سياسة و تاريخ

الاتجار بالبشر.. جريمة منظمة عابرة للحدود (2)

لقد كانت الجماعات البدائية الأولى عبارة عن تنظيم جماعي يهدف إلى حماية أفراد الجماعة من المخاطر الطبيعية و الإنسانية، لأن الإنسان بطبيعته كما يشعر بالخوف و الهلع، لذلك وجد نفسه مضطرا لتكوين الجماعة لمواجهة الأخطار التي تهدد وجوده.

كان هذا التنظيم قائما على التدرج الهرمي و الخضوع لسلطة رئاسية، وكانت تسود بين أفراد الجماعة الواحدة فكرة التضامن الإجرامي في مواجهة الجماعات الأخرى، وكل جماعة تشكل تنظيما مستقلا عن الجماعات الأخرى.

وكان الضمير السائد في هذه الجماعات يبيح العدوان على الجماعات الأخرى، خصوصا سيادة مبدأ الأخذ بالثأر لحسم النزاعات بين الجماعات المختلفة، ولابد من الإشارة هنا إلى أن الضمير الجماعي كان يبيح العدوان على الجماعات الأخرى، وذلك وفقا لقواعد و أصول محددة، وإن مثل هذا العدوان مشروع من وجهة نظر الجماعة المعتدية. [1]

نشير هنا إلى أن الجماعة الإنسانية الواحدة تستقل عن غيرها من الجماعات، بحيث يتقاسم أفرادها حياة واحدة من أصل واحد وتجمعهما لغة واحدة، ودين واحد، والنظام داخل الجماعة نظام هرمي، وكل جماعة تحكمها قواعد قانونية تستقل عن غيرها من الجماعات، وهذا ما ذهب إليه أنصار النظرية الاجتماعية لبيان أساس القانون بالاستناد إلى فكرة التضامن الاجتماعي، حيث تتخذ الروابط في الجماعة أحد المظهرين :

المظهر الأول: أن هذا الترابط أساسه وجود حوائج مشتركة ومتشابهة بين أعضاء الجماعة.

المظهر الثاني: أن هذه الحوائج مختلفة، ولكن لا سبيل لتوفير تلك الحوائج إلا من خلال المواهب و القدرات التي تختلف من فرد لآخر، وبالتالي يكمل الأفراد بعضهم بعضا وهو ما يطلق عليه التضامن بتقسيم العمل، وهذا التضامن بمظهريه يشكل دعامة للمجتمع و يكسبه قوة في مواجهة المجتمعات الأخرى. [2]

نلاحظ مما سبق أن العدوانية كانت هي السمة التي تحكم الصراعات بين الجماعات البدائية القديمة، وهي تنظيم أو مؤسسة، كل جماعة فيه كانت تمارس عدوانا منظما على غيرها من الجماعات، ولكن الضمير الجماعي السائد آنذاك كان لا يعتبر سلوك هذه الجماعات سلوكا إجراميا، وكان يبيح العدوان وفقا لأصول وقواعد محددة.

المقاربة الدولية للاتجار بالبشر واعتبارها جريمة منظمة 

نظرا لخطورة هذه الجرائم، فقد كانت محط اهتمام الأمم المتحدة من خلال إضافة برتوكول خاص بمكافحة ومنع تلك الجرائم باتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة المنعقدة في باليرمو سنة 2000، وجاء في ديباجته:

أن الدول الأطراف تقر بأن العمل الفعال لمنع و مكافحة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء و الأطفال، يقتضي من الدول المصدر و العبور و الوصول تصديا شاملا ودوليا يتضمن التدابير اللازمة لمنع هذه التجارة، ومعاقبة الجناة المشتغلين بها و حماية المجني عليهم، ولا سيما ضرورة تأكيد احترام حقوقهم الأساسية المعترف بها دوليا، مع الأخذ بعين الاعتبار الصكوك الدولية المختلفة التي تشتمل على قواعد وأحكام عملية لمكافحة استغلال الأشخاص، وبخاصة النساء و الأطفال.

إلا أنه لا توجد وثيقة عالمية تشمل كافة جوانب جرائم الاتجار في الأشخاص، وغياب مثل هذه الوثيقة يجعل الحماية التي تكفل للأشخاص الضعفاء الذين تنصب عليهم تلك الجرائم غير كافية.

هذا البرتوكول كما نصت المادة الأولى منه، يعد مكملا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة.

عرف البرتوكول في المادة الثالثة فقرة ( أ ) الاتجار بالأشخاص بأنه “تجنيد أو نقل إيواء أو استقبال الأشخاص عن طريق التهديد أو باستعمال القوة، أو أية صورة أخرى بالإكراه أو بالخطف أو الاحتيال أو الخداع أو إساءة استعمال السلطة أو حالة ضعف المجني عليه، أو تقديم أو قبول دفع أمور مالية أو مزايا للحصول على رضاء الشخص صاحب السلطة على غير المراد استغلاله، والاستغلال يشمل في حده الأدنى استغلال دعارة الغير و الأشكال الأخرى للاستغلال الجنسي، و العمل أو الخدمات الإجبارية، والاسترقاق أو الممارسات المشابهة له أو أخذ أعضاء جسم الإنسان”.

من خلال ما سبق نجد أن البرتوكول قد وسع من نطاق جريمة الاتجار بالأشخاص، وذلك لضبط هذه الجريمة بكافة صورها.

لهذا بينت الفقرة ( ب ) من المادة الثالثة أنه “لا يعتد برضاء المجني عليه في هذه الجريمة”.

كما بينت الفقرة ( ج ) من نفس المادة أن “تجنيد و نقل و إيواء و استقبال الطفل لاستغلاله يعد جريمة اتجار بالأشخاص، حتى وإن لم تستخدم فيه أية وسيلة من تلك المنصوص عليها في الفقرة ( أ ) من هذه المادة، ويقصد بالطفل كل من لم يتم الثامنة عشرة من عمره .

في المادة الخامسة من البرتوكول ألزمت الدول الأطراف اتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لتجريم الأفعال المنصوص عليها في المادة الثالثة منه، بما في ذلك الشروع في هذه الجرائم و المساهمة الجنائية فيها.

هذا وقد أضافت الأمم المتحدة إلى اتفاقية باليرمو لسنة 2000 المتعلقة بمكافحة الجريمة المنظمة برتوكولا آخر يتعلق بمكافحة تهريب المهاجرين بطرق غير مشروعة، سواء أكان ذلك برا أو بحرا أو جوا.

إلى جانب هذه المقاربات نجد أن مجموعة من الدول العربية ومن بينها المغرب الذي صادق على الاتفاقية الدولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية.(3)

أصبحت جريمة الاتجار بالبشر باعتبارها من أبرز صور الجريمة المنظمة، أحد الأخطار التي تهدد الأمن القومي و معه الأمن الإقليمي و الدولي، وذلك بسبب ما يترتب عليها من أعمال تفضي إلى ضعف مؤسسات الدولة، فضلا عما تسببه من فقدان الثقة في العملية الديمقراطية لتأثيرها على أصحاب النفوذ السياسي.

  • المراجع المعتمدة: 

[1]  – د.حسن عبد الحميد : “التطور التاريخي لظاهرة الإجرام المنظم “، دار النهضة العربية بلا طبعة، القاهرة ، 1999.

[2]  – د. محمد عبد الله العريمي : بحث بعنوان “أساس القانون “، مجلة الاقتصاد و القانون، السنة الثانية، العدد الثالث، مصر 1987  .

(3) – اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة المنعقدة في باليرمو سنة 2000.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

منى دلوح

منى دلوح طالبة باحثة في سلك الدكتوراه في القانون العام بجامعة عبد المالك السعد -طنجة ، حاصلة على دبلوم الماستر في حقوق الانسان، موازاة مع مساري الدراسي فأنا ناشطة في العديد من الجمعيات منها مركز ليكسوس للدراسات القانونية والسوسيولوجيا، متطوعة بشبكة حقوق الانسان بمعهد بروميثيوس للديقراطية وحقوق الانسان، رائدة بالفضاء المدني... كذلك مشاركة في برامج تدريبية وتكوينية سواء على المستوى الوطني وكذا الدولي من بينها أكاديمية المجتمع المدني، منتدى شباب العالم في مصر، سفراء نوابك...

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق