ثقافة وفنون

الإيمائية .. و نشأة وتطور اللغة (1)

نشأة وتطور اللغة .. تقول القصة الواردة في سفر التكوين أن البشر اجتمعوا في بابل ليبنوا برجًا شاهقًا يطلعون فيه إلى السماء. لكن الرب “بلبل” ألسنهم (أي فرقها) وحطم البرج، وقضى بأن يتفرق الناس فيتحدث كل منهم بلسان .. الإيمائية .. خاص في أصقاع الأرض.
إن اللغات المختلفة تعني ثقافات متباينة. وفي هذا دلالة ضمنية على أن الرب لا يريد للناس أن يتوحدوا، وهذا ما يعمل الناس جاهدين لتنفيذه مذ ذاك الحين.
عمومًا، رغم كل المآخذ على هذه القصة، فإن لها طابعًا إبداعيًا. إننا نوع يفخر بأنه ثرثار، كيف لنا أن نبتدع قصصًا وخرافات دون الاستناد إلى أي شيء ملموس مباشر؟ لطالما نسبت هذه القدرة العجيبة إلى منحة إلهية. فنجد أن الله أعطى الإنسان قدرة على الكلام وتسمية الأشياء بمسمياتها قبل أي شيء آخر، حتى قبل خلق حواء: (وعلم آدم الأسماء كلها..). (القرآن، البقرة 31).
لكن في العلم لا شيء يهبط من السماء، بإستثناء الشهب والنيازك والأمطار، ولا بد لكل شيء أن يتطور أو ينبثق في سيرورة معينة.
وإن لم تكن اللغة قد هبطت من السماء، فكيف نشأت؟ ينبغي العودة في الزمن إلى ما قبل الرئيسيات. فاللغة تنشأ عن الإيماءات، وليس النداءات الصوتية (التي من المحتمل أنها لعبت دورًا لاحقًا). لقد اطلعت على هذا الرأي لأول مرة في كتاب كارل ساغان “تنانين عدن”، فقد كتب يقول:
“وجدت بعض أشكال لغة الرموز الإيمائية قبل فئة الرئيسيات وكثير من الثديات الأخرى التي تشكل فئة حاكمة ومسيطرة، ونذكر منها مثلا الإيماءة الدالة على الخضوع إذ يحول الحيوان عينيه إلى الطرف الآخر أو يدير رقبته.. وقد تكون التحية البشرية من نوع الانحناء أو الإيماءة بالرأس ذات منشأ مشابه.
استخدمت الرموز الإيمائية في مجتمعات الصيد على نطاق واسع. ويمكن أن نتصور أن اللغات الرمزية تكمل أو يستعاض عنها تدريجيًا بلغات محكية، تكون في البدء نوعًا من محاكاة الأصوات”. وبالفعل فالأطفال يدعون الطيور “كوكو” والكلب “عو”. وفي كل لغات العالم نجد أن كلمة “ماما” أو “أم” هي الصوت الذي يخرج من فم الطفل عفويًا أثناء الرضاعة من ثدي أمه.
لقد قال داروين: “إن لغات الرموز لا يمكن أن تستخدم على نحو مجد إذا كانت أيدينا مشغولة بشيء آخر، أو حين تعاق رؤيتنا للأيدي”. وهذا تصريح منه بأن اللغة ذات منشأ إشاري.
لقد بدأ عدد المؤلفين المؤيدين لهذه النظرية “الإيمائية” يزداد، والمعطيات التي وفرها علم الأحافير وعلم الأعصاب على مدى العقود الفائتة عزز فهمنا لتطور اللغة، وأضافت البيولوجيا الجزيئية ملامح جديدة. ورغم ما تكدس لدينا من معارف، فإن الآراء إلى الآن لم تتفق فيما بينها حول كيفية نشأة اللغة والقواعد العامة التي تحكمها، وهذا شيء طبيعي إذا ما علمنا أن حدود اللغة تتداخل مع الحدود الغامضة للوعي البشري، الذي هو أعقد مسائل العلم غير المحلولة.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق