ثقافة وفنون

الاعترافات وذاكِرة الحرب

بعد ما يقارب النّصف قرن عن الحرب الأهليّة اللبنانيّة تظلّ الذّاكرة مفتوحة والجرح ينخُر بنفس الوجع كلّ مرة، حيث بدأت الحرب سنة 1975 وانتهت سنة 1990 تاركة وراءها أكثر من 150 ألف قتيل و17 ألف مفقود وذاكرة تؤلم وأهالٍ ينتظرون..

الاعترافات

كلّما تحدّثنا عن أدب الحروب إلّا وقفزت إلى ذهننا مباشرة صور القتل والذّبح والتّفجير، إلّا أنّنا مع رواية الاعترافات للكاتب اللّبناني ربيع جابر نجد أنفسنا أمام نوع آخر من هذا الأدب فالذّاكرة هي الحرب الكبرى هنا..

الغلاف

من النّظرة الأولى للرّواية يستدرجك اللّون الأسود للغلاف دون رتوش أو زخارف أو صور، كأنّ بالرّوائي يهيّئنا لما يوجد داخل هذه الرواية الأليمة.

البداية

” أبي كان يخطف الناس ويقتلهم، أخي يقول إنّه رأى أبي يتحوّل في الحرب من شخصٍ يعرفه إلى شخصٍ لا يعرفه، هذا أخي الكبير، أخي الصغير لم أعرفه، أعرف صورته، أعرف وجهه، يشبهني في الصور – كان يشبهني – أكثر مما يشبه أخي الكبير، أسميه أخي الصغير وكنّا كلنا في البيت نسميه – في رؤوسنا نسميه، حتى من دون أن نذكره ونحن نحكي، كانت صوره تملأ البيت – ماذا كنتُ أقول؟ أُسمّيه أخي الصغير ولم يكن أخي الصغير ولكنّه الصغير لأنّه ظل صغيرًا، لأنه لم يكبر، لأنهم قتلوه وهو صغير. ”

بهذا المقطع يبدأ مارون بطل الرّواية سرد ذكرياته واعترافاته جاعلاً القارئ متسمّراً في مكانه ينتظر النّهاية..

في هذه الرّواية التّي تتضمّن 144 صفحة، يذكر الكاتب أحداثاً تتعلّق بحرب السّنتين وحرب المئة يوم دون أن يُسهب في تفاصيلها تاركاً القارئ يبحث ويطّلع قبل أن يتمّ القراءة..

الذّكريات خدعة

يبدأ مارون بحديث طويل لا ينقطع، فالجراح كثيرة والذاكرة تخدع كما يقول، إذ تنقلب حياته وتتشعّب ذاكرته لحظة اعتراف إيليّا – أخيه الأكبر – أمام غرفة العمليّات في مستشفى رزق وهم ينتظرون أبيهم القابع في الدّاخل لإستئصال ورم في المخّ..

” هذا ليس وقتك يا إيليّا، ليس وقت ذكرياتك، إيليّا يحكي عن أبي وكيف تحول بين ليلة وضحاها إلى شخص لا يعرفه، وأنا لا أستوعب لماذا يُخبرني هذا الآن، دائمًا كنت أسأله ودائمًا كان لا يخبرني، لماذا الآن يحكي؟ لماذا في هذه الساعة يفتح فمه والسدّ ينكسر والوحل يتدفّق وأنا أغرق في هذا المستنقع. ”

الذّكريات مُحيّرة

” كي أُخبرك قصّتي عليّ أن أبدأ من أخِي الصّغير. خطفوه وقتلوه. كان ولداً لم يتجاوز العاشرة، خطفوه وقتلوه ورموه ممزّق الثياب على الطّريق الصاعدة من المتحف – منطقة خط التماس – إلى أوتيل ديو الأشرفيّة. ”

يواصل كلامه بآلام كبيرة فيقول :

” بعد الدفن لم تعد أمي تغادر التخت، أنا لا أعرف شيئًا من ذلك الوقت، هذه كلها ذكريات إيليّا، أمي لزمت الفراش مخدّرة، وأبي صار يختفي من البيت وعندما يرجع حاملًا السلاح يتجنّب الجيران طريقه، رائحته تغيّرت، وشكل وجهه تغيّر، طالت ذقنه وطال شعر رأسه، في تلك الفترة انتشرت القصص عن تلّ الزعتر والكرنتينا. ”

للحظة يقف القارئ ظنّاً منه أنه أمام حكايات الحرب المكرّر سماعها، لكنّ مارون يستدرك ليقول ” لا تظنّ أنّني سأخبرك قصصاً سمعت مثلها. ” ثمّ يعود ليقول أنّ من عاش في هذا البلد في أثناء الحرب الأهليّة شهد قصصاً فظيعة و عاش حياة فريدة لا تشبه الأخرى لكن يقول أنّ حياته وقصّته تختلف عن كلّ حياة.

يظلّ مارون هنا يحكِي عن والده الذّي تحوّل بين ليلة وضحاها إلى وحشٍ بعد وفاة أخيه الأصغر، لكنّ الكاتب لم يذكر قصّة الأخ الأصغر ليبرّر تحوّل الأب المكلوم، بل ذكرها لأنّها بداية قصّة مارون..
يحكي مارون عن اليوم الذّي وقف فيه والده ليخطف النّاس ويقتلهم في أحد المزاريب لساحة البرج، أوقف سيّارة بيضاء اللّون دخلت الزّاروب عن خطأ، رجلان في المقدّمة وامرأة مع أولاد على المقعد الخلفيّ، قوّصوا على السيّارة.. الأمّ تحتضن أطفالها والدمّ يخرج نوافير من جسمها، أحد المسلّحين يفتح الباب الخلفيّ فيخرج منه صبيّ أبيض، أشقر، يلبس كنزة صوف بيضاء ومن ياقة الكنزة يخرج الدمّ، الأب أبعد رفيقه المسلّح وأخذ الطّفل الذّي وقع لفّه في بطانيّة وحمله، الطبيب قال أنه سيموت بسبب النّزيف، علّقوا له أكياس الدمّ، إستخرجوا شظايا الرّصاص والزّجاج من جسمه، إلتهب جرحه وأصيب بالحمّى، الطّبيب أكّد أنه سيموت، لكنّه لم يمت، وعندما شفي لم يسأله أحدٌ عن إسمه، كان ابن أربعة أعوام أو خمسة وكان آتيا من الموت، فسمّاه الأب ” مارون “.               * ” أنا مارون أنا الصبيّ الذّي خطفوه. “

هل فهمتم الآن لماذا حكى قصّة الأخ الأصغر؟ لأنّ مارون ليس مارون..
فمنذ اللّحظة الأولى التّي حكى فيها إيليّا لأخيه الذيّ لم يكن كذلك ما حدث بدأت الذّاكرة تحمل أوزارها، إنقشعت سحابة الحبّ التّي كانت تظلّل قلبه وإهتزّت الذّكريات الطيّبة التّي كان يحملها لعائلته.

النّهاية

لا شكّ أنّ الطمأنينة إذا إهتزّت لا يعيدها شيء، ومارون فقد هذه الطّمأنينة، تحوّلت حياته إلى أسئلة كبيرة لا يستطيع الإجابة عنها فيقول:
” حياتِي؟ حياة من؟
أنا؟ لكن من يكون هذا؟ ”
والقارئ وهو يركض ليصل للنّهاية ومعرفة مصير مارون ، معرفة أصله وعائلته الحقِيقيّة، لن يجنِي شيئاً، لأنّ الكاتب لم يُرد منحنا هذه الرّاحة، فهناك الآلاف من مارون، والآلاف من الأسر التّي تنتظر وتعاني للآن ويلات حرب مضت..
هذه الرّواية عبارة عن تأريخ للحرب الأهليّة اللبنانيّة انطلاقاً من ذاكرة مارون، تصف أبشع الصّور والحوادث التّي تحولت إلى دفاتر مهملة على طاولات المسؤولين، وقد تغيّر لونها وإنمحت حروفها..

جيهان

جيهان البشري ، تونسيّة ، متحصّلة على الإجازة في القانون العام ، قارئة و كاتبة ، مهتمّة بالمعمار الإسلامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى