سياسة وتاريخ

الاستنزاف المستمر للمخزون البشري في ليبيا

تعتبر ليبيا من الدول التي تشهد مؤخراً انخفاض في معدل النمو السكاني، وهو المعدل السنوي للزيادة في السكان والمتوقع أن تصل إليه أي دولة شابة في ظل ظروف طبيعية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، في عام 2019 بلغت نسبة النمو السكاني لليبيا 1.5 %، بينما بلغت نسبة النمو السكاني في بلد مثل العراق في نفس السنة 2.3 %، ولبلد مثل غينيا الإستوائية 3.3 %، وإذا نظرنا مثلاً للأعوام 2013 و 2014 لوجدنا نسبة النمو السكاني في ليبيا لم تصل إلى 1 %، ناهيك عن خسارة البشر بسبب الحروب، وحوادث الطرقات الرديئة والفوضى والتسيب في أنظمة المرور، والجرائم والتصفيات الجسدية، وموجات هجرة للشباب، وبسبب تأخر سن الزواج والتغير الحاصل في ثقافة الأسر الليبية الحديثة حيث بدأوا يفضلون عدد أقل من الأطفال. تشير تقديرات المؤسسات الدولية ذات العِلاقة بأن عدد سكان ليبيا قد قارب عن الستة مليون وثمانمائة ألف نسمة في عام 2019، بينما تشير بيانات المؤسسات الليبية المحلية المتكتم عليها بأَن عدد سكان ليبيا قد وصل إلى السبعة مليون ومئتين ألف نسمة، وهو ما صدم بعض المسؤولون في الدولة ودفعهم للتصريح عبثاً بأَن هناك تزوير في منظومة الرقم الوطني.
الليبيون بخبرائهم وعامتهم يكاد يتكلمون عن كل المواضيع إلا المسألة الديموغرافية رغم أهميتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. للبشر أهمية كبرى لكل المجتمعات وهم أثمن كنز. الولايات المتحدة الأمريكية تفوقت عن العالم وإجازته اقتصاديا وعسكرياً في عشرينات القرن الماضي بعد استقبال الهجرات المتتالية التي أنتجت زيادة كبيرة وسريعة في عدد السكان، وبدأت الآن تميل لفقد مكانتها العالمية لصالح الصين بعد سياسات الإغلاق أمام المهاجرين، بينما بدأت الصين في تغيير قوانينها لتسمح للأسر الصينية بزيادة إنجاب الأطفال. دولة روسيا بدورها وسعت نظام الحوافز للتشجيع المواليد الجدد، وتركيا تسابقها في نفس الخطوات، والإمارات العربية المتحدة قد أنجزت قفزات كبيرة في السياسات التي تهدف للزيادة في تعداد السكان، وألمانيا اعتمدت على استقبال المهاجرين من أماكن مختارة بدقة حيث يشتهر الناس فيها بالنشاط في الأعمال وقرب لون وملامح الوجه إلى العرق الألماني وهنا نتكلم تحديداً عن المهاجرين السوريون الذين استولت عليهم ألمانيا، أما باقي قارة أوروبا الصناعية والتي تشهد تراجع سكاني كبير مما أدى لتراجع صناعي واقتصادي أمام منافستها أسيا بدأت في تسهل عمليات تهريب المهاجرين بطرق سرية من إفريقيا إلى أوروبا بغرض تنشيط اقتصادها الصناعي المتدهور الذي يفقد بريقة أمام القطاع الخدمي، وياترى ما هو السر في هذا التنافس على كسب البشر بين الدول الرائدة والتي تحرص على عدم خسارة الإنسان؟ هل هي الإنسانية أو حافز أخر؟
الحرص على عدم فقدان الإنسان أو السكان هو حرص اقتصادي قبل أن يكون قيمي. الإنسان هو من يعمر الأرض ويدافع عنها، وهو من ينشط الاقتصاد، وهو من يقوي الجيوش، وكما تبين لنا نظريات السياسة المقارنة والسياسة الدولية بأنه من الممكن خسارة أي عنصر وتعويضه بما في ذلك الأرض والمصانع والمال والاقتصاد، إلا خسران البشر. خسارة الإنسان يصعب تعويضها، والبشر هم من يعمرون المصانع المدمرة، ويحررون الأرض المحتلة، وينشطون الاقتصاد، وهم أغلى قيمة مادية خلقت على هذه الأرض. إن تكلفة الحصول على البشر وتكوينهم وصقلهم عالية جداً، ولهذا فإن الدول المتفوقة تحرص على حياة الإنسان وترى فيه استثمار كبير، وترى في ضمان ولائه وإخلاصه أولوية من أولويات سياستها العامة. ولا يفوتنا أن نذكر بأن الممالك والإمبراطوريات القديمة تتمدد لهدف ضم أكبر قدر من السكان. الدول القوية هي قوية بالجيوش الكبيرة وبالاقتصاد الغزير، وكلاهما يتطلب عدد سكان كبير! وحتى الشركات العالمية تسعى ليل نهار للاستحواذ على أسواق العالم حيث أكبر عدد من السكان، وهو ما يعزز لها فرص الإنتاج والربح.
نحن في ليبيا نعيش بين تجمعات سكانية قوامها عشرات الملايين في دول فقيرة، وهذه المجاميع البشرية تحاصر حدودنا الغير محمية من كل جهة، وفي الوقت الذي نعاني فيه نحن من شح في السكان المبعثرين في مساحة كبيرة من الأرض الغنية بالثروات الغير مستغلة، وهو ما يشكل تهديد للأمن القومي الليبي. النظام الدولي يتعرض للأزمات كبيرة كل مئة عام تقريباً، ولو إنفلتت الأمور الدولية بسبب حرب عالمية أو بسبب أزمة اقتصادية عالمية عندها قد تغزوا أرضنا الملايين من جموع البشر وقد نصبح لهم خدم، هذا إن تكرموا وسمحوا لنا بالبقاء أحياء، والعالم بتاريخ البشرية وسلوك البشر يعلم جيداً إن الإبادة الجماعية وتهجير السكان الأصليون حدث مراراً وتكراراً مع العديد من القوميات العرقية، وما يزيد الطين بلة هو أن أرضنا ينظر إليها كمصدر محتمل للطاقة وهو ما يعزز التهديد علينا في حالة نشوب صراع مسلح دولي طويل الأمد. وحتى في أوقات السلم فإن عملية إعمار الأرض الكبيرة والمترامية الأطراف كأرض ليبيا بحاجة للحفاظ على السكان، وهو ما يعني الحفاظ على كل نفس بشرية من القتل العبثي.
كذلك حرص الدين الإسلامي الحنيف على عدم خسارة الإنسان وأعطى له القيمة التي يستحقها من الحماية حيث جعل الله سبحانه وتعالى جزاء القاتل القتل للحفاظ على أرواح عباده، وقال الله تعالى في كتابه العزيز (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) وقال (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ) ونهى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عن قتل الإنسان لما له من قيمة كبيرة حيث قال في حجة الوداع “لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض” وبلغ حرصه الكبير عليه الصلاة والسلام على سلامة النفس البشرية حيث قال “لأن تهدم الكعبة حجرًا حجرًا، أهون عند الله من أن يراق دم امرئ مسلم” وبلغ هذا الحرص على النفس البشرية ذروته حيث شمل الغير مسلم حينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا”. وإن كنا نتكلم عن الحقوق فإن أول حق هو الحق في الحياة، أي حق الإنسان ألّا يقتل بقرار من إنسان أخر وعلى يد إنسان أخر وبشكل مزاجي وغير مسؤول كما نراه في ليبيا في هذه السنوات من تفريط للأثمن كنز في الوجود وهو الإنسان. وللأسف الشديد ضرب الساسة الليبيون هذه النصوص الدينية والحقوقية وما لها من قيمة أخلاقية وتنموية بعرض الحائط وأفرغوا البلاد من سكانها وذلك باستغلال الشباب وحاجتهم للوظيفة والمنزل والسيارة والزواج وإدخالهم للمقابر عن طريق الحروب، حتى أصبحت صور التوسعة في المقابر الليبية المليئة بالشباب تدمي قلوب الرجال ذوي الأخلاق، كما أنهم يرون في الشباب الليبي المشكلة وليس أداة حل.
خسارة الإنسان كبيرة لأن مرحله تكبيره وتعليمه كلفت أُسرته ودولته الأموال الطائلة من الدنانير والكثير من الجهد والوقت حتى كبر. ولهذا السبب نجد أن الدول المتقدمة حريصة على حياة كل فرد في مجتمعاتها وذلك أخذاً في الحسبان قيمته المادية الباهظة قبل الأخذ في الحسبان قيمته المعنوية. أما في ليبيا أصبح ثمن الإنسان رصاصة بدينارين و بقرار مزاجي يتخذه شخص ليس له أي صفة اعتبارية وليس مخول بإنهاء حياة البشر. أصبحت الجثث تترامى على الشواطئ وعلى حاشية الطرقات، ولم تسلم حتى النساء. الأطفال يخطفون ويعذبون ويقتلون من أجل فدية ما أنزل الله بها من سلطان، ومن لا يدفع الأتاوة من الناس العصامية قد يغيب قسراً ويتعرض للإهانة قهراً، والكثير من الشباب الذين من المفترض بهم أن يكونوا نشطاء في اقتصاد البلاد مغيبون في معتقلات سيئة السمعة، وعدد المجازر الجماعية يفوق قدرتنا على إحصائها هنا وأرتكبت في كل المناطق بليبيا. وهكذا أصبح في بلدنا أغلى وأثمن عنصر وهو الإنسان برخص حبيبات التراب، وهذا الاستنزاف في السكان يعتبر خسارة كبيرة للدولة قبل أن يكون خسارة كبيرة للأهالي وذوي القتلى، والكثيرون يتحدثون عن إصلاح القوانين والدساتير والاقتصاد والسياسية وهذا أمر جيد، ولكنهم لا يتحدثون عن إصلاح حالة الاستنزاف في المخزون البشري للبلاد مما يهددها بنكبة اجتماعية قد تشهدها في العقد القادم إذا ما تواصل نزيف الدماء وخسارة المزيد من السكان.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

Abdurraouf Elakder Alyoncee

عبد الرؤوف عبد السلام الأخضر اليونسي طالب دكتوراه في السياسة المقارنة والسياسة العالمية بقسم الدراسات الدولية بجامعة كليرمونت للدراسات العليا بكاليفورنيا. تشمل اهتماماته قضايا النمو الاقتصادي والتنمية الشاملة، والعقوبات الدولية، وقضايا البناء الدستوري والقانوني والبيروقراطي، ودراسات تقييم حيادية القضاء الدستوري والمحاكم العليا، ودراسات تحسين أداء الحوكمة المحلية وفاعلية المؤسسات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد والمجتمع.

‫2 تعليقات

  1. مرة أخرى يضع زميلي وصديقي الدكتور عبدالرؤوف اليونسي يده على احدى جراحات الوطن التي وللأسف صارت عديدة. استنزاف المورد البشري في ليبيا تحول خطير ولكن للأسف كغيره من الجراح لا حياة لمن تنادي.

    لا سيما وأن ليبيا اساساً بلد كبير المساحة ويفتقد للمورد البشري وحباه الله بالعديد من الموارد الاقتصادية.

    مقال يدق ناقوس الخطر لمسألة غاية في الأهمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى