مدونات

الإنسان والاختيار؟! التعليم أنموذجا

مما لاشك فيه أن الإنسان، جنس الإنسان، جُبل على الاختيار؛ فالاختيار جزء كامن أصيل في كل نفس بشرية. وقد ورد في القرآن الكريم أن الله عز وجل عرض الأمانة على الإنسان: “إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ [الأحزاب:72]”. ورغم أن الأمانة في هذا السياق تعني التكاليف الشرعية، على تفسير كثير من أهل التأويل، إلا أن الشاهد هو اختيار الإنسان كجنس لحمل هذه الأمانة؛ بما فيه من حمل للمسئولية، وإرادة، ومشقة احتمال تبعات ذلك الاختيار!

وما أجتهد لعرضه في هذا السياق، هو أننا كبشر معرضون في حياتنا للعديد من الاختيارات، كأي طريق نسلك في هذه الحياة. ومن قبيل الاختيار، تحديد نوع، وكفاءة التعليم الذي يسعى كل منا للحصول عليه! فإن شئنا أم أبينا فإن أفعالنا مبنية على اختيارات هي التي تحدد مسارنا في هذه الدنيا ومابعدها؛ لذا، لابد أن أن يعطي كل منا يوميا قدرا من الوقت لهذه القضية الهامة، قضية الاختيار!؟؟

ورغم أن واقع التعليم في بلداننا يشي بأن كثيرٌ من الطلاب في الجامعة، ينظرون إلى التعليم على أنه شر لابد منه، أي أنه يذهب إلى الجامعة ويدخل إلى الامتحانات لأنها مرحلة يجب أن يمر بها في حياته، ولكن دون طائل يرجى من ورائها! وتحديداً لأنه لا يرجو عملاً يؤهله إليه  تعليمه الجامعي؛ وربما كان ذلك صحيح كواقع بيننا!

غير أن هناك زاوية أخرى يمكن لكل طالب أن ينظر من خلالها لهذا الواقع؛ وهي أن وجوده في الجامعة مبني على اختيار منه؛ حتى وإن كان مدفوعاً إليه بفعل الثقافة السائدة ورغبات الوالدين! ففي النهاية اختيارك كيف تسير في هذا التعليم، مكفول لك! وهناك أمثلة كثيرة لإرادة الاختيار وما آلت إليه بأصحابها من تطوير للذات! ولعله ليس خفيا تجربة العالم الراحل الدكتور أحمد زويل؛ وواضع نظرية النسبية ألبرت آينشتين، على اختلاف التجربتين!

يحكي العالم الراحل دكتور أحمد زويل عن تجربته الشخصية قبل السفر إلى أميريكا، وعن معاناته مع البيروقراطية الحكومية، متمثلة في أحد جوانبها في جواب ال unknown letter أو خطاب لمجهول أو “الجواب المجهول”! الشاهد في هذا الجانب هو اختيار دكتور أحمد زويل ومثابرته لمواجهة هذه الصعوبات، وكانت النتيجة النهائية هو نجاحه في هذه التجربة، وسفره للولايات المتحدة، ووصوله بعد ذلك لما وصل إليه! ومن كلماته: “لو اشتغلت بجِد {hard} وأخدت نوبل رئيس الجامعة بقى ينزل لك” #تأمل!!

ألبرت آينشتين عالم الفيزياء الشهير، مكتشف وواضع نظرية النسبية، لم تكن حياته التعليمية، أو المهنية، أو حتى العلمية تسير وفق مبدأ النجاح المتواصل؛ الذي قد يظنه الكثيرين! غير أن ما وصل إليه هذا العالم، في ظل معاناته المتواصلة، يدعوا أيضا #للتأمل!!

والرابط بين هاتين التجربتين: هو إرادة كل منهما، واختياره عدم الاستسلام للواقع المحبط الذي كان يعيشه! وسلاحهما في ذلك كان هو التعليم! وما يجب أن يضعه كل راغب منا في النجاح نصب عينيه؛ هو الثقة في أن جزاء الصبر والمثابرة هو ولاشك النجاح وبلوغ كل مرغوب!

والشاهد هو أن كل طالب، حتى وإن كانت الظروف المحيطة به محبطة، وغير مواتية؛ فإن اختياره مواجهة ذلك الواقع، بإرادة تسعى لتغييره؛ هو طريق النجاح وسط الأشواك؛ ولعل التعليم بيئة خصبة لتحقق هذه المعادلة!

وأخيرا ليس الهدف من هذا المقال هو إثارة قضية تسيير الإنسان أم تخييره؛ ولا هو  إبعادُ المسئولية عن الحكومات في نهضة التعليم؛ خاصة مع وجود التجربتين الماليزية، والصينية، كنماذج حية على دور الأنظمة الحاكمة في النهضة ببلدانها. ولكن الهدف هو محاولة زرع روح التفاؤل بين أبناء الجيل الحالي، خاصة من طلاب الجامعة، الذين يعيشون أزمة غياب دور التعليم في نهضة بلدانهم؛ فضلا عن دوره في تأهيلهم كأفراد لأسواق العمل؛ وذلك من خلال طرح قضية المسئولية {أو الإرادة} والاختيار، كدعامات للتطور الفردي!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

د/ إسلام عبد القادر

دكتوراه في الإعلام والاتصال من المملكة المتحدة؛ باحث في ذات المجال.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى