سياسة وتاريخ

الإيديولوجية الدينية لقيام الدولة السعدية ومراحل التوسع

إن أساس قيام الدول عبر العصور لابد له من دوافع دينية تستخدم لترسيخ الحكم وتقوية النفوذ، وقد نصطلح على هذه العملية بالإيديولوجية الدينية التي يستخدمها السياسي لإعطاء نوع من المشروعية لدولته، أو لمشروعه السياسي، وقد عرفت هذه الإيديولوجية سيرورة رافقت حياة السياسين منذ القديم وإلى اليوم.

لذلك فإن الدولة السعدية قامت على أساس ديني سياسي صرف، خرجت من الزاوية الشاذلية وتوسعت بدوافع دينية في باقي ربوع البلاد ودول عديدة بأفريقيا، بحيث أن أكثر ما يجمع الإنسان حول فكرة ما، أن يضعها صاحبها في قالب ديني جاهز، ويعطي لها أدلةً وحججًا تؤكدها، فيصدقها الأتباع والموريدون، وتبدأ في الانتشار فيصدقها الجميع، وهذا ما فعلته الدولة السعدية في بداية حكمها من أجل إخماد نيران الاضطرابات والثورات الداخلية.

ومن هذا المنطلق الديني بدأت الدولة السعدية في استمداد مشروعيتها، وخاصة أن الفقهاء والأتباع رسخوا لدى العامة فكرة الشرف الذي يمتاز به السعديون، وأن نسبهم يعود إلى بلاد الحجاز، إنهم ينتسبون إلى علي بن أبي طالب رضي الله، ومنه فإنهم من آل البيت الشريف، فهم أشراف وهم الأحق بتولي الحكم من بني وطاس، هذه الدولة الوطاسية التي فشلت كلياً في ضم المغرب في وحدة سياسية متماسكة، والقضاء على دحر الغزو الإيبيري الصليبي من السواحل المغربية.

ومن هذا المنطلق اقتنع الناس بشرف نسبهم حتى يبرروا أن لقيام دولتهم أساساً دينياً، وأنهم ليسوا مجرد مغتصبين خلفوا مغتصبين آخرين، حيث تم توحيد صف المقاومة الشعبية بدوافع دينية بمباركة من الفقهاء والزوايا، وبدأ التحضير لاسترجاع الثغور المغربية من البرتغاليين تحت راية الجهاد في سبيل الله، ومع شرفاء آل البيت، فالأشراف كانت لهم في نفوس المغاربة مكانة عظيمة، فكانوا في نظر كثير من العامة أحق الناس بتولي الملك، فقد كان الخطر الأجنبي على البلاد قد تفاقم، حتى لم يعد للمقاومة الشعبية فائدة تذكر إذا لم تبادر دولة قوية محكمة الجهاز إلى تبنيها وتنسيقها.

وحتى إذا جمعت الدولة السعدية جيشاً جراراً كبيراً تحت قيادة حكيمة، بادرت هذه الدولة إلى القيام بالجهاد وتحرير الثغور المحتلة وتوحيدهم للبلاد، فقد شكلت سنة 1511م انطلاقة الجهاد ومواجهة الغزاة البرتغاليين المتواجدين على السواحل المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، بداية المواجهة العسكرية مع البرتغاليين في الجنوب، حيث كان الغزو البرتغالي حديث العهد من جهة، ومن جهة أخرى أن هذه المنطقة تشكل القلب النابض للسعديين ومنطلقهم، وشعبيتهم الكبيرة بها.

فالدعوة السعدية منذ البداية انطلقت من هذه المنطقة، واستجاب لها سكان المناطق الجنوبية المتضررة من البرتغاليين، وتشكلت من قبائل تافيلالت إلى سوس مرورًا عبر نهر درعه وما جاوره، وكل هذه القبائل كان هدفها الأول التطلع إلى فك الحصار المفروض على التجارة الصحراوية، وتحرير الطرق البحرية، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع البرتغاليين.

فقد استهدفت الحملات السعدية الأولى عزل الثغور المحتلة جنوبًا تمهيدًا لتحريرها، فقاد محمد القائم بالله هجومات على مناطق حاحا والشياضمة، حيث تم دحر الغزاة وتحرير هذه المناطق الساحلية المغربية، ثم توجه السعديون شمالًا ووسط البلاد، بمناطق أزمور ومازيغن (البريجة) لإنهاك التواجد البرتغالي الذي كان قد تغلغل في المنطقة، وقد شجعهم على ذلك استرجاع سانتاكروز سنة 1546م، الذي كان له أثر بالغ على الوجود البرتغالي.

لم يكن سهلاً في ظل الأوضاع الداخلية والخارجية التي تمر بها البلاد في ترسيخ الحكم بشكل شمولي بمناطق المغرب، ولذلك نجد أن السعديين مارسوا نوعًا من السياسة الذكية؛ والمتمثلة في المهادنة حتى التمكن من بسط نفوذهم، الذي بدأ تدريجيًا على مجموع التراب المغربي وعبر ثلاث مراحل، سنتطرق إليها بكل تفصيل:

– المرحلة الأولى (1511م- 1525م): خلال هذه المرحلة لم يبد السعديون أي نوايا تجاه القضاء على الدولة الوطاسية، فقد أظهر السعديون دهاءاً سياسياً، وذلك عن طريق الحفاظ على ولائهم للوطاسيين لما يخدم مشروعهم التوسعي ويجنبهم خوض معارك تكلفهم الكثير من الخسائر، وتقضي على أحلامهم التوسعية، إلى أن وطدوا نفوذهم في الجنوب المغربي، ووضعوا أسس الدولة الجديدة، واسترجعوا الطرق التجارية الشرقية التي أعادت الحياة للبلاد بالجنوب، وأعطت دعماً كبيرًا لمشروع السعديين لمواصلة ضم باقي المناطق.

– المرحلة الثانية (1525م- 1536م): هذه المرحلة التي تقوى فيها السعديون بالشكل الذي يتيح لهم مواجهة الخصوم، فكانت المواجهة مع الوطاسيين الذين حاولوا أكثر من مرة القضاء على القوة الجديدة المنافسة لهم، لكنهم فشلوا في ذلك بعد معارك عديدة كانت محسومة لصالح السعديين منذ البداية، فدخل الجيش السعدي مدينة مراكش سنة1521م، أحد أبرز المراكز للدولة المغربية عبر العصور، حيث شن الوطاسيون الحرب على السعديين في معركة أنماري سنة 1529م، ثم معركة مشرع بو عقبة على وادي العبيد سنة 1536م، وكلها معارك عرفت هزيمة الوطاسيين، ونتج عن ذلك عقد صلح بو عقبة على وادي العبيد سنة 1536م، والذي اعترف بالدولة السعدية كقوة بالبلاد يمتد نفوذها حتى جنوب أم الربيع.

– المرحلة الثالثة (1538م- 1549م): حتى وإن عقد الصلح بين الفريقين، إلا أن رغبة الدولة الوطاسية في القضاء على السعديين كانت أهم شيء يجهزون أنفسهم له، هذه المحاولة للوطاسيين من أجل استرجاع مراكش سنة 1538م باءت بالفشل، وكبدتهم الشيء على مستوى العدة والعتاد، حيث سيهزمون ويتراجعون حتى مناطق تادلا شمالاً وتافيلالت شرقاً.

خلال هذه المرحلة ستتغير القيادة وتزداد الأطماع ويزداد النفوذ مع السلطان محمد الشيخ السعدي، الذي تمكن من تنحية أخيه أحمد الأعرج، حيث واصلت الدولة السعدية ضغطها على المناطق الشمالية إلى أن تمكنوا من ضم مكناس وفاس سنة 1549م، ثم باقي المدن والشواطئ، وبذلك وحدوا البلاد تحت سلطتهم، وسقطت بذلك الدولة الوطاسية.

الهوامش:
  • قراءة في كتاب أبو العباس بن خالد الناصري، كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء الثالث، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، 2001.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق