سياسة وتاريخ

الاتحاد الأوروبي: نحن أولاً وأخيراً

في تطور متوقع بعدما فتحت تركيا حدودها أمام اللاجئين السوريين للعبور إلى أوروبا الجنة المحرمة في نظرهم، خرج وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في مؤتمر صحفي ختامي ينتقدون تصرف أنقرة، ويطالبون الحكومة التركية باحترام اتفاقها مع أوروبا، غير أن المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين رفض الحديث الأوروبي جملة وتفصيلاً، مطالباً قادة القارة العجوز بتحمل مسئولياتهم.

وفي موقف داعم للموقف التركي، طالبت منظمات حقوقية حكومات الاتحاد الأوروبية بفتح أبوابها أمام اللاجئين، والتعامل الإنساني مع هؤلاء الفارين بحيواتهم بحثاً عن حياة كريمة، بعدما مزقت الحروب والصراعات عائلاتهم، ودمرت بلادهم على مرأى ومسمع من أوروبا الحرة التي تجاهلت نداءاتهم لوقف مأساتهم، لكن لم يجدوا منها سوى التجاهل، ولم يتحرك الأوروبيون سوى بعد أن شعروا أنهم سيتحملون نصيبهم من الأزمة.

بدأت موجات الهجرة إلى أوروبا تتزايد منذ 2014 مع زيادة توحش نظام الأسد ضد بني شعبه، فركب الفارون بأعمارهم زوارق الموت خائضين عباب البحر المتوسط آملين في الوصول للفردوس الموعود، لكن نادراً ما كان يصل منهم من كتب الله له النجاة، وغرق الباقون أو اعتقلوا من حكومات عربية قمعية زجت بهم في سجونها قبل أن تعيدهم لسفاح الشام ليذبحهم ويتخلص من ضجيجهم.

اعتقدت حكومات أوروبا أن المشكلة انتهت، لكن الواقع كان مغايراً لذلك، فإذا بطوفان اللاجئين يغمر أوروبا من شرقها إلى غربها، بعدما نجح اللاجئون في فرض الأمر الواقع على أوروبا والعالم؛ فكانوا يصلون إلى اليونان ومنها إلى مقدونيا ثم صربيا سيراً على الأقدام تحت حر الصيف اللاهب أو برد الشتاء القارس، وسط قمع ووحشية غير مسبوقين من دول شرق أوروبا خاصة المجر، التي صرح رئيس وزرائها بأن بلاده لا تريد مسلمين على أراضيها.

لكن العنصرية الأوروبية لم تمنع قدر الله، وعبر المهاجرون إلى المجر وتفرقت بهم السبل تارة إلى صربيا ومنها إلى النمسا التي استقبلت عدداً لا بأس به من اللاجئين، ومنها إلى ألمانيا وهي الوجهة التي اختارها السواد الأعظم، وقد كانت حكومة أنجيلا ميركل عند حسن ظن الهاربين من جحيم الشرق الأوسط، وتعاملت بإنسانية معهم، واستقبلت منهم مليون ومائة ألف لاجئ منتقدة الصمت العربي تجاه مأساة إخوة لهم يشاركونهم اللغة والدين.

لكن الموقفين الألماني والنمساوي لم يتكررا، بل كان الرفض والعنصرية هما رد الفعل الأوروبي الأبرز؛ فقد رفضت حكومات بولندا وصربيا وبلغاريا استضافة أي لاجئ، بل والأسوأ من ذلك دخول المؤسسة الدينية على الخط؛ حيث رفض البطاركة الكاثوليك في بولندا ونظراؤهم الأرثوذكس تشويه هوية البلاد المسيحية، لكن التصرفات الفردية تجاه تلك الأزمة المستجدة دفعت رئاسة الاتحاد الأوروبي لوضع خطة لوقف الكارثة.

اتفق أعضاء الاتحاد الأوروبي في أحد اجتماعاتهم ببروكسل على توزيع اللاجئين على أعضاء الاتحاد بالتساوي، لكن دول غرب أوروبا الصناعية الثرية وتحديداً فرنسا وبريطانيا كان لهما رأي آخر، واستقبلت حكومتا البلدين أقل عدد من اللاجئين، بل وحتى تتنصل لندن من مسئولياتها في هذا الملف الشائك؛ انسحبت من الاتحاد الأوروبي تاركة الأزمة المزمنة لبروكسل تتعامل معها بالطريقة التي تحلو لها.

حقيقة الموقف الأوروبي من أزمة اللاجئين تتلخص في أمر واحد:

لا حاجة لنا ببشر من العالم الثالث يتسببون في تأخرنا ويتقاسمون مواردنا ويغيرون هويتنا الدينية.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى