مال وأعمال

الاقتصاد الجزائري إلى أين؟ الاستدانة حتمية اقتصادية وليست خيارًا سياسيًا

رغم تحدث رئيس الدولة الجزائرية عبد المجيد تبون، بثقة كبيرة وطمأنته للشعب الجزائري عن مستقبل الاقتصاد الجزائري وتأكيد رفضه القاطع والمطلق للجوء إلى التمويل الغير تقليدي المتمثل في طباعة النقود – كما فعلت حكومة أحمد أويحي سابقًا، والذي يقبع حاليًا في سجن “الحراش” متهمًا في قضايا فساد – ورفضه الاستدانة الخارجية باعتبارها إذلالًا وانتقاصًا من السيادة الوطنية، فهذا يعني احتمالين لا ثالثة لهما وهما:

أولاً: من أين يملك الرئيس الجزائري كل هذه الثقة للنهوض بالاقتصاد؟

يمكننا أن نستشف النقاط التالية لثقة الرئيس في مستقبل الاقتصاد الجزائري دون اللجوء إلى الاستدانة.

  • ثقة الرئيس عبد المجيد تبون، وتأكيده على توفر احتياطي غير مستغل كوجود صناديق سيادية غير معروفة إعلامياً.
  • وجود احتياطي بالعملة الصعبة كافي لإدارة البلاد على الأقل لسنتين.
  • تأكده من قدرته على استرداد الأموال المنهوبة من طرف العصابة – مسؤولي النظام السابق – والمقدرة بأكثر من 100 مليار دولار حسب بعض المصادر الغير مؤكدة، مما يساعد على تحسين الاقتصاد الجزائري خصوصًا بعد صدور أحكام نهائية في حق ناهبي المال العام أو ما يعرف بـ”العصابة”.
  • لعلمه أن قيمة النفقات المعلنة هي أقل بكثير مما يتم تداوله إعلاميًا وهذا راجع حسب تصريحات رئيس الجمهورية لتضخيم فواتير الاستيراد ورقم أعمال المشاريع وغياب قاعدة بيانات موثوقة.
  • التوجه نحو تحصيل الجباية الغير محصلة منذ فترة طويلة والمقدرة ما بين 12000 و16000 مليار دينار جزائري.
  • الصرامة في استرجاع أموال البنوك الغير مسددة والغير مستردة للبنوك والمقدرة بنحو 8000 مليار دينار جزائري.
  • كذلك الإجراءات الجريئة والقوية بمنع المناولة في قطاع مكاتب الدراسات التي كانت تهضم أموال كبيرة بالعملة الصعبة.
  • تقنين الاستيراد والاقتصار فقط على استراد المواد الغذائية والمواد الغير منتجة محليا لحماية المنتج الجزائري وتقليص فاتورة الاستيراد.

اقرأ أيضًا: «طرابلس خط أحمر».. الجزائر تتخلى عن الحياد تجاه النزاع الليبي

اقرأ أيضًا:  المادي والعقلي في عقبات التحول السياسي في الجزائر

مما يعني أن مداخيل أو إيرادات الدولة يمكنها تغطية كل هذه النفقات بسهولة دون اللجوء للاقتراض أو الاستدانة الداخلية أو الخارجية على الأقل خلال السنتين المقبلتين.

نقطة أخرى ذات أهمية كبيرة فيما يخص الاقتصاد الجزائري اعتماد الموازنة على الجباية الضريبية الداخلية في حدود 67% من مجموع إيرادات الموازنة (منها نحو 12000 مليار دينار جزائري مستحقات غير محصلة – حسب تصريحات خبراء ماليين واقتصاديين فهي قيمة كبيرة يمكنها رفع كفة الإيرادات عاليًا إذا ما تم تحصيلها)، بدل الاعتماد على إيرادات البترول التي تمثل 33 % فقط من مجموع الموازنة، هذه الأخيرة شهدت انهيارًا كبيرًا جراء السقوط الحر لأسعارها في السوق العالمية والتي لا يمكن أن تزيد عن 15 مليار دولار سنويًا (الإنتاج الأقصى للجزائر هو 1 مليون برميل يوميًا وخلال سنة سيكون 365 مليون برميل فإذا افترضنا أن السعر المتوسط للبرميل سيكون في حدود 35 دولار للبرميل سيكون الناتج 12.77 مليار دولار).

ثانيًا: قيادة الاقتصاد الجزائري تريد مزيدًا من الوقت لتنظيم نفسها اقتصاديًا وإنجاز إصلاحًا سياسيًا شاملًا بعدما داهمها وباء كورونا الذي أركع اقتصاديات دول عظمى. ومن جهة أخرى انهيار وسقوط حر لسعر البترول الذي يعتبر المصدر الأساسي في إيرادات الدولة الجزائرية، تريد قيادة البلاد إرساء نظام اقتصادي جديد يعتمد علة سواعد وعقول الجزائريين، كما يتجه نحو الاعتماد على الفلاحة وصناعة نوعية واستغلال ثروات البلاد الغير مستغلة لحد اليوم والاعتماد على موارد البلاد غير البترول.

وبعيدًا عن التكهن والتخمين وقراءة الأفكار بالرغم من النية الطيبة للسيد رئيس الجمهورية الجزائري والتي لن تكون كافية بالطبع ما لم تتضافر جهود الجميع شعبًا ودولة، فإن قواعد المحلل الأكاديمي هي الانطلاق من الواقع ومن قراءة البيانات المعلومة والبناء عليها لذلك فإن مؤشرات انهيار الاقتصاد الجزائري وشيك ظاهر للعيان إذ لم تحدث معجزة أو طفرة اقتصادية خلال السنتين القادمتين.

أرقام قانون المالية التكميلي لسنة 2020:

  • النفقات

    • نفقات التسيير: 4752.4 مليار دينار جزائري
    • نفقات التجهيز: 2620.3 مليار دينار جزائري
    • نفقات عمومية: 7372.7 مليار دينار جزائري
    • استراد السلع: 35523.1 مليار دينار جزائري
  • الإيرادات

    • إيرادات عمومية: 5395.5 مليار دينار جزائري
    • إيرادات الجباية العادية: 2858.6 مليار دينار جزائري
    • إيرادات الجباية البترولية: 1394.7 مليار دينار جزائري
    • صادرات البترول: 17737 مليار دينار جزائري (السعر المرجعي 35 دولار للبرميل).
  • الحاصل

    • عجز الميزانية: 1976.9 مليار دينار جزائري
    • معدل النمو: 2.6%
    • التضخم: 3%
    • احتياطي العملة الصعبة في حدود 43.8 مليار دولار، وقد يستهلك جزء منه قبل نهاية السنة الجارية جراء وباء كورونا.

ملامح الاقتصاد الجزائري

  • اعتماد شبه كلي (99 من إيرادات الجزائر من العملة الصعبة هي من المحروقات)، وانهيار أسعار البترول في الأسواق الدولية والذي لن بتجاوز الـ 40 دولار للبرميل خلال السنتين المقبلتين حسب بعض المصادر يهدد بسقوط كل اقتصاديات الدول والبلدان المصدرة للبترول والمعتمدة عليه بشكل كبير، حيث صرح وزير المالية السعودي، أن أكبر مصدر للبترول في العالم بنحو 11 مليون برميل يوميًا من البترول أن السعودية ستضطر إلى اقتراض مبلغ قدره 200 مليار دولار لتخطي أزمة كورونا ولتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تشهدها السعودية وأن سعودية ما قبل كورونا لن تكون سعودية ما بعد كورونا.
  • تستورد الجزائر أكثر من 80% من غذائها ودوائها وموادها الأولية التي تستخدم في التصنيع، وأن فاتورة الاستيراد هذه تفوق الـ 50 مليار دولار سنويا (أشار رئيس الجمهورية الجزائرية أن هذه النسبة مضخمة ويمكن تقليصها إلى أقل من 30 مليار دولار سنويًا).
  • زيادة النفقات الناتجة عن الإجراءات الأخيرة المتمثلة في رفع السعر القاعدي المضمون من 18000 إلى 20000، وترسيم أكثر من 400000 شاب مما عرف بمناصب عقود ما قبل التشغيل أو تشغيل الشباب والشبكة الاجتماعية، حيث سيتم ترسيمهم مع كل الإجراءات المرتبطة بذلك من رفع أجورهم باعتبارهم عمال أو إطارات شابة، والغالبية الساحقة منهم هم حملة شهادات وخريجي الجامعات مما سيكلف الدولة على الأقل نفقات تزيد عن ( 12x10000x418000 ) = 50 مليار دينار جزائري سنويًا.
    تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية قد خلقت لما كان السيد أحمد أويحي رئيسًا للحكومة، حيث قرر فتح مجال التوظيف لحديثي التخرج كمتدربين وليس كعمال في وظائف شاغرة، قصد كسبهم الخبرة التي كانت ولازالت تشكل عائقًا وسدًا أمام توظيف الشباب حديث التخرج، ثم تم الإعلان عنهم كوظائف فعلية في مناورة لخفض نسبة البطالة حيث اعتبروا كعمال وفي نفس الوقت ليس لديهم حقوق العمال.
  • كذلك رفع منحة نحو 350000 معوق أو ذوي الاحتياجات الخاصة من 4000 دج شهرياً إلى 10000 دج مما سيكلف الدولة نحو ( 12x6000x350000 ) = 25 مليار دينار جزائري سنويًا.
  • رفع الأجر القاعدي الأدنى من 18000 دج إلى 20000 دج أي بزيادة قدرها 2000 دج بالإضافة إلى الزيادات المرتبطة برفع الأجر القاعدي، وإن كانت هذه الزيادة تبدو ضئيلة إلى أنه ستنهك الميزانية أكثر المنهكة أصلًا.
  • إعفاء الأجور والرواتب التي تقل عن 30000 دج من ضريبة الدخل الإجمالي والتي ستنقص من الوعاء الضريبي الذي أصبحت الدولة تبحث عن مصادر أخرى غير تلك الموجودة التي أصبحت غير قادرة على تغطية نفقات الميزانية.
  • انهيار صندوق المعاشات أو صندوق التقاعد والذي أصبح يشهد عجزًا سنويًا متزايد لا يقل عن 500 مليار دينار جزائري.
  • ضعف الدولة في التحصيل الضريبي الذي كلما مر الوقت أصبح من الصعب تحصيله والذي ما فتئ يزداد سنوياً ويقدر بحوالي 16000 مليار دينار جزائري أي أكثر من 100 مليار دولار.
  • استمرار دفع رواتب قطاع الوظائف العمومية – العقيم اقتصاديًا – والذي يستنزف إيرادات الدولة ويزيد عن 25% من ميزانية الدولة.
  • بحر من شباب خريجي المعاهد والجامعات بنحو يقدر بـ 400000 متخرج سنويًا مما سيرفع نسبة البطالة والتي ستكون من أكبر معوقات ومصاعب الحكومة الحالية والمستقبلية لخلق مناصب شغل لامتصاص هذه الأعداد الهائلة والمتزايدة ما لم يتم مسابقة الزمن ورسم استراتيجية وطنية للتوظيف المستمر عن طريق مراجعة نظام التقاعد النسبي وخلق مصادر الثروة المنتجة للوظائف والشغل.
  • استمرار الدولة في الدعم الاجتماعي المفتوح لكل الشعب الجزائري على الرغم من وجود طبقة كبيرة من الأثرياء والمليارديرات الذي يستفيدون من دعم الدولة ولا يدفعون أي مقابل لذلك.
  • النفقات العمومية الغير مجدية اقتصاديًا والبالعة لأموال الشعب والخزينة كالملايين التي تهدر سنويًا على الرياضة، التي تلتهم وتطلب دائمًا المزيد، عوضًا أن تكون رافدًا من روافد اقتصاد البلاد كما هو موجود في النوادي الأوربية مثلًا حيث يحصي فريق ريال مدريد الإسباني مداخيل تزيد عن 100 مليار يورو سنويًا.
  • تأجيل تطبيق الضريبة على الثروة بحجة عدم وجود قاعدة بيانات رقمية وإحصاء لهذه الفئة، وهو عذر أقبح من ذنب، فيكفي إحصاء الفيلات والمباني الفاخرة والسيارات الفارهة والحسابات البنكية وتقارير مصالح الضريبة وأخيرًا تقارير مصالح الأمن لمعرفة من هم الأثرياء، وهي ضريبة غير محصاة وغير مقدرة بدقة لكنها يمكن أن تصبح بديلاً حقيقيًا عن الضريبة التقليدية التي تقتطعها الدولة من أجور العمال قبل أن يتقاضوا رواتبهم ، وهم يدفعون أضعافًا كثيرة عن ضرائب التجار والمؤسسات في كثير من الأحوال.
  • رفع سعر الوقود من بنزين ومازوت، وهي ثالث زيادة تقوم بها الدولة لدعم الاقتصاد الجزائري خلال الخمس سنوات الأخيرة، والتي جاءت حسب تصريحات وزير المالية عبد الرحمان راوية للحد من الاستهلاك الكبير – التبذير في الاستهلاك نظرًا لسعره المدعم من طرف الدولة – حيث استوردت الجزائر سنة 2017 نحو 2.6 مليار دولار من الوقود ومشتقاته، لكن الحقيقة أن هذه الزيادة وخصوصًا في سعر المازوت جاءت لتعويض نقص الإيرادات وارتفاع النفقات، لكن الخطير في الأمر أن هذه الزيادة سوف ترفع بشكل مباشر أسعار وسائل النقل والبناء والمنتجات الفلاحية التي تعتمد على استخدام وقود المازوت في تشغيل العتاد الفلاحي مما سيرفع من نسبة التضخم وسيثبط مخطط الحكومة الرامي إلى رفع القدرة الشرائية للمواطن حيث الزيادات التي قدمت له باليمين تم اقتصاصها منه بالشمال.
  • لا يوجد نموذج اقتصادي أو اقتصاد واضح المعالم بل فقط اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتغطية احتياجات البلاد من غذاء وأدوية ومواد أولية وغيرها (تزعم الحكومة أنها ستعتمد على نظام اقتصادي جديد قائم على الإنتاج المحلي واقتصاد المعرفة واستغلال ثروات البلاد المهملة، في نظرنا هذا نظام رنان لامع لكنه نظام نظري يتطلب وقتًا لإرساله ثم تقويمه ليقدم القيمة المضافة أو أن يكون بديلًا حقيقًا للاقتصاد الحالي الذي يجعل من الجزائر مجرد بلد استهلاكي وسوق للبضائع وسلع الغير، اقتصاد مختزل ومختصر في اقتصار صادرات البلاد على البترول وبعض المواد الأولية الأخرى المحدودة).
  • لا توجد صناعة حقيقية في الجزائر، بل هي مجرد عمليات تركيب، حيث يتم شراء القطع من الخارج وتركيبها داخليًا، ثم يوضع عليها وسم “صنع في الجزائر”، كما تم في العديد من المؤسسات التي كانت تضحك على أذقان الشعب الجزائري بمشاركة مسؤولين كبار وتورطهم في النصب والاحتيال واختلاس أموال الشعب وبالقانون، كان أكبرها فضيحة مشروع “تركيب السيارات” الذي هو في أصل “مشروع نفخ العجلات” حيث كانت تستورد السيارة مفككة في بضعة أجزاء – الهيكل والمحرك والإكسسوارات – ويتم تجميعها في مصنع – حسبهم – ويتم وضع علامة “صنع في الجزائر”، ولا تدفع الشركة صاحبة المشروع المزعوم أي ضرائب أو رسوم جمركية، ولها إعفاءات ضريبية تزيد عن خمس أو عشر سنوات، وامتيازات مالية كبيرة حيث كانت البنوك الجزائرية هي الممولة، بالإضافة إلى تقديم قطعة أرض مهيئة موصولة بالطريق السريع وقريبة من الميناء، وما خفي كان أعظم، والأدهى من ذلك أن المنتج – المحلي زعمًا – أصبح سعره الضعف أي ارتفع بنسبة 200 بالمائة فالسيارة التي كانت تستود من الخارج وتدفع الرسوم الجمركية والحقوق الضريبية – الضريبة على السيارة الجديدة التي كانت تقدر من 70000 دج إلى 100000 دج لكل سيارة تدفع لخزينة الدولة، كان سعرها في حدود 01 مليون دينار جزائري، كل ذلك ذهب وأصبح سعرها أكثر من 02 مليون دينار جزائري، ومسك ختام هذا المشروع أن كل الإنتاج من السيارات يتم بيعه للمؤسسات العمومية إجباريًا أو تقوم وزارة الداخلية بشرائه وتوزيعه على الجماعات المحلية والبلديات، كما أن الدولة -آنذاك- منعت استراد السيارات من الخارج ليخلو لهذه المؤسسات المزعومة الجو وتنفرد بالسيارات في الجزائر، لتصبح وحدها وبدون أي منافس في السوق الجزائرية إلا سيارتها، فهل رأيتم فيلمًا هوليوديًا بهذا الإخراج الرديء يا أهل العقول؟
  • خطت الزراعة في الجزائر خطوات جيدة وهامة وهي تحقق الاكتفاء في بعض المواد الغذائية لكنها تبقى بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي لمعظم منتجاتها ولازالت حتى اليوم تعتبر زراعة تقليدية، حيث يجب التفكير بجدية وفق خطة واستراتيجية شاملة للانتقال إلى الزراعة الحديثة والزراعة الصناعية التي تعتمد على زراعة مساحات كبيرة وتستخدم عتاد وآليات ثقيلة لجني المحاصيل مع توفير مصانع الصناعات الغذائية التحويلية ومخازن التبريد والتوضيب وفق المقاييس الدولية للتفكير في تصديرها لاحقًا.
  • عدم وجود صناعة غذائية تحويلة قادرة على امتصاص الفائض من الإنتاج الزراعي، حيث لوحظ في الكثير من الأحيان أن الإنتاج الوفير يصبح وبالًا على الفلاح حيث تهوي الأسعار إلى أقل من قيمة التكلفة وترمى في المزابل لعدم وجود المصانع التحويلية.
  • مراهنة الدولة الجزائرية على السياحة التي لا تقدم أي قيمة مضافة ولا أي إيرادات لخزينة الدولة فهي لا تملك مراكز الإيواء من فنادق ونزل ومدن سياحية ترتقي للمستوى العالمي، مع ضعف رهيب في التأطير والخدمات، السياحة، الاقتصاد الجزائري بعيد جدا عن دخول مجال المنافسة خصوصا أمام عملاقين كبيرين في المنطقة وهما دولة تونس الشقيقة والملكة المغربية الشقيقة أيضًا واللتان تعتمدان على موارد السياحة بنسب تصل إلى 40%من ميزانية دولهم، ولهم باع طويل وخبرة وتجربة وحضوراً عالميًا.
    منذ أكثر من 10 سنوات والجزائر تتحدث عن السياحة باعتبارها مصدرًا مهمًا يمكن أن يكون بديلًا لاقتصاد تصدير البترول، باعتبار توفر الجزائر على مناطق وأماكن سياحية بامتياز، كيف لا وهي البلد القارة وأكبر بلد في إفريقيا مساحةً، لكن الواقع غير ذلك، فالسياحة في الجزائر ساحة جرداء قاحلة غير جذابة بل منفرة في بعض الأحيان بطريقة مدروسة وممنهجة وأسعار الفنادق والنزل أضعاف مضاعفة مقارنة بالفنادق في الدول السياحية كالجارة تونس أو المغرب أو حتى في إسطنبول بتركيا والكل يتذكر الرسالة التي وجهه وزير السياحة في حكومة البؤس والشقاء بقوله: “اذهبوا إلى تونس للسياحة” للأسف هذا هو واقع السياحة في الجزائر التي تئن في صمت وتنتظر منقذها.
  • البيروقراطية والفساد المعشش والمتأصل في مفاصل الدولة والذي تربى ونما فيه وترعرع وازدهر خلال العشريتين السابقتين في أحضان النظام البائد بقيادة “العصابة” التي يقبع بعض أفرادها اليوم وراء القضبان، لن تسمح للجمهورية الجزائرية التي ينادي بها الرئيس الجديد من الخطى بسرعة نحو مستقبل أفضل بل سيعملون كل ما باستطاعتهم لتعطيل وعرقلة مسيرة الإصلاح والتقدم في البلاد، كان الله في عون الرئيس.
  • وجود أكثر من 50000 مسؤول وإطار سامي في الدولة الجزائرية في مناصب حساسة قيادية يملكون الجنسية الفرنسية وهي تصريحات من مسؤول سامي في الدولة الفرنسية، والكل يعلم أن هؤلاء المجنسين من إطارات ومسؤولين سامين تبع لمصالح فرنسا في الجزائر، ويعتبرون تجنسهم بمثابة صك الغفران وملاذهم الآمن في حالة الانقلاب عليهم، وكلهم يملكون أملاكًا عقارية ومنقولة وحسابات ضخمة في فرنسا.
  • وجود قوى خارجية وإقليمية من مصلحتها إبقاء الاقتصاد الجزائري ضعيفًا وسوقًا كبيرًا لمنتجاتها وعلى رأسهم فرنسا العدو القديم الجديد للجزائر، والتي صرح وزير خارجيتها في فترة النظام البائد، أنه “من يريد الاستثمار في الجزائر عليه المرور بقصر الإليزيه”، حتى أن هناك بعض التسريبات التي بينت أن فرنسا احتجت بقوة على الولايات المتحدة في إحدى الصفقات واعتبرته تدخلًا في منطقة نفوذها وطالبت الولايات المتحدة بالتراجع عن قرارها، وكانت صفقة الأسلحة من طائرات بدون طيار إحدى تلك الصفقات المثبطة والمجهضة من طرف فرنسا.
  • تبعات جائحة كورونا (كوفيد 19) التي سقطت على حكومات العالم كالصاعقة وأخلطت كل الأوراق وخلقت جوًا ضبابيًا وانكماشًا اقتصاديًا هائلًا لا يعرف مخارجه إلا بعد انقشاع غيوم هذه الجائحة التي يبدو أنها لن تكون في الوقت القريب والتي ستكلف الجزائر خسائر يمكن أن تقدر بنحو 1000 مليار دينار جزائري إذا قررت الدولة دفع بعض تعويضات خسائر المتضررين والمؤسسات الآيلة للإفلاس (حيث تم تقدير نحو 70 مليار دولار حتى نهاية شهر مايو الحالي 2020 كتعويضات للأشخاص المتضررين والتي قررت الحكومة تقديم منحة تقدر بـ 10000 دج تدفع لـ 2.3 مليون شخص متضرر وتكاليف إجراءات دعم الأطقم الطبية ومصالح النظافة ومصالح الحماية المدنية والشرطة) وأكيد أن هذا الرقم سيتضاعف قريبًا إذا أبقت الدولة على الحجر وتعطيل النشاط الاقتصادي، وأيضًا بروز مطالب للمؤسسات المتضررة التي تحتاج إلى قروض ودعم مالي لتتفادى شبح الإفلاس فشركة الخطوط الجوية أعلنت خسائر قدرت بـ 45 مليار دينار حتى منتصف شهر ماي وأعلنت أن خسائرها ستكون 87 مليار دينار خلال نهاية السنة، شركة السكك الحديدية قدرت خسائرها بنحو 01 مليار دينار شهريًا.

النتيجة: إيرادات الاقتصاد الجزائري لن يكون قادر على تغطية نفقاته وعليه يجب التفكير بالاقتراض أو الاستدانة.

هل يجب إعادة التفكير في مفهوم الاقتراض أو الاستدانة بمنظور اقتصادي جديد؟

الكل يعرف أن صندوق النقد العالمي، هو في الأصل صندوق الاستعباد العالمي، حيث سيفرض على الدول الضعيفة الطالبة للقروض شروطًا وإجراءات قاسية لا رحمة فيها وعلى رأسها دهس سيادة الدولة وإلغاء الجانب الاجتماعي وكل نشاط خالي من المردودية والجدوى الاقتصادية حيث سيصبح هذا الصندوق هو المسير الفعلي للدولة، وتصبح الدولة مجرد أداة مطواعة في يده يقلبها كيف يشاء ووقتما يشاء، لكن إقصاؤه من تفكير أهل الاقتصاد والمالية يعتبر جنونًا أيضًا حيث سيصبح حلًا أساسيًا يفرض نفسه رضينا أو أبينا، ومن جهة أخرى فليس المشكل في القرض أو الاستدانة إذا عرفنا لماذا نستدين، بل المشكل الحقيقي  هو في أين ستذهب أو ستوضع أموال الاستدانة؟

في الحقيقة فمعظم الدول الصغيرة اقتصادياً تستهلك قروضها في تغطية نفقات التسيير وأجور الموظفين بنسبة تزيد عن 70 بالمائة من القيمة الإجمالية للقرض مما يجعلها تقوم باستدانة ثانية وثالثة وهكذا دواليك. وهذا خطأ استراتيجي يجب التفطن إليه، يمكن استغلال جزء من هذه القروض لتغطية بعض النفقات نعم ولكن الأصل في القروض هي استخدامها في الاستثمار لدفع عجلة التنمية ولتكون لها عوائد وأرباح يمكن من خلالها دفع الديون وتنمية بالبلاد.

وعليه، فإن الدولة الجزائرية مطالبة بخلق استثمارات ذات نجاعة اقتصادية وفتح مشاريع البناء والأشغال العمومية باعتبارهما أهم الروافد الخالقة للثروة والمحافظة على الوظيفة وإن تم تقليص المشاريع فنسبة البطالة سوف ترتفع بشكل كبير ويزداد الكساد الاقتصادي مما سيخلق مشاكل كبيرة ستجد الدولة أنها بصدد غليان اجتماعي غير محسوم العواقب.

من جهة ثانية، هناك نوع آخر من الاقتراض أقل ضررًا ويحافظ على سيادة الدولة (باستثناء التموين الغير تقليدي الذي تبنته حكومة أحمد أويحي خلال الفترة السابقة بطبع النقود بالعملة المحلية) وهو ما يعرف بالاستدانة أو الاقتراض الداخلي لكن قبل ذلك يجب تنظيم هذا النوع من التموين.

وبما أن إيرادات الدولة عاجزة عن توفير الأموال للاستثمار فيبقى الطريق الوحيد ربما في نظرنا هو الاقتراض الداخلي للاستثمار ولتغطية نفقات التسيير والتجهيز ودفع الأجور.

الاستدانة الداخلية وتحسين أداء الاقتصاد الجزائري

من الحلول المقترحة لتجنب الاقتصاد الجزائري اللجوء للاستدانة من الخارج أي من صندوق النقد الدولي أو من إحدى الصناديق المالية المعروفة عربيًا أو أفريقيًا أو إحدى النوادي المالية مثل نادي باريس التي تتدخل معظمها بشكل مباشر في السياسة الداخلية والسيادة الوطنية للدولة المستدينة، هناك حل يكمن في الاستدانة الداخلية ولا يعني هنا الاقتراض من البنوك لأن هذه الأخيرة تابعة للدولة، بل المقصود هي البحث عن الأسواق الداخلية وعلى رأسها أموال رجال الأعمال والشركات وادخارات المواطنين قصد الاقتراض منها وإرجاعها بفوائد للمانحين، غير أن هذا الحل يتطلب تنظيمًا وثقة من طرف المانحين يضمن لهم الشفافية ويضمن لهم إرجاع أموالهم بفوائد جيدة.

كما يتطلب هذا التنظيم عدم مطالبة المانحين أو المقرضين عن مصدر أموالهم، لأنه المشكل الكبير لكثير من كبار كانزي الأموال، ويكون ذلك مثلًا عن إصدار البنوك لسندات بنسبة فوائد حلال جيدة ووفق أحكام الشريعة – حيث بينت الدراسات أن الشعب الجزائري من أكثر الشعوب الإسلامية التزامًا بأحكام الشريعة في جانبه المالي وهو يتحاشى إدخال ماله في المنظومة المالية خوفًا من الفوائد الربوية – وخلال فترة لا تزيد عن 05 سنوات قابلة لتجديد.

كما يمكن لرجال المال والأعمال إنشاء صناديق تمويل الاستثمار أو صندوق مالي للاقتراض الداخلي كنوع من أنواع الصناديق – بنوك  التمويلية – كما يمكن للمؤسسات والشركات وحتى البنوك وادخارات المواطنين المشاركة في هذا الصندوق المالي للاقتراض الداخلي بإمكانه تمويل استثمارات الشركات الناجحة الكبرى مثل “سوناطراك” و”سونلغاز” وغيرها. وتكون الدولة عن طريق بنك الجزائر هي الضامنة لهذه القروض.

كيف يمكن رفع نسبة الادخار وعدد المدخرين من المواطنين؟

يمكن خلق آلية ومنظومة عقلانية لزيادة عدد المدخرين تضمن تحسين الاقتصاد الجزائري الوطني. معالمها كما يلي:

على مستوى كل مؤسسة عمومية أو خاصة تفتح نقطة “استثمار ادخارات المواطن”، حيث يوقع الموظف بصفة اختيارية استمارة لاقتطاع نسبة من راتبه الشهري لا يمكن أن تزيد عن 20 بالمائة كأقصى تقدير كاستثمار وليس ادخاراً أي بعوائد وبفوائد مالية – حلال – خلال فترة لا تقل عن سنة أو سنتين من تاريخ الإيداع (الاقتطاع)، تقوم بعدها مصالح المحاسبة المالية لدى المؤسسة بصب هذه الاقتطاعات في صندوق الاقتراض.

وقد أعطت هذه التجربة نتائج جيدة وممتازة في بعض الدول الرائدة في مجال الاستثمار منها شركات سعودية وإماراتية حيث قامت بعض الشركات باستثمار جزء من مساهمات رواتب عمالها – وفق الخطة السابقة – في مشاريع تنموية وقروض لبعض المؤسسات المالية كانت عوائدها خلال 10 سنوات أضعاف مجموع ما تقضاه العمال من رواتبهم خلال هذه الفترة، حيث أقدم العديد من العمال باستلام أموالهم وشروعهم في إقامة مشاريعهم ومؤسساتهم الخاصة دون انتظار سن التقاعد.

يجب تربية الفرد والمجتمع الجزائري على عقلية الادخار واستثمار أمواله وفي نفس الوقت تشديد الرقابة على الأموال الخارجة عن المنظومة المالية للبلاد، من أهم الإجراءات الممكن تطبيقها هي منع التداول بالسيولة وضبط التعاملات المالية والتجارية وحتى الإدارية باستخدام الشيك (أو البطاقات الإلكترونية) حيث يمنع التداول بالقيم المالية التي تزيد عن 100000 دينار جزائري إلا عن طريق الشيكات، مما سيجبر المتعاملين من توجيه أموالهم نحو القنوات المالية النظامية ومنه حل مشكل الرقابة والتهرب الضريبي وتبيض الأموال.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

المستشار كمال كرلوف

المهندس كمال كرلوف مهندس دولة في إدارة المشاريع وخبير مستشار في منجمنت الشركات والمؤسسات، مدير سابق في عدة شركات حكومية جزائرية، ناشط جمعوي ومؤسس لعدة جمعيات ومنظمات وطنية، باحث وكاتب في عدة مجالات سياسية واقتصادية وتنمية بشرية وعلمية، رئيس رابطة الكتاب والمؤلفين سابقا وأستاذ مشارك في جامعة البليدة سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق