مدونات

الاعتقال.. عندما تنزع منك إنسانيتك

بادئ ذي بدء، لم يتم اعتقالي أبدا ولم أمر بتجربة أن أبقى مسجونا ولو لساعة واحدة لكن مجرد فكرة أن تقيد حريتي ظلما وبدون جريمة ولا تاريخ معروف للإفراج عني تثير بداخلي مشاعر الرعب والفزع.

مع كل هذه الأخبار عن من تم اعتقالهم ظلما أو إخفائهم قصرا أو بتهم واهية مطاطية أو لمجرد صورة على الهاتف أو لأن حظك العاثر ألقاك في طريقهم، أتساءل دائما ما هو شعور المعتقلين وكيف ستكون مشاعرهم اتجاه مجتمع وافق ضمنا على نزع إنسانيتهم وتدمير حاضرهم ومستقبلهم بدون أدنى رد فعل وكأن هذا الفعل طبيعي وصار الجميع يخشى حتى الحديث عنه خشية التعرض لنفس التجربة.

كيف يمكن لإنسان أن يظلم أخاه الإنسان بأن ينزع عنه ما يفرقنا عن سائر المخلوقات وهو إنسانيتنا، حرية قرارنا وأدميتنا، وكيف قبلنا بالخنوع لهذا الواقع المرير والعيش كمجرد مخلوفات تبحث عن مصدر لغذائها وغذاء أطفالها مرعوبة من مجرد فكرة الحديث عن الظلم الواقع على إخوانهم.

لا أستوعب شعور المعتقلين ظلما وقد تم نزع إنسانيتهم قهرا وتحويلهم لحيوانات حبيسة القفص في ظروف هي في أحسن الأحوال أسوء من ظروف احتجاز الحيوانات في دار رعاية الحيوانات الضالة.

تخيل نفسك للحظة أنك حبيس غرفتك، لا تستطيع التواصل مع أي شخص بالخارج، تخيل في قرارة نفسك رغبتك في فتح الباب لتشم هواء الشارع ولا تستطيع. تخيل لا قدر الله أن والدك أو والدتك توفيت ولا تستطيع حضور مراسم دفنهم وتوديعهم!

تخيل أن تكون حبيس غرفة قذرة ليوم واحد فقط لا يدخلها شمس وتفوح منها رائحة القذارة و لا يمكنك أن تقوم بأي شيء سوى أن تتلاعب بأفكارك التي قد تقودك للجنون من فرط الوحدة والعزلة والظروف القاسية.

تجربة الاعتقال بلا شك تجربة مريرة للغاية وتترك جروح لا تندمل أبدا لأنها تخرجك من إنسانيتك وحريتك لتعيش تجربة حيوانية مرعبة بكل تفاصيلها. فما يفرقك عن حيوان حبيس القفص في هذه الظروف هي فقط أفكارك ومشاعرك التي تترك جروحها الغائرة في قلبك وعقلك وصدرك.

بلا شك أن الحيوانات أفضل حالا في حال حبسها حيث أشك أنها تعرف مشاعر الظلم والحسرة والحزن على من يهمها أمرهم أكثر من حزنها على نفسها.

الاعتقال ظلما هو أن تعايش ظروف حيوانية بمشاعر بشرية وخصوصا وانت لا تعرف للاعتقال سببا ولا ترى مخرجا.

مرت أعوام وجميعنا نعرف أنه تم اعتقال مئات بل قل الآلاف ظلما وبهتانا وبلا قضاء عادل ولا حكم نهائي يرسل بصيصا من الأمل للمعتقلين ومع مرور كل يوم عليهم تنزع إنسانيتهم شيئا فشيئا وحتى في حال الإفراج عنهم فمن الصعب وقد يكون من المستحيل أن يعودوا بشرا مثلا ولكن في الغالب سيصبحون بقايا إنسان يصارعوا أحاسيسهم مع مرارة الاعتقال و قسوة التجربة.

هذا وكل حديثنا هنا عن الاعتقال فقط فما بالك بما يصاحبه من أساليب تعذيب نفسية وجسدية تحطم كل ما تبقى لديك من أمل في هذه البشرية وفي حياتك نفسها.

إن قبلنا بالسكوت عن نزع الإنسانية ظلما من إخواننا أبناء الوطن، فدعوني أؤكد لكم بأننا أيضا قد فقدنا إنسانيتنا طوعا لقبولنا بهذا الاعتداء الصارخ على الشيئ الوحيد الذي يميزنا عن سائر المخلوقات وأننا وصلنا لأقصى معاني الانحطاط البشري.

هل هو كثير على معتقلي الرأي وجميع المعتقلين ظلما أن نتحدث عنهم ولا ننسى قضيتهم ونذكر أنفسنا وغيرنا بجريمة القتل البطيئ للإنسانية وهل توجد أبشع منها جريمة؟

 هل يعقل أن يكون الخوف من الاعتقال ونزع إنسانيتنا قسرا هو المبرر للتنازل عنها طوعا؟

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق