مدونات

الاختلاف نعمة وطريق إلى التكامل

خلقنا الله سبحانه وتعالى مختلفين في مختلف الأشياء، مختلفين في الجنس والعرق واللغة والأصول، مختلفين في جل الأشياء، إلا أننا نتشابه في أشياء أخرى، الشيء الأساسي الذي يجمعنا هو البشرية، رغم كل الاختلافات، رغم كون الإنسان غير مطابق للآخر، لا يشبه أخاه الإنسان في كل شيء، أوجب ذلك علينا البحث عن الحكمة من هذا الاختلاف؛ والتي تكمن في أساسها في كون هذا الاختلاف هو الذي يشكل التكامل بين الناس ويجعلهم متحدين؛ فالاختلاف يجعل شخصًا ما يتميز بميزة معينة لا تتوفر لدى الآخرين، مما يجعل طلبهم منصبًا عليه.

كما يحتاج هو كذلك لأشياء لا تتواجد لديه وتتواجد لدى الآخرين، فيبحث بذلك عن اكتفاء ذاتي له، وهذا الاكتفاء الذاتي لا يمكن أن يحققه إلا إذا انضم للآخرين، إلا إذا تضامن مع الآخرين وانسجم معهم.

التكافل والتضامن الاجتماعي لم يكونا ليتواجدا لولا كون الناس مختلفين حتى في اقتصادهم وفي ميزانيتهم، فمنهم غني ومنهم فقير، منهم من يفتقر إلى المال ومنهم من يفتقر إلى العمل، وبالتالي وجب على الطرفين خلق شراكة أساسها العمل مقابل المال، هذه مجرد علاقة يبرز فيها دور الاختلاف ضمن بحر لا متناهي من العلاقات التي تبين أوجه التضامن والتكافل والتعاون والاتحاد بعامل الاختلاف، فلو لم يكن الاختلاف؛ لكانوا مشتبهين في نقاط ضعفهم وفي نقاط قواهم، وبالتالي لن يحقق أي شخص مصلحة للآخر ما دام لا يحتاج إليه.

إن الحاجة التي قيل عنها أنها أم الاختراع، لم تتولد بدورها إلا بعامل الاختلاف، بكون الناس مختلفين فيما يتوفرون عليه، فالتكافل الاجتماعي وجه من الأوجه التي تبين أن الاختلاف ليس أداة من أجل التمييز أو ذريعة من أجل العنصرية، وإنما هو وسيلة لغرض تنمية شاملة للإنسان لا تكون بشكل فردي، ولا يمكن أن نتخيل أنها ستحدث بمعزل عن الجماعة، فالتنمية تحدث باتحاد شخصين على الأقل، وتزداد تطوراً وازدهاراً كلما ازداد عدد المتضامنين في هذا الإطار.

والاختلاف هنا لا نتحدث فيه فقط عن الاختلاف بين الأفراد، إذ أن الاختلاف بين الدول هو وسيلة أخرى ساهمت بشكل كبير في خلق تنمية لدى مجموعة من الدول، حيث تستغل كل دولة على حدًا ما تتوفر عليه من مؤهلات وتقدمه للدول الأخرى مقابل أغراض أخرى تفتقر إليها.

فخير مثال نراه في الاتحاد الأوروبي، إذ يشكل قوة عظمى عالمية تهابه كل دول العالم، وهذا لم يكن إلا بفعل وعي دول الاتحاد الأوروبي بكون كل دولة على حده تفتقر إلى مجموعة من الأشياء التي يمكن أن تحصل عليها في حال ما إذا انضمت إلى الاتحاد، ليشكلوا بذلك قوة فيما بينهم، فهم المستفيدون بالدرجة الأولى من هذا الاختلاف.

إن الاختلاف يستفيد منه بالدرجة الأولى المختلف إذا انضم إلى الآخرين، واتحد معهم، ليتحول الاختلاف إلى تكامل، والعكس صحيح، في حال ما إذا انضاف إلى هذا الاختلاف الانعزال والانكماش؛ فلن يعطي إلا ضعفاً آخر.

يجب أن نعي كأفراد ضرورة الاختلاف وأهميته في خلق نتيجة على المستوى الفكري كذلك، لذلك فإن الاستماع لمجموعة من الآراء من باب العدل الذي يخلق تنمية على المستوى الفكري، فغالبًا ما نجد الذين نجحوا في المجال الفكري نجد أن استماعهم لا يكون من طرف واحد، وأن النصائح التي يأخذونها لا تكون من باب واحد، إذ يعتمدون عدة مصادر من أجل الحصول على آراء مختلفة.

وحتى الفلسفة تعتمد النقد باعتباره الوسيلة التي يستطيع بها المفكرون خلق تكامل فكري فيما بينهم، لذلك فاختلاف الآراء لا يعني عنصرية أو كراهية، وإنما اختلاف وجهات النظر فقط حسب الزاوية التي يرى بها كل من المفكرين موضوعًا معينًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى