سياسة وتاريخ

الابتزاز حتى آخر قطرة

بعد فترة من الصمت اعتقد خلالها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن جريمته قد دفنت خلالها وطواها النسيان، عادت قضية اغتيال الصحفي المغدور جمال خاشقجي لتطل برأسها وتقض مضجع حاكم السعودية الفعلي وتربك حساباته.

فقد طالب نائبان ديموقراطيان إدارة ترامب بالكشف عن تسجيل الثلاثين ثانية الذي استمعت إليه مديرة المخابرات الأمريكية جين هاسبل خلال تواجدها في تركيا بعد الجريمة مباشرة، وهذا التسريب يدين بشكل لا لبس فيه ولي العهد السعودي.

وعلى نفس نهج الحزب، سار المرشحان الديمقراطيان لرئاسيات 2020 جوزيف بايدن وبيرني ساندرز، فقد تعهد بايدن خلال إحدى جولاته الانتخابية بمعاقبة السعودية على جريمة خاشقجي، فيما اتهم ساندرز العائلة الحاكمة بارتكاب الجريمة ومحاولة طمس أدلتها.

ولم تكن تلك هي المرة الأولى التي يضغط فيها الديمقراطيون على الإدارة الجمهورية الحاكمة لمعاقبة المسئول الحقيقي عن جريمة قتل الصحفي السعودي المرموق، فقد سبق وطالبت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي أواخر العام الماضي ترامب بالكشف عن الجاني الحقيقي، وعدم الاكتفاء بنتائج التحقيقات السعودية.

وزاد من حرج موقف ترامب وأركان حكمه مطالبة واشنطن بوست التي عمل فيها خاشقجي قبل اغتياله ومالكها جيف بيزوس بمحاكمة المتورطين فعلياً في قتل خاشقجي بتلك الطريقة البربرية، لكن صمت القبور كان هو الرد الذي أجاب به ترامب على كل من طالب أخيراً برفع الحماية عن القاتل الحقيقي الذي تحميه إدارة ترامب، ومحاسبته حتى لا تتكرر فظائعه في بقعة أخرى من العالم.

لكن منطق المصالح الاقتصادية والشخصية لدونالد ترامب والمقربون منه في إدارته انتصر كالعادة على منطق العدالة، فلا يترك ترامب فرصة للحديث عما يجنيه من الأموال السعودية عبر الملك سلمان وولي عهده إلا وذكرها، ليذكر الأمريكيين بكم الأموال الهائلة التي ما كانت لتتدفق على خزائنهم لولاه.

ينظر ترامب كذلك للسعودية على أنها بقرة وفيرة الحليب كما ذكر هو بنفسه قبل عقود أو خلال حملته الانتخابية، ولن يخاطر بذبح هذه البقرة ما دام ضرعها أو بالأحرى أموالها وفيرة؛ فبالتالي هو أحق بالاستيلاء عليها على أسوأ الفروض لما يقدمه من حماية للعرش السعودي، بعيداً عن صفقات الأسلحة الدفاعية عديمة القيمة التي تملأ مخازن آل سعود.

وقبل كل ذلك يرى ترامب في قضية خاشقجي ورقة ابتزاز ممتازة لمحمد بن سلمان على وجه التحديد؛ لتأكده أنها ما تمت إلا تنفيذاً لأوامره، خاصة مع رفض الكونجرس لزيارة ملك السعودية القادم، ومهاجمة الصحافة له، ومظاهرات النشطاء المعارضين لنظامه في أمريكا ضده، ولذا قبل أن يقوم بأي زيارة لبلاد العم سام مستقبلاً عليه أن يدفع.

يدرك ترامب أيضاً أن إثارة الديمقراطيين للجدل حول قضية خاشقجي ليست خالصة النوايا من أجل العدالة، فتوقيت الخوض فيها تزامن مع موسم الانتخابات الذي يحتاج فيه الديمقراطيون لتشويه صورة ترامب وفضحه على رؤوس الأشهاد؛ ليتمكن مرشحهم من الحلول محله، لذا كان الصمت من ذهب لإفشال محاولات الديمقراطيين في مهدها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق