ثقافة و فنون

الإنسان الموسوعي والمعتقدات الثقافية في عصر التقنية

سنتحدث عن الإنسان الموسوعي المنفتح على مجالات شتى ويعرف شيئا عن كل شيء، ونتحدث عن ظاهرة المعتقدات الثقافية التي تجعل الناس يخرجون في قوالب معينة كما المنتوجات في المصانع، وسنشير لتطورات عصر التقنية، باختصار مقال عبارة عن كوكتيل أفكار.

الخيال أهم من المعرفة!

في الماضي السحيق كان من يمتلك المعرفة هو العالم المبجل الذي يجتمع حوله الناس طلبا لبركاته العلمية،(وليس بركاته الروحية كما يفعل المريد مع شيخه، أو كما يفعل العامة مع الولي الصالح ) أما في عصرنا الحالي (عصر التحول من مجتمع المعرفة إلى مجتمع المهارة) فمن يمتلك المهارة والابتكار مع الخيال الواسع هو من يسيطر على الأقطار (حكومات التقنوقراط. ستسيطر على المعمورة في عصر المهارة وهؤلاء هم طاقم مكون من خبراء في مجالات شتى لا ينتمون لأي حزب بل حزبهم هو الوطن وخدمته)، قد تجدون لا معين في المجتمع وذوو نفوذ لا يمتلكون مهارة ولا ابتكار ولكن هذا فقط في المجتمعات المتخلفة، وإلا لما سطع نجم بيل جيتس وهو مبرمج كمبيوتر يمتلك مهارة لا محدودة وابتكار لا حدود له، إننا بحق بعصر البرمجة، وبالتالي أصبح تعلم هذه المهارة ك( soft skill) يمكن أن يستعملها كل صاحب تخصص في تطوير تخصصه ومساره المهني، ولكن مع ضرورة توفر الخيال الواسع ألم يقل العالم الكبير ألبرت أنشطاين أن الخيال أهم من المعرفة، فقد تكون مبرمجا ولكنك عالة على المجال فقد تقلد مشاريع غيرك، وكم نشاهد كثيرا من المتخصصين في مجال ينضب بالحياة يشتغلون في مجال ميت وروتيني كالإدارات العمومية مثلا ّ.

لم تعد الدول قادرة على تدجين شعوبها والسيطرة على المعرفة العلمية في مختلف التخصصات، حيث أصبح الجميع حرا في اعتناق ما يريد وساهم الأنترنيت في الإعلاء من قيمة الحرية، التي تعتبر أسمى قيمة إنسانية، وتجاوزنا التعليم التقليدي الكلاسيكي، الذي يتمثل في مدرس يحمل سوطا لفرض الهيبة وقلما أحمر لتوزيع النقطة، فلم يعد البشر يدرسون لأجل النقطة والشهادة! بل لأجل العلم والمعرفة والسطوة العلمية التي تجعل الإنسان يفهم خلفيات الأمور ويدرك كل ماحوله يدور.

سنرى في المستقبل القريب شعوب ربوتيكية ( نسبة للروبوت) موازية للشعوب العادية، ترفض الخضوع لمبرمجها الأصلي وتلتحم بالبشر العاديين لقلب موازين القوى المجتمعية وإنشاء حكومة ربوبشرية تتولى تسيير مرحلة الانتقال من الثورة الصناعية الثالثة إلى الثورة الصناعية الرابعة التي سيطغى عليها الذكاء الاصطناعي والبرمجة وأنترنيت الأشياء والتجارة الإلكترونية.

لما تصادرون حق الناس في المعرفة والسيطرة العلمية!؟

كثير ما ألتقي مع أشخاص طيبين لكنهم يستنجدون بغيرهم في حل مشاكل تواجههم ويتعللون بكونه ليس ضمن تخصصهم الأكاديمي، إنه التقوقع الأكاديمي بحق السماء! يا صديقي لن يرحمك كل ذي تخصص إذا احتجت له وليس الناس على صعيد واحد فمنهم الطيب والخبيث، فالمعرفة قوة وسلطة وثكلتك أمك إذا تسلط عليك الخبيث بمعرفته.

يتقوقع كثير من الناس في نوع معين من المعرفة ويحرمون أنفسهم من الانفتاح رغم أنه بند عريض في ميثاق العيش في القرن 21، فتارة ترى أدبيا يخجل من استعمال منطق الرياضيات في حياته، ويحكم على نفسه بأنه لا يفهم المجال! فهو أدبي وكأن الرياضيات خلق للعلميين فقط! وكأن العلميين بالجينات! بالعكس التدريب المستمر هو من يخلق العالم والركون إلى الراحة هو من يصنع الجاهل، وفي أحايين كثيرة تجد علميين لا يفهمون السياسة ويكرهون اللغة العربية! ويخجلون من الحديث بها وتطربهم الفرنسية لأنهم درسوا بها في المجمع الكهنوتي الأكاديمي! ما الضير ياصديق إذا كنت تتقن العربية والفرنسية والصينية.. وتهتم بالسياسة والشعر ومتخصص في هندسة المعلوميات أو علم الأعصاب.. إنه مجتمع يقدس تخصصات ويحكم على أخرى بالنقص والازدراء الذي لا يمت للعلماء بصلة، فهؤلاء لهم عطش لا يرتوي للنهل من شتى العلوم، وهكذا كان الأجداد الأوائل أمثال ابن رشد وعباس بن فرناس وغيرهم، كانوا موسوعيين بما تحمل الكلمة من معنى، مروا من هنا وتركوا أثرا لا يمحوه الزمن.

 
الوسوم

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق