سياسة و تاريخ

الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب بالمغرب.. أية آفاق؟

الشباب هم عصب المجتمع، بدون شباب لا وجود لمستقبل ناضج وناجح بشبابه، وهذا ما ينبغي على الدولة أن تفعله في استراتيجيات وبرامج عملها، سواء من حيث المؤسسات التشريع التي تشرع المقتضيات والنصوص القانونية، ولا من حيث برامج ومشاريع التي تشتغل علها المؤسسات الأخرى المعنية بقضايا الشباب. لكن مع وجود الفقر والبطالة من الصعب تحقيق عدالة اجتماعية في منطقة لا تتوفر فيها أبسط حقوقها سواء اقتصاديا أو اجتماعيا، فكيف ستوفر لسكانها متطلباتهم وأولوياتهم الحقوقية الإنسانية وهذا ما يجب على مركز القرار أن تنهجه على أرض الواقع.

في هذا السياق يأتي تقرير”تقييم السياسة العامة ذات الصلة بالشباب” وهو تقرير يحاول مساءلة خمس قطاعات حكومية عن سياستها في مجال الشباب، وتتحدد هذه القطاعات في قطاع التعليم، قطاع التشغيل والتكوين المهني، قطاع الصحة، قطاع التنمية الاجتماعية والتضامن، قطاع الشباب والرياضة، وذلك خلال الثلاث سنوات التالية: 2007-2008-2009، هذه مجالات يتقاطع فيها الاجتماعي بالثقافي والسياسي والتنموي، كلها تبقى قطاعات إنسانية تهم الإنسان كيف مكان، وبالتالي فمقاربتها ومساءلة مضمونها من زاوية الشباب بشكل أفقي، قد يتيح إمكانية استخلاص مدى وجود سياسة عامة للدولة في مجال الشباب.

الاستراتيجية الوطنية المندمجة للشباب بالمغرب نموذجا

مند سنة 2012 أولت المملكة المغربية أهمية كبيرة بفئة الشباب لأنهم هم القوة الفاعلة في المجتمع والمطالبة بالتغيير، وهذا يتبين من خلال الخطابات الملكية التي عملت على ترسيخ الدور الفاعل لهذه التكتلات الشبابية في نهج سياسات تنموية اجتماعية. ومن بين هذه الخطابات خطاب 20 غشت 2012 بمناسبة تخليد ذكرى 59 لثورة الملك والشعب الذي جاء ضمن خطابه “… يجب التعامل مع الشباب كطاقة مفعلة للتنمية، وهو ما يقتضي بلورة إستراتيجية شاملة، شأنها وضع حد لتشتت الخدمات القطاعية المقدمة للشباب، وذلك باعتماد سياسة تجمع، بشكل متناغم ومنسجم، مختلف هذه الخدمات.”

وهذا ما جعل الهيئات المعنية تعمل على تقييم مجموعة من السياسات القطاعية الذي يمكن من خلاله تكوين فكرة بخصوص مدى وجود سياسة عامة في مجال الشباب، كما أن تتبع ذلك على مدى حيز زمني معقول، ومن هنا تم إنشاء السياسة الوطنية المندمجة  للشباب2015-2030، ركيزة أساسية للتنمية وتطوير قدرات الشباب في مجال التنمية وتمكينهم، وتشترك هذه المبادرة المتفتحة في أنها مرجعية تحدد التزامات الدولة والمجتمع اتجاه الشباب، تعمل بشكل أفقي لتمس ولوج الشباب للتعليم، للعمل وللخدمات الصحية وممارسته للمواطنة، والولوج إلى جميع الخدمات الأساسية التي يجب أن يتمتع بها الشباب في جل القطاعات.

تعد الإستراتيجية إطار عام يروم وضع الشباب في صلب السياسات العمومية وبالخصوص التنزيل الفعلي للخطوط التوجيهية للدستور الجديد المصادق عليه عام 2011 ، الذي عزز الإطار التشريعي للشباب في المغرب. وبالفعل يؤكد الدستور على ضرورة توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، ومساعدتهم على الاندماج في سوق العمل والحياة الجمعوية، وتقديم المساعدة للشباب في وضعية صعبة تحول دون تكيفهم المدرسي أو الاجتماعي أو المهني، تيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا والفن والرياضة والأنشطة الترفيهية، تختلف الفئة العمرية للشباب باختلاف السياق الاجتماعي، فالعديد من التعريفات الأممية خاصة تعريف المنظمات التابعة للأمم المتحدة، تعتبر أن الفئة العمرية للشباب هي تلك التي يتراوح عمرها بين 15 و 24 سنة، ويستعمل هذا التعريف كتعريف مرجعي للشباب على الصعيد الدولي.  كما تتوكأ المندوبية السامية للإحصاء على هذا التعريف في إصدار حديث لها بعنوان “الشباب في أرقام” ، حيث أوضحت المندوبية أن الانتقال إلى سن الرشد لا يكتمل بتاتا قبل سن 24 ربيعا، وعلى الصعيد الوطني,5 % 87 تقريبا من الشباب لا زالوا عازبين، و 81 % منهم لا زالوا يعيشون مع آبائهم، وتبلغ نسبة غير النشيطين منهم %  66 تقريبا  كما تُعرِّف المندوبية السامية للتخطيط الأشخاص غير النشطاء أنهم أشخاص لا يشتغلون وليسوا عاطلين عن العمل، بما فيك ذلك الشباب التلاميذ الطلبة.

ولهذا كان على هذه المرجعية أن تستجيب لتطلعات الشباب التي تنشأ قبل وبعد السن الرسمي لهذه المرحلة العمرية  15 إلى 29 سنة في هذا السياق، ومن الضروري أن تقدم إجابات تتجاوز حاجات شباب اليوم، لتشمل الحاجات التي يعبر عنها أولئك الذين ينتقلون سنويا من الطفولة إلى مرحلة الشباب، والذين يمكن أن يعانوا من نفس المشاكل. فالعلاقة القوية بين التأثيرات السلبية والإيجابية التي تطبع مرحلة الطفولة وتأثيرها على مرحلة الشباب تستدعي اعتماد سياسات وبرامج تستهدف الشريحة العمرية التي لم يتجاوز عمرها بعد الخمسة عشرة ربيعا، بُغية خلق الشروط الضرورية لتطور هذه الشريحة التي ستُدشِّن مرحلة الشباب.

وفق نفس المنهج لم يتمكن العديد من الشباب المغربي الذين يتجاوز سنهم التسعة وعشرون سنة الانتقال إلى سوق الشغل، ويظلون في وضعية بطالة أو لا نشاط مهني، ويتعين تبعا لذلك إدراجهم ضمن تدابير الإستراتيجية الوطنية للشباب، إلا أننا نلاحظ أن سن التي أدرجته المبادرة لا يستجيب لجميع الفئات، فهناك فئة عمرية تمثل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 29 إلى 35 سنة هم أيضا يعانون من البطالة والإقصاء الاقتصادي، وينبغي على صناع القرار اتحاد برامج ومشاريع من اجل إدماج هذه الفئة.

الركائز الأساسية لتفعيل الاستراتيجية

إن الأهداف التي سطرتها الإستراتيجية التي جلها تتمحور في الرفع من الفرص الاقتصادیة المتاحة للشباب ومن نِسَب تشغیلھم، تطویر ولوج الشباب إلى الخدمات الأساسیة، تحسین خدماتھا وتقلیص الفوارق الجغرافیة، تشجیع المشاركة الفاعلة للشباب في الحیاة الاجتماعیة والمدنیة وفي صناعة القرار، تعزیز احترام حقوق الإنسان، تقوية المقتضيات المؤسساتية المتعلقة بالتواصل والإعلام والتقييم والحكامة.  قصد توفر الشباب المغربي برمته، إناثا وذكورا، على القدرات والفرص التي تؤهلهم للانتقال إلى مرحلة البلوغ من خلال تربية ذات جودة عالية، والولوج إلى عمل لائق، وإلى خدمات صحية ملائمة وإلى المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وهي تبقى رؤية تعمل على تلبية جميع الوسائط المجتمعية، والقطاعات الحيوية في المجتمع المغربي سواء منظمات المجتمع المدني، مؤسسات القطاع الخاص والعام.

إلا أنه بالرغم هذه المبادرة الطموحة التي تشتغل عليها الدولة  تبقى رؤية غير مفعلة على أرض الواقع إلا بشكل تدريجي، ولا يغطي جميع الفئات وكافة بقع الجغرافية، نظرا لما يعاني منه الشباب من إقصاء خصوصا شباب العالم القروي أو الذي يقطن في الوسط الاجتماعي الغير المنصف، وهذا لا يتماشى مع تطلعات الشباب ونهج مسار التقدم نحو مستقبل ديمقراطي يرسخ حياة مستقرة ومنصفة.

وعلى ضوء ما سلف يمكن القول أن الاستراتيجيات التي تنهجها المؤسسات ومراكز صناع القرار يجب أن تنهج مخططات فعالة وناجعة ذات بعد تحرري ديمقراطي يلبي لاحتياجات ومتطلبات الشباب، تعزز حقوق الإنسان للنهوض بالكرامة الإنسانية وحمايتها.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق