ثقافة وفنون

الإنسان ذو البعد الواحد: هل نعيش في هذا العصر وهم الحرية؟

     ثقافة البعد الواحد أخذت في التوغل بين العقول والتطور حتى أقنعت الشخص العادي أن المجد في أن تكون ترسًا فقط، إنسان ذو بعد واحد لا قيمة حقيقية له، أتقن شيء معين يا صديقي وابرع فيه، ضع دواوينك الشعرية وكتبك الفلسفية المعقدة جانبًا، فالفلسفة لا قيمة لها مثل الأدب والتاريخ تمامًا، ولا تظهر رأيًا مختلفًا مركبًا، ولا تفكر تفكيرًا نقديًا فتظهر بمظهر المغرور أو المحنك التي تحولت من إطراء لإهانة، الآن يجب أن تكون أفكارك رخوة، ففي عالم الأوراق الخضراء و الأرقام لا قيمة لعقلك هذا.    

” المجتمع المعاصر يتسم بالانغلاق والهيمنة على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي، حيث يُحول الإنسان فيه إلى إنسان ذو بعدٍ واحد؛ بمعنى أنه لا يُسمح له أبدًا بالتطلع إلى التغيير، بحيث يندمج كُلياً في مجتمعه ويتكيف كُليًا مع ما هو قائم ولا يتطلع إلى ما وراء ذلك “

هربرت ماركيز

أبيض أم أسود ؟

     تقوم الحضارة لجعل الإنسان ذا أبعاد مختلفة ورأي مركب، الأمر الذي تتم ملاحقته الآن ووصم صاحبه بالتلون و التناقض، فتجد الآن أن الناس يبحثون عن الرأي المتطرف سواء يمين أو يسار، مع أو ضد، ابيض أو اسود حتى يفهم العقل الأحادي البعد الرأي ذو الأبعاد المختلفة . ربما تسأل نفسك الآن يا صديقي عن سبب تفشي العقول الأحادية البعد في العالم كوباء الرقم تسعة عشر اللعين، دعني أحاول التفسير.

     يبدو أن الموضوع يبدأ مبكرًا من المراحل الدراسية المعتمدة على الاجابة النموذجية وتقديسها تقديسًا، و لا تهتم بالنظرة النقدية إطلاقًا، فالتاريخ مثلا في مناهجنا امتلأ إما بنماذج ملائكية لشخصيات أو نماذج شيطانية لشخصيات، وأيضًا في الإعلام و الأعمال السينمائية نفس الفكرة، فتجد في السينما الشرير العاشق للشر ويريد تدمير كل شيء، ثم يأتي البطل الطيب الشجاع وينقذ العالم و الفتاة الحسناء في آخر لحظة. الواقع يقول أنه لاوجود لهذا النوع من الشر والخير في عالمنا، من تراه أنت شريرًا هو البطل في قصته، فالواقع المليء بملايين الدرجات من الرمادي لن تجد فيه الشيطان أو الملاك الذين تبحث عنهما.

الإنسان ذو البعد الواحد

      يرى هربرت ماركيز في كتابه المهم الإنسان ذو البعد الواحد أن المجتمع الصناعي المتقدم هو برمته مجتمع لا عقلاني، و تطور إنتاجيته لم يؤدي بالضرورة إلى تطور الحاجات والمواهب الإنسانية تطورًا حرًا، وزادت قوة هذا المجتمع الصناعي الرأسمالي والاشتراكي على حد سواء –هذا بالرغم أن ماركيز يعد ماركسيًا- وسار المجتمع الحديث قدمًا في تحقيق التلاحم الإجتماعي والفكري واستبعاد كل شكل من أشكال التناقض والتجاوز ، ومن هنا كان هذا المجتمع مجتمعًا أحادي البعد، مجتمعًا يحيلك بإستمرار إلى ذاته ويجرد من المعنى كل محاولة لمعارضته بل نفيه وهدمه ما دام يلبي حاجات الناس، ويرفع مستوى حياتهم باستمرار ، هذه الإحتياجات المصطنعة اصطناعًا، ومفروضة فرضًا، حاجات وهمية من صنع الدعاية والإعلان ووسائل التواصل الإجتماعي، وهم أن السعادة في الاستهلاك، وإذا كان هذا المجتمع يحرص على تلبية هذه الحاجات المصطنعة، فليس لأنها شرط استمراره ونمو إنتاجيته فحسب ، بل أيضا لأنها خير وسيلة لخلق الانسان ذي البعد الواحد القابل و راضي تمام الرضا بالمجتمع ذي البعد الواحد ومتكيف معه، وما الإنسان ذو البعد الواحد إلا ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، وإذا كان هذا الإنسان يتوهم بأنه حر لمجرد انه يستطيع الاختيار بين تشكيلة ضخمة من البضائع والخدمات التي يكلفها له المجتمع لتلبية حاجاته المزيفة، فما أشبهه بالعبد الذي يتوهم أنه حر لمجرد أنه منحت له حرية اختيار سادته.

نرى الآن مثلًا في الولايات المتحدة الأمريكية – التي تعد عاصمة الحرية في العالم – حصر المواطن الأمريكي بين خيارين لتمثيله وحكمه، أما الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري ، فأصبح المواطن في النظام الجديد كما قال ماركيز أشبه بعبد توهم بالحرية لأنه حر في إختيار سادته ، عبد غارق في الجهل المركب حتى أذنيه.

نظرة رمادية نقدية لماركيز 

    كان جهد ماركيز الأكبر في مجال النظرية الاجتماعية متجهًا إلى تفنيد الفكرة الرئيسية في النظرية الماركسية، وهي فكرة التناقض بين الطبقتين البورجوازية والعمالية ، فالمجتمع الصناعي المتقدم أصبح في نظره  ذا بعد واحد ، وأصبحت الطبقات القادرة على المعارضة جزءًا من النظام القائم. ففي مثل هذا المجتمع إذن يسود نوع من «التجانس»، مضاد تمامًا «للتناقض» الذي قال به ماركس، وهذا هو الواقع الجديد الذي طرأ على المجتمع «المجتمع الصناعي المتقدم» — يستوي في ذلك الرأسمالي منه والاشتراكي، المشكلة في نظره هي أن الجهاز المعقد الشامل، الذي يسود المجتمعات الحديثة المتقدمة، أيًّا كان النظام الاجتماعي السائد فيها، هو الذي يؤدي إلى تسطيح الإنسان الحديث وجعله ذا بُعد واحد. هذا النوع من التعميم الشديد يؤدي إلى تمييع المواقف، وعدم تحديد المسئوليات، بل إن ربط الاستبداد «بالجهاز الشامل» الذي يضم الجميع، معناه التستر على الدور الخاص الذي تلعبه أقلية مستبدة تتحكم في هذا الجهاز وتكسبه اتجاهه الاستبدادي المميز حرصًا منها على مصالحها الخاصة.

هل خدم ماركيز الرأسمالية بنقدها؟

     موقف ماركيز هذا يؤدي إلى نتيجتين: الأولى أنه لا يميز، داخل النظام الرأسمالي بين الأقلية ذات المصالح الجشعة والأغلبية التي تستبد بها تلك الأقلية دون أن تكون واعية بأنها منقادة لخدمة مصالح غيرها ، والثانية أنه لا يفرق بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي من حيث مسؤوليتهما عن الاستبداد بالإنسان .

ولقد كان ماركيز في حديثه عن المجتمع الرأسمالي يفترض دائمًا وجود الرخاء فيه ، حتى بالنسبة إلى الطبقات العاملة ، حيث إنه حين يدعو إلى محاربة النزوع المفرط إلى الاستهلاك يفترض أن الوفرة — التي تخدر حواس الإنسان — جزء لا يتجزأ من تركيب هذا المجتمع ، وأن أدنى الطبقات في السلم الاجتماعي متمتعة بنصيب من هذه الوفرة ، ومن ثم فإنها تفقد ثوريتها وتصبح جزءًا من دعائم بقاء النظام القائم . هذا يعني بصورة ضمنية ولكنها واضحة كل الوضوح أن الفقر والشقاء منعدمان في ذلك المجتمع ، حتى بين الطبقات الدنيا . وتلك في الواقع فكرة تُسدي إلى المجتمع الرأسمالي خدمة لا تقدر بثمن ، وإن تكن خدمة مستترة وراء ستار من النقد الشديد اللهجة. وأحسب أن إنسان العالم الثالث ، الذي تقف بلاده حائرة بين اختيار هذا النظام الاجتماعي أو ذاك، حين يستمع إلى رأي ماركيز القائل إن النظام الرأسمالي يقضي على ثورية الطبقات التي هي بطبيعتها قادرة على الثورة ، ويسلبها القدرة على معارضة النظام المستبد القائم؛ لأنه يمنحها الوفرة ويغرقها في نعم الحياة الاستهلاكية السعيدة، سيقول لنفسه دون تردد: وما حاجتي إلى الثورية إن كنت سأعيش منعَّمًا؟  وما خوفي من أن أكون «ذا بعد واحد» ما دمت في حياتي الراهنة بلا أبعاد على الإطلاق؟ وفيمَ يعنيني أن يكون النظام مستبدًا إن كان يوفر لي ضرورياتي وكمالياتي؟ 

إذن السؤال هنا لماذا لا تثور الطبقة العاملة على النظام الرأسمالي ما دام لم يوفر لها ما تريد حقًا ؟ وهنا أجد الإجابة في مقولة لصاحبنا هربرت ماركيز وهي “إن المجتمع الصناعي المتقدم لم يزيف حاجات الإنسان المادية فحسب بل زيف أيضا حاجاته الفكرية، فالفكر عدو لدود لمجتمع السيطرة “.

المصادر :

الإنسان ذو البعد الواحد: هربرت ماركيز. ترجمة جورج طرابيشي

هربرت ماركيز والنظام الرأسمالي  لفؤاد ذكريا  

Ahmed Alaa

طالب هندسة، أحب القراءة و أكتب أحيانًا.
زر الذهاب إلى الأعلى