مال وأعمال

الاقتصاد أم السلاح.. أيهما يسود ويحكم؟

القوى الاقتصادية هي المحرك الأول لكل شيء، سواء على مستوى الدول أو المؤسسات أو الأفراد، قيمتك الحقيقية تكمن في وضعك المالي وظروفك الاقتصادية، ويكفيك أن تعلم عزيزي القارئ أن نمط الحرب المباشرة الذي ساد خلال القرون الماضية لم يتوقف بسبب الحفاظ على الأرواح كما يقال، وإن كان بعض أرباب السلام بالفعل يهدفون إلى ذلك، إنما توقف للأضرار الاقتصادية والخسائر المالية التي تكبدتها كافة الأطراف المنتصر منهم قبل المهزوم، فالدول الآن لم تعد تنتهج نهج الحرب المباشرة؛ حفاظًا على مقدراتها الاقتصادية، وحمايةً لنمائها المالي، ودعمًا لتوجيه الأموال إليها من خلال الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

لذلك؛ من الصعب أن تتخذ أي دولة قرارًا بخوض حربٍ مباشرة، فهي تسعى -كما قلت- إلى ضمان الاستقرار ومنع أن تكون هدف توجه إليه أعمال الحروب، إذ أن تأثير ذلك يمتد إلى سنوات لا يمكن وصفها إلا بالعجاف، وأصبح حاليًا سلاح الاقتصاد هو السلاح الأوفر حظًا وهو الهدف الذي تسعى إليه الدول الكبرى لتنافس على احتكار أدوات الإنتاج واستقطاب التكنولوجيا بل وصناعتها بصورة تسهم بشكل أو بآخر إلى أن تكون قوة اقتصادية لا يستهان بها تضعف أمامها القوة العسكرية أو البلطجة الدولية.

ومن السهل للدولة الحاقدة على الدولة الناجحة اقتصاديًا أن توقف التعامل معها بحظر الاستيراد منها أو إتاحة فرصة الاستثمار لها على أراضيها بغرض تقليص فرص نمو اقتصادها، إلا أن الواقع العملي ينبئ بغير ذلك، حيث أصبحت منتجات القوى الاقتصادية من الصعب الاستغناء عنها، خصوصًا مع تعذر توفير البدائل المناسبة، لذلك تقف الدول النامية عاجزةً أمام احتياجات شعوبها إذ لم تتمكن ولن تتمكن من الوفاء بها.

لقد سعت القوى الاقتصادية الكبرى إلى تسويق نفسها أولًا على أنها بلد التقدم والديمقراطية والاستقرار لدفع شعوب العالم إلى تقديرها، وجعلت من نفسها نموذجًا يدافع عن الحقوق والحريات، وطبيعة البشر أنهم يؤمنون حتى ولو في قرارة أنفسهم بهذه القيم العليا ويجدون أنفسهم يوجهون جهدهم النفسي والبدني بل والدعم المالي إلى مثل هذه الدول حيث تحظى باحترامهم وتقديرهم، ثم تعمل هذه الدول على اتباع معايير الجودة والإتقان لتقديم منتجات لا تقبل المنافسة وأحياناً كثيرة يصعب الاستغناء عنها.

لذلك تصنيع الأسلحة في الغالب يكون بغرض بيعها لجلب المزيد من النقود، كما أن شراء هذه الأسلحة لا يخلو من فكرة تحقيق الردع واستعراض القوة، ومن الصعب للغاية استخدام هذه الأسلحة في حرب حقيقية مباشرة إلا إذا كانت هذه الحرب تتم على أرض الغير، حيث تراجع الدول حساباتها قبل التفكير، مجرد التفكير في هذا الأمر، فالحروب تعقبها ويلات، علاوةً على الخسائر البشرية وخسائر مادية لا حصر لها.

ولا يمكن لعاقل أن ينكر ما تستحوذ عليه الشركات والمؤسسات الكبرى ذات الجنسية الواحدة أو متعددة الجنسيات من سلطة حقيقية لتحريك دفة الأمور، وفي غالب الأحيان تشرع القوانين وتصدر القرارات ونصب عينها هذه الشركات والمؤسسات، والنماذج أمامنا كثيرة، فالاقتصاد هو السلاح الحقيقي الذي يجب إيلاء الاهتمام والعناية الفائقة به، وما الصراع الذي كان قائمًا ولا يزال بين أمريكا والصين إلا بسبب السعي نحو تحقيق القوة الاقتصادية والتي بيدها تغيير مجرى السياسات وتوجيه النظام العالمي حسبما شاءت.

إن بناء اقتصاد قوي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون على أساس غش ونفاق وخداع ومجاملة، إن الشعارات الرنانة والأغاني والأناشيد ليست سبيلًا لغرس القيم الوطنية، ولا يمكن تحفيز الجمع الشعبي للسعي إلى بناء القوى الاقتصادية الفاعلة للغاية إذا كان هذا الجمع جاهل وفقير ومريض، ولا يمكنه أن يبدع إن لم يكن يملك حرية عرض رأيه ورؤيته، لا يمكن أن يكون هذا الجمع الشعبي شجاعاً إذا كان يواجه بالقسوة والقهر، الاقتصاد القوي لا يمكن أن يبنيه فرد أو مجموعة لا تسمع غيرها وإنما يتحقق بإجماع شعبي لدى كل دولة على حدة، أهدافها واضحة وقواعدها عادلة ولا تمييز فيها لحساب فرد على الآخر، وخلاصة القول لن يبني أحد شيئًا لن يكون له فيه نصيب وحق.

اقرأ أيضاً: الركود الاقتصادي وعلاقته بجائحة كورونا

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق