علوم وصحة

الاحتباس الحراري.. سجنٌ بلا قضبان!

غاندي: “الفقر هو الملوث الأكبر”

ربما تثير هذه المقولة الفضول.. كيف للفقر أن يسبب التلوث على الكوكب؟!

إن معظم الدول الفقيرة والتي تعاني ظروفًا اقتصاديةً صعبةً تحاول دومًا إنقاذ نفسها والنهضة باقتصادها، ولتفادي تلك الأزمات يكون التركيز منصباً على العمل والتطور والنهضة، مع إهمال الوضع البيئي، فهو يعتبر في الظروف الاقتصادية الصعبة والملحة أمراً كماليًا، ويمكن التغاضي عنه،  أما في الرخاء وبعد تحقيق الهدف المراد اقتصادياً، تبدأ الحكومات بالتوجه إلى الأمور البيئية على أنها أمور مهمة ويجب العمل عليها.

وبالطبع من أهم المشكلات البيئية التي تؤثر حالياً على العالم أجمع ظاهرة الاحتباس الحراري، وهي ارتفاع درجة حرارة الأرض عن المعدل الطبيعي بسبب زيادة غازات الدفيئة في الجو، وكان مبتكر مصطلح الاحتباس الحراري هو العالم الكيماوي السويدي سفانتي أرينيوس في عام 1896.

أوغست كانت: “المعرفة هي القدرة”

وكي نملك القدرة على حلّ المشكلة علينا أن نعرفها حقّ المعرفة.

عند سقوط أشعة الشمس على الأرض، ينعكس جزء من الأشعة، ويمتص جزء منها، ويعاد الإشعاع إلى الغلاف الجوي على شكل غازات تسمى غازات الدفيئة، وهذا أمر طبيعي للحفاظ على حرارة الأرض معتدلة؛ حيث أن متوسط حرارة الأرض يبلغ 14 درجة مئوية، ولولا هذه الظاهرة لكان متوسط درجة حرارة الأرض يبلغ 19 درجة مئوية تحت الصفر، حيث يستحيل العيش في درجة حرارة مشابهة طوال الحياة.

لكن المشكلة بدأت بزيادة حجم هذه الغازات في الغلاف الجوي، بعد النهضة الصناعية والتطور التكنولوجي، الذي اعتمد على استهلاكٍ كبيرٍ للطاقة والبترول، وكما يقول ميخائيل نعيمة “الزيادة في ثروة المادة، نقصان في ثروة الروح”.

أما الغازات الدفيئة فتشمل: بخار الماء، ثاني أكسيد الكربون، الكلوروفلوروكربون، الميثان، الأوزون وأكسيد النيتروز، فتراكم هذه الغازات بكميات كبيرة وزائدة عن الحد الطبيعي في طبقة الستراتوسفير والتي تشمل طبقة الأوزون في الغلاف الجوي، يؤدي لزيادة حرارة الأرض؛ لأن هذه الغازات لها قدرة عالية على امتصاص الاشعاع الشمسي ذو الموجة الطويلة (الأشعة تحت الحمراء).

درجات حرارة الأرض تستمر بالارتفاع كل سنة عن سابقتها، السنوات ما بين 2010 و2019 ارتفعت الحرارة بمعدل 0.7 عن المعدل الطبيعي مقارنةً بالعشر سنوات السابقة، وتركيز غازات الدفيئة وصل إلى 414 جزء من المليون، مع العلم أن الحد الأعلى لغازات الدفيئة في الجو كي تعيش البشرية بأمان هو 350 جزء من المليون، وهذا الأمر لا يمكن حله إلا عن طريق تقليل الانبعاثات وتقليلها جدًا أيضًا، والتحول إلى الطاقة النظيفة كلياً.

وليام شكسبير: “الأسباب القوية تولد أفعالاً قوية”

مسببات الاحتباس الحراري بفعل الإنسان هي: مصادر الطاقة المتجددة مثل الفحم والبترول، والتي تزيد نسبة غازات الدفيئة ومن أهمها غاز ثاني أكسيد الكربون، قطع الأشجار بمساحات كبيرة والتي تعمل كفلتر طبيعي ينقي الهواء من تلك الغازات لاستبدالها بمشاريع سكنية، تآكل طبقة الأوزون وذلك بفعل الملوثات الجوية، بالإضافة إلى الانتشار الكبير للتخصيب النووي.

ليونارد رايت: “عندما لا يوجد البستاني لا توجد الحديقة”

فلكل سبب نتيجة، بصرف النظر عن أيهما سيحصل أولاً، اتفقنا مع نظرية السببية أو اختلفنا.

نتائج الاحتباس الحراري متعددة، ولعل من أهمها ذوبان الجليد في الأقطاب، حيث يقوم الجليد بعكس الأشعة الشمسية الساقطة عليه إلى الفضاء الخارجي فيمنع ارتفاع حرارة الأرض، كما يقوم الجليد المتكون على سطح الماء على عزل البحار والمحيطات، وبالتالي تقليل الفقد الحراري من المسطحات المائية في الفصل البارد.

وذوبان الجليد بطبيعة الحال سيؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، وهذا الأمر يهدد وبالضرورة المدن الساحلية، التي من المتوقع إذا استمر الوضع بالتفاقم ستتعدى المياه على تلك المناطق المليئة بالسكان، فأين سيذهب سكان مدن وولايات ساحلية كاملة!

هذا الأمر لا يهدد المناطق الساحلية فقط، فإن لم تكن تقطن في منطقة ساحلية، ستعاني من ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، وتقلبات المناخ، فالضرر يلحق بنا جميعاً، وهذه ظاهرة تهدد كوكباً بأكمله وليس فئةً معينة.

ومن النتائج أيضًا التقلبات المناخية، ومن مسبباتها تباطؤ حركة الرياح التي تنقل العواصف من مكان إلى آخر، وهذا يعني الإطالة في فترات الهطول، وكذلك فترات الجفاف، وهذا ما نلاحظ حصوله في الآونة الأخيرة، ويعتقد تشارلز غرين العالم المتخصص في الغلاف الجوي أن ارتفاع حرارة القطب الشمالي أدى لتباطؤ الحركة في ارتفاعات عالية لتيار هوائي يدعى “التيار النفاث “، بالإضافة إلى التأثير على نمط حركة رياح آخر يدعى “الدوامة القطبية”، والتي تحصر الهواء البارد داخل الأقطاب، ولكن حين يلحق بها الضعف ينتقل هواء القطب الشمالي جنوبا مسبباً طقساً بارداً بالقرب من المناطق الإستوائية.

بالإضافة إلى أن الاحتباس الحراري سيؤثر على حياة الكائنات البحرية بسبب ارتفاع درجات الحرارة، ومن الجدير بالذكر أن الكائنات البحرية تنتج ما نسبته 80% من الأكسجين على الأرض.

كما أن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى حدوث حرائق من الصعب السيطرة عليها كما حصل مؤخراً في أستراليا، فكانت تلك حقاً كارثة أودت بحياة البشر والكثير من أنواع الحيوانات، والتي أصبح بعضها مهددًا بالانقراض، وستتكرر الحادثة كثيرًا إن لم تُتخذ خطواتٍ جدية تجاه هذا الموضوع في أرجاء الكوكب كافة.

“لكل حدثٍ حكمة بليغة قد نجهلها”

صحيح أن هذه الحرائق لم تكن جيدةً للوضع العام للكوكب والحياة على الإطلاق، لكنها كشفت عن أحد أقدم أنظمة الريّ، يبلغ عمره الآف السنين شيد من قبل شعب الغونديتجمارا الذي استوطن المناطق الغربيه لفكتوريا، كان النظام معروفًا لدى علماء الآثار، ولكن الحريق كشف بالتفصيل عن خريطته، حيث كان النظام غير ظاهرٍ بسبب الغطاء النباتي الكثيف، وتمت إضافته لقائمة التراث العالمي.

أحمد تيمور: “الإنسانية هي الحل”

فإن طغت الإنسانية على أفعالنا، سنصل إلى جميع الحلول الإنسانية نحو أنفسنا ونحو الطبيعة من حولنا.

ومن المؤكد أن حل هذه المشكلة لا يمكن أن يكون بطرق همجية كمحاربة التطور والدعوة إلى العودة للطرق البدائية، لا يمكننا أن ننسى بأن التطور أوجد حلولاً للكثير من المشكلات، وساعد البشرية في كافة المجالات، ولا يمكن حلها أيضًا بالنظرة السوداوية، والتي تتبنى الحقد على البشرية، والرغبة في القضاء على بني البشر وتقليل أعدادهم.

باور واتسن يقول: “علينا بشكل ذكي وراديكالي أن نقلل الأعداد البشرية لتصبح أقل من مليار؛ لأن شفاء الجسم من السرطان يتطلب علاجات تدخليه متطرفة، لذلك شفاء المحيط الحيوي من الفيروس البشري يتطلب حلولًا راديكاليةً أيضًا”

وبالتالي فإن حل التغير المناخي يتلخص في جملة واحدة “استخلاص أكبر كمٍ من الطاقة بأقل انبعاثات”، وليس بتقليل الأعداد البشرية لأقل من مليار!

وهذا الأمر يتم عن طريق استغلال مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة مثل الشمس والرياح المتوفرة دوماً، ففي الأردن مثلا تشرق الشمس 316 يوم في السنة حسب الدراسات، وهي من الدول الأعلى معدل سطوع شمسي في العالم، والأردن وبعد إقرار قانون الطاقة المتجددة في عام 2012، سمحت للمواطنين بتوليد استهلاكهم من الكهرباء عن طريق مصادر الطاقة المتجددة مثل السخانات الشمسية، وبالتالي يمكن لكل شخص أن يساهم في حل مشكلة الاحتباس الحراري كلٌ حسب موقعه وقدرته.

بعض الدول مثل بريطانيا تعهدت بإغلاق المحطات التي تعتمد على الفحم، واستبدالها بطاقة أنظف.

المغرب نالت المرتبة الثانية في العالم من حيث الأداء الأفضل في هذا المجال بعد السويد، بعد موجة الجفاف القاسية التي حصلت في المغرب بعام 2015، حيث قامت بإنشاء محطة نور للطاقة الشمسية، التي بطريقها لأن تصبح أكبر محطةٍ للطاقة الشمسية في العالم، بالإضافة إلى مشاريع الطاقة الهوائية، والكثير من المبادرات التي تسهم في هذا المجال بشكل كبير، وهذه المبادرات تعتبر جيدةً من بعض الدول التي ينبغي أن نجعل منها قدوةً في هذا المجال.

مارك توين: “ينبغي أن يعلم من يفتح سجناً أنه لن يغلق أبدا”

وهذا ما فعلناه على متن كوكبنا دون اكتراث، لم يكن التطور من صَنع هذا بل هي يد البشر، لو أننا عملنا على اعتدال كفتي الميزان، لحصلنا على نتيجة مفادها “تطور وكوكب صحي”، فالأرض في الكون كالسجين الذي لا يمكن إخراجه من قفصه، إلا بإثبات براءته التامة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق