سياسة و تاريخ

“الإيباك” صانعة الرؤساء ومهلكتهم

في إصرار وتحد يحسد عليهما بيرني ساندرز، رفض مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة بيرني ساندرز حضور مؤتمر الإيباك السنوي الذي انعقد في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، والإيباك هو اختصار اسم لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية، وهي أقوى جماعات الضغط الموالية للدولة العبرية في الولايات المتحدة.

ورغم يهودية ساندرز، إلا أن الرجل ذا التسعة والسبعين عاماً دائم الهجوم على الطفل الإسرائيلي المدلل، ومنتقداً سياساته العنصرية ضد الفلسطينيين، خاصة وفي الشرق الأوسط عامة، وليس هناك قبول بينه وبين اللوبي الصهيوني في أمريكا.

ولمن لا يعرف الإيباك أو معلوماته قليلة عنها، فقد تأسست هذه المنظمة الصهيونية عام 1951 في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور باسم اللجنة الصهيونية الأمريكية للشئون العامة على يد الأمريكي اليهودي إيسايا ليو كينن؛ لتكون الذراع الإسرائيلية الأولى في بلاد العم سام، ويمكنها توجيه المرشح الأمريكي لرئاسة القوة العظمى الأولى في العالم، بما يحقق المصالح الصهيونية ليس في المنطقة العربية وحسب، بل في العالم بأسره،ثم تغير الاسم لاحقاً للاسم الحالي.

كان تأثير تلك المنظمة على السياسة الأمريكية محدوداً خلال فترتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وينحصر في زيادة الدعم المالي المقدم لإسرائيل سنوياً هذا في العلن، لكن في الخفاء كانت تلك المنظمة نشطة جداً في التخلص من كل تهديد قد يحيق بإسرائيل، فخططت عام 1963 للتخلص من الرئيس الأمريكي وقتها جون كينيدي بالتنسيق مع نائب الرئيس ليندون جونسون ورئيس مكتب التحقيقات الاتحادي جون إدجار هوفر، بعدما أخضع كينيدي مفاعل ديمونة الإسرائيلي للتفتيش من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستخدم الشاب الأمريكي اليهودي لي هارفي أوزوالد كأداة لتنفيذ الجريمة قبل أن يقتل لاحقاً على أيدي مجهولين.

تمكن المقربون من إيباك من تكوين شبكة إعلامية ومالية لدعم المرشحين الطامعين في أصوات اليهود الذين يصوتون تقليدياً للحزب الديمقراطي، ونشطت الإيباك خلال عقد السبعينيات مستغلة صعود المسيحيين الإنجيليين المؤيدين لإسرائيل على الساحة السياسية الأمريكية، خاصة مع وجود كتلة تصويتية هامة لليهود في كثير من الولايات الأمريكية.

خطب الإنجيليون وِد الإيباك لضمان فوز مرشحهم جيمي كارتر بالرئاسة ضد المرشح والرئيس الجمهوري وقتها جيرالد فورد، لكن بعدما نكث كارتر بوعوده في محاربة الاتحاد السوفيتي حليف العرب جيران الكيان الصهيوني، وحل محله يميني متعصب عقائدياً لإسرائيل هو رونالد ريجان، والذي تمكنت الإيباك في عهده من تطويع الكونجرس الأمريكي ليستصدر قرارات تخدم مصالح تل أبيب، ولو كانت تلك القرارات ضد المصلحة الأمريكية.

ومن وقت ريجان بات واجباً على كل مرشح أمريكي حضور اجتماعت الإيباك السنوية لضمان دخول البيت الأبيض تارة، وضمان الحصول على فترة رئاسية جديدة تارة أخرى، وليس أدل على ذلك من الوعود التي تبارى دونالد ترامب وهيلاري كلينتون في إطلاقها في الانتخابات الماضية لضمان الوصول إلى المكتب البيضاوي، ومن يجزل الوعود أكثر يقترب من البيت الأبيض خطوات.

لكن كما تصنع إيباك الرئيس فبإمكانها إنهاؤهم أو وضعهم في مواقف حرجة تهدد بقاءهم في سدة الحكم، تماماً كما حدث مع بيل كلينتون عام 1998، عندما نسقت الإيباك مع حكومة نتانياهو لإيقاف بيل كلينتون عند حده، وفجرا فضيحته الأخلاقية مع مونيكا لوينسكي، أو كما تسببت من خلال دعمها للمرشحين الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر 2014 من خسارة الديمقراطيين لأغلبيتهم في الكونجرس عقاباً لباراك أوباما على رفضه نهج نتانياهو المتشدد ضد إيران، وتوجيه ضربة عسكرية لنظام الملالي.

يعلم ساندرز المشتاق لعودة حزبه للرئاسة هذه الحقائق، لكنه لا يزال يعاند النفوذ الصهيوني في بلاده، فهل يعدل موقفه ليصل للرئاسة؟ أم سيكتفي بشرف المحاولة ويذهب ضحية مبادئه في عالم طغت فيه المصالح وصارت المبادئ شعارات طنانة يتاجر بها؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق