سياسة و تاريخ

الاتجار بالبشر.. جريمة منظمة عابرة للحدود

مصطلح الجريمة المنظمة لازال غير واضح ومختلفا عليه، فهو يثير مشاكل عديدة منها ما يتعلق بمدلول المصطلح بذاته، فيرى فيه البعض أن له مدلولا شعبيا و ليس قانونيا، و المشكلة الأخرى تتمثل في عدم وجود مفهوم واضح للجريمة المنظمة يحظى بإجماع فقهي.

هذا كله راجع إلى اختلاف الأنظمة التي تنتمي كل منها إلى واقع سياسي و اقتصادي و اجتماعي معين، وبحسب الزاوية التي ينظر منها الباحث، ناهيك عن طبيعة الجريمة المنظمة وتعدد أنماطها، وأنماط السلوك الذي تتخذه الجماعات الإجرامية لتحقيق أهدافها، لذا أصبح من الصعوبة بمكان التصدي لهذا النمط الجديد من الإجرام المنظم، ما لم تحظ الجريمة المنظمة بتعريف جامع  مانع.

قد عرف البعض الجريمة المنظمة على أنها ” شكل من أشكال التجارة الاقتصادية بوسائل غير قانونية تنطوي على التهديد باستعمال القوة البدنية و الإكراه و الفساد  و الابتزاز، وغير ذلك من الأساليب التي تساعدها على تقديم الخدمات غير المشروعة “. [1]

ويلاحظ على هذا التعريف أنه ركز على النواحي الاقتصادية كهدف أساسي للجريمة المنظمة المتمثل في السعي وراء الربح المالي و المادي، دون التعرض للتنظيم و الاستمرارية وهما عنصران أساسيان في الجريمة المنظمة.

وهناك من يرى أن الجريمة المنظمة هي ” التي جاءت بها الحضارة المادية لكي تمكن الإنسان المجرم من تحقيق أهدافه الإجرامية بطريقة متقدمة بحيث لا يتمكن القانون من ملاحقته بفضل ما أحاط به نفسه من وسائل يخفي بها أغراضه الإجرامية، ولا بد لتحقيق هذه الغاية من تعاون مجموعة من المجرمين “. [2]

إن الأنشطة الإجرامية التي تمارسها الجماعات الإجرامية المنظمة غير محدودة أو محصورة في دائرة معينة، حيث أنه بحكم الظروف و الملابسات ودواعي الأنشطة الإجرامية و مقتضياتها، فإن تلك التنظيمات قادرة على ابتكار مجالات جديدة كل يوم لممارسة نشاطها. [3]

ومن أهم الأنشطة التي تمارسها الجماعات الإجرامية المنظمة، الاتجار بالأشخاص و  بالمخدرات و كذلك الاتجار بالأسلحة، و سوف نقتصر فقط على نموذج الاتجار بالأشخاص.

إن البدايات الأولى لظهور ظاهرة الاتجار بالبشر كانت تتمثل في تجارة العبيد وبالذات النساء، حيث كان يتم شراؤهن للعمل في المزارع وأعمال الخدمة المنزلية، وكانت تقام مزادات لبيع العبيد يتم فيها بيع الرجال والنساء الذين تخطفهم الجيوش الغازية. [4]

تطورت ظاهرة الاتجار بالبشر إلى أن أصبحت تمارس عبر عمليات البيع المباشر للمرأة من خلال العمل في  الدعارة، إضافة إلى أن التطور والتقدم العلمي والطبي أدى خلال القرن العشرين والحادي والعشرين إلى ازدهار عملية الاتجار في الأعضاء البشرية كالكلي والدم وغيرهما.

حاول البعض تغطية هذا الموضوع بالحديث عن مفهوم أوسع من الرق و العبودية، بحيث بدأ مصطلح الاتجار بالبشر يظهر، حيث ظهرت حقائق مروعة حول ما يعرف بالرقيق الأبيض من خلال شبكات واسعة للدعارة في أوروبا وأمريكا تستخدم النساء اللاتي تعانين من ظروف معيشية صعبة، من شرق أوروبا وروسيا وآسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط و إفريقيا ذاتها.

كما تفجرت في الوقت نفسه قضية الدعارة والإباحية والفجور الذي يقع ضحيته الأطفال في أوروبا وأمريكا والذي لا يتضمن فقط الدعارة بالمفهوم التجاري المعروف، ولكن يتضمن كذلك قيام الكبار من المسؤولين عن الأطفال في الكنائس والملاجئ والمدارس وغيرها بالاعتداء على الأطفال، مما تسبب في فضائح وتوترات وتصدع رهيب أثر في المجتمعات. [5]

يعتبر الاتجار بالبشر في المفهوم الشامل: “أي فعل أو تعامل يتم بمقتضاه نقل أي شخص أو مجموعة من الأشخاص سواء كان طفلا أو رجلا أو سيدة إلى أشخاص آخرين نظير مقابل، وذلك لاستغلالهم جنسيا بكافة الأنشطة الجنسية، أو استغلالهم تجاريا في بيع أعضائهم، واستغلالهم في البحوث العلمية، أو استغلالهم في الحروب كمرتزقة، أو استغلالهم في الأعمال القسرية في الصناعة أو الزراعة على نحو يعرض حياتهم للخطر، أو استغلالهم في الهجرة غير الشرعية والتسفير الوهمي، سواء تمت هذه الأفعال بمقابل أو من دون مقابل”. [6]

ومن صور الاتجار بالبشر نجد:

1- البغاء

هو من أهم و أخطر صور الاتجار بالبشر و الأكثر انتشارا في دول العالم، لما يحققه من ثروات ضخمة و خطورتها و تعمير السلعة المستخدمة لفترة طويلة مما يقلل من تكلفة الجريمة.

2- الاتجار في الأطفال

هو من صور الاتجار في البشر، ففضلا عن الأضرار بالبلد المصدر من الثروة البشرية، يمكن استغلاله في التجارة الجنسية، والعمالة الغير مكلفة، والعمالة الخطرة، و التجنيد في المناطق المسلحة، والجنس الإلكتروني دون اكتراث بآدميه الطفل أو الصبي.

تجارة الأعضاء البشرية

تحت وطأة الحاجة المالية، و تحت وطأة أساليب الاتجار في البشر، يمارس العاملون بتلك التجارة أحد أهم صورها التي تدر عليهم المال الوفير و هي تجارة الأعضاء البشرية التي تمارس بيسر و سهولة تحت وطأة القسر أو التهديد أو الحاجة المالية ” كالكلي، أو  القرنية، القلب، الكبد ..إلخ.

أما فيما يخص صور و مقومات الاتجار بالبشر فنجدها تتمثل في:

1- وجود السلعة محل الاتجار

أي الشخص الذي يباع و يشترى بالرضا للحاجة أو بالقسر أو بالاحتيال.

2- السمسار أو (الوسيط)

وهو العارض أو البائع للسلعة مع  إمكانية النقل لها إلى المشتري في الأماكن المحددة، و حتى نستطيع أن نطلق عليه هذا اللقب، يجب أن يمارس حرفته بطريق الاعتياد.

3- السوق

هو محل العرض للسلعة و المكان الذي تدور به عملية الاتجار ،سواء كانت ذات واقع مادي أو إلكتروني، أي  عن طريق شبكة الإنترنت.

4- المستقبل

هو الشخص أو الجماعة المستقبلة للشخص ( السلعة) المباعة أو المخطوفة، والذي يقوم به المالك بغيه استغلال تلك السلعة في السلوك الإجرامي، و تحقيق الأرباح المادية من جراء ذلك الاستغلال. [7]

لهذا يبقى هذا الموضوع غامضا وذو أبعاد كثيرة في مقارباته وتفسيراته، لكن ما يمكن أن نقوله هو أن الاتجار بالبشر جريمة كانت منظمة منظمة أم لا،  عابرة للحدود أم لا، نظرا للمقاربات والاتجاهات العديدة المفسرة لهذه الآفة التي تهدد حقوق الإنسان بل الإنسانية جمعاء.

  • المراجع المعتمدة : 

[1]  – د.سمير ناجي :”التعاون في مكافحة ومنع الجريمة المنظمة العابرة للحدود و غسيل الأموال المستمدة من الإجرام المنظم و تمويهها “، المركز العربي للدراسات الأمنية و التدريب ، القاهرة ، يوليو 1967 ص 4 ، نقلا عن  فائزة يونس باشا، “الجريمة المنظمة في ظل الاتفاقيات الدولية و القوانين الوطنية، دراسة مقارنة ” ، رسالة دكتوراه منشورة، دار النهضة العربية، القاهرة 2001  .

[2]  – د.محمد فاروق النبهان :” مكافحة الإجرام المنظم “، المركز العربي للدراسات الأمنية – الرياض، 1989  .

[3]  سناء خليل، “الجريمة المنظمة  الغير الوطنية، الجهود الدولية و مشكلات الملاحقة القضائية” ، المجلة الجنائية القومية، القاهرة، المجلد 39، العدد الثالث، 1996  .

[4]  محمد سامي الشوا، الجريمة المنظمة ومداها على الأنظمة العقابية “، دار النهضة العربية، القاهرة، بلا تاريخ .

[5]  محمد يحي، مقال تحت اسم “الرأسمالية و العولمة وظاهرة الاتجار بالبشر” ، وكالة الأخبار الإسلامية، انظر الموقع الإلكتروني http://islamicnews.net/Document/ShowDoc08.asp ، تمت مراجعته بتاريخ 19/11/2019.

[7]  محمد السطيحة المحامي، تحت عنوان “الاتجار بالبشر: صوره وأركانه وأساليبه وآثاره” ـ نشر في 27 ماي 2010 ـ على الموقع الالكتروني : http://kenanaonline.com، تمت مرجعته بتاريخ 19/11/2019.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق