ثقافة وفنون

الإنسان البدائي ونمط العيش القديم

قصة وتاريخ الإنسان البدائي

منذ مائة ألف سنة عاشت على هذه الأرض من البسيطة جماعات إنسانية؛ لا نعلم عن نمط عيشها الكثير، تأقلمت وتفاعلت مع مُحيطها؛ لتخلق المنطلق الأول لأولى الحضارات الإنسانية.

وهذه حكاية أسرة من تلك الجماعة البشرية مُتخيلة، تحاول أن تصف حياة ترحالها هروبا من خطر الحيوانات المفترسة، كُتبت بناء على معلومات ميدانية أثرية، وما يُعثر عليه كالعادة من لُقى أثرية من طرف المنقبون الأثريون، خلفها الإنسان الأول…

…فقد كانت ليلة أمس من ذلك الزمن الموغل في القدم؛ ليلة دامية؛ قُتل فيها العديد من أفراد قبيلتنا؛ من جراء هجوم الدببة وعراك طويل معها، لم نتمكن من الصمود أمام قُوتها وجشعها، فقد نهشت أجساد العديد منا أمام عيني، فكان من الضروري أن نرحل من هذا المكان الذي تكاثرت به الدببة لنبحث عن ملجأ جديد.

ها نحن الآن في طريقنا للبحث عن مأوى آخر، فنحن نعلم أنه من الصعب أن نجد مسكنا أجمل وأحسن من السابق، فموطنُنا القديم حيث هاجمتنا الدّببة الشرسة، يضمن لنا جميع ظروف العيش، فالماء العذب يجري طيلة السنة من أمام الكهف، ومجموعات كبيرة من الطرائد تقترب كل يوم من الماء، فلم يكن أبي مجبراً على التنقل والخروج في رحلة صيد وسط الوحوش.

ذهبنا للبحث عن المأوى الجديد؛ أنا وأمي، وأختي التي لم تتجاوز بعد حولها الثالث، وأبي الذي يعاني من بعض الجروح جراء هجوم الدببة، وبعض من أفراد قبيلتنا الذين نجوا من هجومها الشرس، اِرتأى أبي أن نسير مُتّبعين خط الساحل، فهذا المسار آمن بكثير من أن نتوغل داخل الغابات؛ خطوة بعد خطوة فوق رمال الشاطئ التي ترمز لنا إلى نهاية حدود هذه الأرض التي نعيش بها.

طالت الرحلة أياما وأياما، وأهلك الجوع العديد منا، ومنهم أنا وأصغرهم أختي، لأن أغلب رجال قبيلتنا مصابون، فهم ليسوامؤهلين لأن يخرجوا في رحلة صيد للبحث عن الطرائد، ونحن ننتظر شفاءهم، لم يكن قوتُنا لهذه الأيام سوى مَحار البحر، نجمعه أنا وأمي من أعلى تلك الصخور الشائكة التي آلمت أرجُلنا كثيرا.

بعد أن جمعنا ما يكفينا لهذا اليوم من محار وسرطانات البحر، ذهبت أمي لتحضر النار لطبخها، فكعادتها تقوم بحفر حفرة دائرية الشكل وسط التراب، لكن هذه المرة كانت قد حفرتها وسط رمال الشاطئ، فالأمر أسهل لحسن الحظ، فبما أننا بعيدون عن مصدر الحطب؛ اِضطرت أمي قدر الإمكان أن تجمع تلك النباتات اليابسة التي تنمو وسط الرمال لتوقد بها النار، فوضعتها داخل الحفرة، وأمسكت بكلتي يديها حجرتين من (الصّوان)، فباشرت بضرب الواحدة مع الأخرى، لتنبعث شرارات من النار نحو تلك النباتات اليابسة، ضربات متتالية سريعة مكنت في الأخير من إشعال نار قوية؛ شكلنا حولها حلقة كي نمنع رياح البحر العاتية من إطفائها. الإنسان البدائي

قامت أمي بوضع المحار فوق النار، لم يتطلب إلا وقتا قليلا فقط ليصبح جاهزا للأكل. اِنشغل أبي وقتها في تسخين الحجر فوق النار؛ لصُنع رأس جديد لرمحه الذي فقده إبان العراك الدامي، فعملية التسخين تجعل من الحجر أسهلا للتكسير، بمساعدة حجر صغير يصنع به حدود الشظايا، ثم بعد ذلك وبضربة قوية من يديه تنقلع الشظايا التي سيصقلها هي الأخرى من جديد؛ ليُشكل رؤوسا جديدة للرمح، ويحتفظ بأخرى ليصنع الأزاميل والمكاشط لتقطيع الطريدة، حاولت مرات عديدة كي أصنع رأس حربة خاص بي، لكنني لم أنجح، ربما لأنني لست مؤهلة بعد، فقوتي البدنية ما زالت ضعيفة.

اِقتربت الشمس من غروبها، وما زالت أمي تبحث عن النباتات اليابسة، لتجمع الكم الكافي الذي سيضمن إشعال النار طوال الليل، لتُدفئنا وتحمينا من هجوم الحيوانات المفترسة، لأن عدوهذه اللدود الذي تخاف منه؛ هو النار، فعندما ترى لهيب النار المتصاعد ترجع أدراجها مُسرعة من حيث أتت.

سطعت الشمس من جديد، ليبدأ اليوم الثاني لهذه الرحلة التي لا نعرف عن نهايتها شيئا، فهذه هي المرة الأولى التي سنستكشف فيها هذه الأراضي الجديدة، غادرنا موقد نارنا مُتجهين نحو وجهة مجهولة، لم نأخذ معنا شيئا سوى حجرتي(الصّوان) التي أمّنتني عنهما أمي، فهي لا تعلم إن كنا سنجد هذا النوع من الحجر، فهو أسهل لإيقاد النار، أما أدوات الصيد والتقطيع فهي في رعاية أبي.

أرهقتني أشعة الشمس، وما زال أبي مُتشبّثا بقراره، فإنه يمنعنا في كل مرة من الدخول وسط ظلال الأشجار؛ تفاديا لأي هجوم شرس لإحدى الحيوانات المفترسة، أما أنا فلم أعد قادرا على المشي في هذا المسار الرملي المتعب، والملتهب بأشعة الشمس، حملني أبي فوق كتفيه وأختي بين يديه، فاستطلعت الأفق بنظراتي، ما زالت الطريق طويلة؛ لا أثر لمأوى صخري أو مغارة، لكن يبدو لي أن المسار الرملي محدود بشريط أزرق يمتد نحو البحر.

ونحن نقترب خطوة بعد خطوة، إذ تتضح معالم طبيعة هذا الحاجز، إنه مصب لنهر كبير يحمل ماءَه من وسط أعالي الجبال الموغلة في الداخل، لينتهي به الحال بمياه البحر المالحة. عندما اقتربنا من المصب لم نتمكن من الخوض داخل المياه لأنها جد عميقة، وحركة الأمواج العاتية قد تجر أحدنا، لذا فإن الحل الوحيد هو التوغل وسط هذه النباتات والأشجار الكثيفة؛ إلى أن نجد طريقا أقصرا للوادي، حيث المياه تجري جريانا خفيفا وهادئا.

مرة أخرى لم يسمح لنا أبي بالدخول، إلا بعد أن يستطلع المكان، فقد ذهب هو وجماعة من رجال من قبيلتنا؛ تاركين خلفهم النساء والأطفال، ليتأكدوا من عدم وجود آثار قوائم الدببة والضباع التي تهاجم الأطفال. بعد رحلتهم الاستطلاعية تأكدوا أن المكان آمن، قمنا بالسير قدما تحت رحمة ظلال الأشجار الكثيفة، لقطع عرض النهر نحو الضفة الأخرى، فاخترنا ملجئا رطبا تحت ظلال الأشجار، مُبتعدين بمسافة متوسطة عن المصب للتزود بالماء العذب، فالقاعدة تقول أنه كلما اقتربت مياه النهر من البحر أصبحت أكثر ملوحة، يبدو أن هذا المكان لم تطأه أقدام بني آدم من قبل، فلا أثر لموقد به رماد، أو لشظايا صِوان، فنحن أول الزائرين له.

بعدما وصلنا إلى مكاننا الجديد، اِنكب الجميع يشرب من مياه النهر، ليُطفئ بها حرارة جسمه وجفاف شفتيه، غطس أبي رأسه داخل الماء، وأخذ يمسح بيديه المبللتين ذاك الجرح الذي تسببت فيه الدببة المتوحشة.

اِستلقى بعد ذلك أبي تحت ظل الأشجار، يسترجع قواه المتبددة، فجميعنا نعاني من تعب الطريق، وأشعة الشمسقد أحرقت جلودنا، والأسوأ من ذلك أننا جياع، لم نأكل شيئا بعد وجبة المحار، اِستلقيت أنا الأخرى على فخِذ أبي أنظر إلى الشاطئ، وأتساءل أين تنتهي هذه المياه، فجأة خطف أنظاري جسم غريب يتحرك قرب الشاطئ هناك بعيدا؛ أيقظت أبي وأنا أوجه أصبعي نحو ذلك المخلوق الغريب، الذي لم أر مثله من قبل، يبدوا أن أبي قد علم ما هو، فقد همّ يجري نحوه، جعلني فضولي أجري أنا أيضا خلفه، فما فتئ أن وصلنا، إنه حيوان غريب؛ له رأس وأربعة قوائم وذيل قصير، يزحف فوق الرمال ببطء كبير، لا يغطيه جلد ولا فرو، يحمل فوقه جسما ثقيلا وصلبا؛ إنه تُرس، يبدو أن أبي يعرفه حق المعرفة فقد سبق وأن صادفه، حمل أبي هذا الحيوان فإذا به يُدخل رأسه وأرجله داخل تلك القوقعة الصلبة، إنه حيوان صالح للأكل وإلا لما حمله أبي معه نحو الموقد؛ إنه سلحفاة بحرية.

اِستيقظت باكرا، فوجدت أبي منهمكا في ربط رأس الحربة الذي أعده ذاك اليوم إلى عصاه، يبدو أنه يستعد للخروج وحده بحثا عن طريدة كبيرة هذه المرة، فقد مرت مدة لم نأكل فيها حصة كبيرة من اللحم، فلحم السلحفاة لم يكف الجميع.

ذهب أبي نحو وجهته المجهولة، نزلت أنا مُتجها إلى شاطئ البحر، أبحث عن أصداف بحرية متميزة؛ أصنع منها طوقا مختلفا عن تلك الأطواق التي يرتديها الآخرون، وأختي كعادتها تتعقب خطواتي وتتبعني أينما ذهبت. يحمل أبي في عنقه صدفة متميزة، صغيرة وجميلة ذات لون أحمر ووردي، كان يحملها جدي، لكنه بعد وفاته أصبحت هذه الصدفة النادرة ملكا له، فهو الآخر لا يعلم من أين أتت، ربما هي صنف من الصدفيات التي تواجدت من قبل على شواطئ البحر وانقرضت فيما بعد، لكنني لن أوقف بحثي، وسأغتنم فرصة وجودنا قرب البحر لأبحث عن هذه الصدفة النادرة كي أتميز بها عن الجميع؛ بوضعها في عنقي، فجميع أبناء عشيرتنا سينبهرون برؤيتها.

لم يحالفني الحظ اليوم؛ لم أجد ما أبحث عنه، فرجعت أدراجي أنا وأختي حيث موقد نارنا، فإذا بنا نجد أبي قد عاد من رحلة صيده بغنيمة كبيرة، فقد اصطاد خنزيرا بريا ذكرا في الغالب، لأن زوج أنيابه طويل جدا، فهو ذو رأس ضخم وقوائم قصيرة، وفراؤه بني اللون. اِنهمك أبي في سلخ جلد الخنزير عن اللحم، ثم فصل الرأس عن باقي الجسد، أما أمي فقد انشغلت بإيقاد النار؛ بأغصان الأشجار الميتة، فوضعت حول الموقد أحجارا، الواحدة قرب الأخرى؛ مُشكلة دائرة لينضج اللحم فوقها. طُبِختشرائح لحم الخنزير،فانهمك الجميع يأكل، وما زالت النار مستعرة، فحمل أبي رأس الخنزير ووضعه فوق النار كي يُطهى طيلة الليل.

في الغد أشرقت الشمس، ورائحة شواء رأس الخنزير تملأ الأجواء، لم يبق من لهيب نار الموقد إلا الرماد، أخذ أبي رأس الخنزير بين يديه، فلاحظت أن النار قد التهمت كل الجلد الذي كان يكسوه،وأصبحتعظام جمجمته ذات لون رمادي وأسود،لم يبق سوى ذاك اللحم الطري المتواجد داخل فكيه، اِقتلع أبي أنياب الخنزير من جذرها، ولفها بجلد غزال قديم يحمله معه دائما حيثما اِرتحلنا، أما جلد الخنزير فقد قام أبي بنشره فوق صخرة تسطع عليها أشعة الشمس، لكي يجف ويتخلص من رائحته النتنة.

نزلت مرة أخرى إلى شاطئ البحر أبحث بين تجويفات الصخور عن تلك الأصداف النادرة، لكنه وفي كل مرة تهاجم السرطانات أرجلي العارية بملاقِطِها، لذا فقد رجعت إلى موقدنا، لم أجد أمي، إنها هناك قرب تلك الصخرة حيث جلد الخنزير، إنها تحمل في يديها واحدة من تلك المكاشط التي أعدها أبي، فتقوم بتخديش الجلد لإزالة الشحوم، وتلك المادة اللزجة الملتصقة عليه، لتساعد على تجفيفه، فالظاهر أنها تريد صنع كسوة من الجلد جديدة لها.

لم تستغل أمي جلد الخنزير وحده، بل أخذت عظمة فكه الكبيرة، وأخذت تصقلها هي الأخرىبمكشطها ثم تبرُدُه فوق صخرة كبيرة بحركة تلوى الأخرى؛ إلى أن حصلت على مستطيل متساوي الأطراف، رطب الملمس وأبيض اللون، بعد ذلك وبشفرات الصوان الحادة التي يحتفظ بها أبي، شكلت على طول المستطيل فراغات طويلة وكأنها ترسم أسنانا طويلة، لم أتمكن في بداية الأمر من معرفة ما هي بصدد صنعه، لكن صورة هذا الشيء قد اكتملت الآن لدي؛ بعدما نظرت إلى أختي وهي تتوسل إليها طالبتا إياها أن تعطيها إياه، إنه مشط للشعر يشبه كثيرا مشط أمي المكسر، غير أن هذا الأخير ذو لون أبيض ورمادي جميل، فهو مصنوع من عاج وحيد القرن.

في صباح اليوم التالي، قرر عدد من قبيلتنا أن يهجر المكان باحثا عن مأوى جديد، في حين أن الكثير منهم لم يرغب في الرحيل، فالجو هنا وظروف الحياة ملائمة. لكن أبي وأمي لم يكونا مقتنعين بهذا المكان، فالجو هنا رطب جدا والبرد قارس أثناء الليل، كما أن فصل الصيف قد أوشك  على الانتهاء، ومن الضروري أن نبحث عن ملجأ يخفف قسوة البرد، ويقينا من مياه أمطار العاصفة.

اِنطلقنا نحن في ثلاث مجموعات نحو وجهة مجهولة، في حين أن أكثر من أربع مجموعات لم تقرر الرحيل بعد. لم تكن وجهتنا محددة، ولا ندري كم سنقطع من مسافة لنجد مأوى تحت الصخور، أو مغارة تحتضننا لينتهي عناء الرحيل والسفر هذا، فمن الصعب أن نجد مغارة خالية، فأغلبها مسكونة بأناس وجماعات أخرى؛ حتى أنه في بعض الأحيان تقوم صراعات ومشادات بالأيدي بين أفراد القبائل للحصول على هاته البيوت الآمنة.

كرحلتنا الأولى كان طريقنا ساحليا، نسير بمحاذاة حدود رمال الشاطئ لكي لا نتوغل في الداخل.مازالت الشمس حارة، والأطفال منا قد تعبوا من طول المشي، أخذنا قسطا من الراحة تحت ظل شجرة عالية، ولكي نلتقط أنفاسنا. اِستلقى أبي من شدة تعبه، فإذا به ينهض فجأة فيتسلق الشجرة بحذر؛ غصنا بغصن، وهو يقترب من عش نصبته العصافير لصغارها، فنزل من الشجرة وفي يده أربع بيضات بنية اللون؛ أعطاني أنا وأختي اثنتان، والباقيتان إلى بعض الصغار من قبيلتنا؛ تقاسموها فيما بينهم، ففقصت البيضة مباشرة في فمي كما يفعل أبي كعادته، فالسائل اللزج الذي بداخلها سيُعطينا نحن الصغار طاقة لنصمد أمام عناء الترحال.

اِستأنفنا رحلتنا بعد هذه الفسحة، فمرمى نظر عيوننا يقول أن الطريق ما زالت طويلة ولا وجود لمأوى، مضت ساعات وساعات، ونحن نقطع المسافات وسط هذه النباتات القصيرة، نُصدر أصواتا قوية بأرجلنا كي نبعد عنا الأفاعي التي تختبئ، وتنسحب عند سماع الصوت. فجأة نرى هنالك بعيدا عن الساحل بعشرين قدما مُنحننا صخريا عاليا؛ يبدو من الوهلة الأولى أن به مأوى لكنه صغير الحجم وسطحهقليل الارتفاع، ونحن نقترب بحذر راجين أن لانجد به قاطنين من بني البشر، أو من حيوانات مفترسة لاحمة ،كمجموعة من الثعالب أو من الخنازير البرية أو الضباع، فهذه الحيوانات في طبيعتها تكون أكثر شراسة؛ عندما تكون وسط مجموعتها، لتهاجم جميع أفرادها من كبارها إلى صغارها.

توقف الجميع بعيدا عن هذه المغارة الصغيرة، ليتسلل رجلان من قبيلتنا ببطء؛ من وراء الأشجار وهم يُدققّون نظرهم في الأرض، باحثين عن آثار أقدام تدلهم عن طبيعة هذا الكائن الذي قد يتواجد بهذا المأوى، لكنه واضح أن المكان خال، أما الأرض فبها القليل من آثار الأقدام، فعادة في فصل الصيف تفضل جميع الحيوانات الخروج والبحث عن الفرائس.

يبدو أن المأوى آمن، فقد رفع الرجلان أيديهما بإشارات لنا كي نلحق بهم، ركضت إليهم مسرعا، إنها مغارة أصغر من تلك التي كنا نقطن بها، كما أنه سبق وأن كانت مسكنا لجماعة ما؛ قد هاجرت منذ فترة قصيرة، فالموقد الذي استعملوه ما يزال به رماد، وبعض من عظام لحم غزال مشوي، بالإضافة إلى قواقع الحلزون التي تملأ المكان، وبقايا صنع المكاشط ورؤوس السهام.

لاندري سبب هجرتهم إلى هذا المكان، لكن ما نعلمه هو أنهم سيرجعون في يوما ما إلى مأواهم هذا؛ ربما في فصل آخر أو في عام آخر، فمن المؤكد أن لهم مسكن أكبر لقضاء فصل الشتاء؛ ليس بعيد من هنا، يضمن لهم جميع ظروف العيش المناسبة، وإلا لما هجروا هذه المغارة.

دخل الجميع محتمين تحت هاته الصخور (الكارستية) الباردة؛ من أشعة الشمس وحرارة الجو التي تخنق المكان، فجميع المخلوقات فوق هذه الأرض قد بحثت عن ظل تأوي إليه. لم يكن مسكننا الجديد هذا قريبا جدا من الشاطئ كالذي كنا فيه، كما أنه لا وجود لمجرى نهر أو عين هنا بجواره، نتزود منه بالماء العذب. ففي غالب الأحيان إن لم تكشف لنا الضاحية عن مصدر ماء صالح للشرب، لن يطول بقاؤنا هنا طويلا، فعيشنا فوق هذه الأرض مرتبط به، فأينما وجد الماء وُجدنا نحن بنو البشر، فالماء هو صاحب القرار؛ يختار المكان الذي سنعيش فيه.

همدت أشعة الشمس، وبدأ يقترب قرصها من خط الأفق العريض، خرج كبارنا للبحث عن القوت في أرض ما وراء المغارة متوغلين وسط الأشجار، أما نحن الصغار فقد كان ملاذنا الشاطئ؛ نجري ونلعب فوق حبات رماله التي ما زالت تحتفظ بحرارة شمس الظهيرة. اِنشغلت أختي بجمع القواقع البحرية التي يرميها البحر بمختلف ألوانها، الوردية والحمراء والبيضاء، أما أنا فقد انشغلت بالنظر إلى مجسم الزرافة الخاص بي تارة، والنظر إلى البحر الشاسع الأزرق تارة أخرى، فجأة سمعت هتافات مصدرها رأس التلة حيث توجد المغارة، فأدرت رأسي، فعرفت أنهم الرجال؛ قد عادوا بسلام من وسط الغابة، ورأيت أبي يقترب رويدا رويدا، يحمل في كلتي يديه طيورا من أرجلها، يبدو أن الحظ لم يحالفه اليوم بطريدة كبيرة، فالمنطقة هنا رطبة جدا، فإذا ما توغل داخل تلك الأشجار والنباتات الكثيفة فسيكون هذا آخر شيء يقوم به.

اِصطاد أبي ستة طيور، بدأ بنزع الريش عن جلدها ريشة ريشة، فانضممت إليه أنا وأمي وأختي؛ نساعده في نتف الريش، إنها عملية غاية في الصعوبة، لكن طعم هذه الطيور ألذ من لحم الخنزير الذي تناولناه آخر مرة.

بعد تناولنا لهذه الوجبة اللذيذة رافقنا أمي إلى الغابة في حذر، فأوانينا القديمة قد هجرناها بعد هجوم الدببة، لذا فمن الضروري أن نصنع أخرى جديدة ؛كي يتمكن أبي من حملها معه لإحضار الماء فيها. أخذت أمي بيدها ورقة كبيرة، فتوقفنا قرب حفرة صغيرة يبدو أن حيوانا ما قد حفرها؛بها تراب أحمر؛ رطب وصاف، فأخذنا معنا منه كمية لا بأس بها؛أضافت إليها أمي قليلا من الماء، فأصبحت عجينة كروية الشكل.

أخذت أمي كتلة الطين وجلست في زاوية من زوايا المغارة، فأطلقت العنان ليديها وأخذت تعجن بخفة ذلك الطين حتى أصبح عجينة متماسكة، صنعت منها قطعا طولية (شبيهة بالأسجاق)، من الأقصر إلى الأطول،ثم وضعت أمامها حجرة مصقولة مسطحة؛ رشتها بقليل من الماء، فسطحت فوقها بعض العجين صانعة منه قُرصا، ثم أخذت بعد ذلك أقصرالقطع،وألصقتها بأصابعها فوق جوانب القرص، فتَسلْسل عملُها واضعةالقطعة الطولية فوق الأخرى من أقصرها إلى أطولها؛ الواحدة تلوى الأخرى، حتى حصلت على آنية مخروطة الشكل، ثم أخذت بعد ذلك حجر مِسنّ، وبدأت تصقل جوانب الآنية ؛كي تلتصق هذه (السُّجُق) من الطين ببعضها البعض.

بعد أن أصبحت جوانب الآنية ملساء لا ثقب أو نتوء بها، أخذت أمي قوقعة كتلك التي أصادفها فوق الرمال، وأنا ألعب على الشاطئ، فأخذت تطبع بجوانبها المتموجة آنية الطين الطرية، وهي ترسم بها خطا قرب خط إلى أن تكتمل الدائرة، فاكتملت الآنية بزخرفتها الرائعة التي تُتقنها أمي، وهي زاهية بخطوطها المتموجة التي تشبه أمواج البحر.

كنت أنا وأختي في هذه اللحظات بصدد صنع مُجسّمات من الطين؛ نلعب بها نحن وأبناء قبيلتنا، شكلت أختي اِمرأة صغيرة من الطين؛ تشبه في هيئة جسدها أمي كثيرا؛ غير أن ملامحها لم تكن واضحة، أما أنا فقد قمت بتشكيل زرافة ذات عنق طويل وأربعة قوائم؛ يبدو أن مُجسمي معقد جدا، لذا فقد كان من الصعب أن أتحكم في ثبات القوائم، فقد كان حُلمي الوحيد أن أشكل الجسد أولا لأتركه يجف، ثم ألصق به القوائم والرأس، فليس من السهل أن أصور هذا الحيوان على عكس أختي، فقد كانت بارعة في تجسيد أمي،

حملت أمي الآنية بعد الانتهاء من تزيينها بحذر، لكي لا تنكسر أو تلتوي من إحدى جهاتها، فهي ما زالت طرية ولينة، وضعتها هناك فوق تلك الصخرة، التي تسطع عليها أشعة شمس الصيف الحارة لتجف وتصير صلبة، فتبعناها مسرعين نحن الآخرين أنا وأختي لنترك مجسماتنا تجف هي الأخرى.

أوشكت الشمس على الغروب، وصوت هيجان الأمواج يرتفع أكثر فأكثر؛ لتحمل نسائم البحر رائحة الطحالب والأسماك والمحار؛ إلى حواس قاطني اليابسة، منظر كلما رأيته يجعلني أتساءل عما يوجد وراء الأفق، أهناك عالم آخر مختلف عن هذا الذي نعيش فيه، أم أنه لا أمل في وجود شيء، وأن كلام الكبار الذي يقول أن هذا الأفق هو نهاية أرضنا صحيح؟

الصوان (silex): هو نوع من الحجر أُستعمل كثيرا خلال فترات ما قبل التاريخ في إشعال الناروصناعة الأدوات والأسلحة.

تُسمى هذه التقنية المستعملة في صنع الأدوات؛ من طرف الإنسان البدائي بالصناعة (الموستيرية) على المستوى العالمي، أما فيما يخص شمال إفريقيا فتُسمى الصناعة (العاطرية) المتميزة بأدواتها المذنبة.

المكاشط جمع مكشطة، وهي أداة اِستعملها الإنسان البدائي في غالب الأحيان؛ من أجل مُعالجة الجلود الحيوانية.

اقرأ أيضا: ثقافة العصر الحجري القديم الأوسط: كيف عاش الناس قبل 200000 سنة؟

أسماء القاسمي

حاصلة على شهادة الإجازة، والماستر، من المعهد الوطني لعلوم الآثار والثرات، بالرباط (المغرب)، تتابع حاليا دراستها في سلك الدكتوراه، تخصص علم الآثار الإسلامية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى