي و بشدة وتشجيع بعضنا للآخر والمنافسة في سباق الحياة لنجعل من انفسنا في النسخة ال80 من العمر فخورين بما انجزناه في ريعان شبابنا دون ندم.

معن ريان

قد تلهمني كلمة لكتابة سطورا عديدة , على عكس سطور ضجت بغير غاية منها .
زر الذهاب إلى الأعلى