مدونات

الإنسانية وصراع الوجود

إن طبيعة الإنسان تفرض عليه أن يكون محكومًا بتطلعاته وأهدافه ومصالحه الذاتية التي سطرها مسبقًا ويريد الوصول إليها، تقيده وتجعله خاضعًا لها، فيسعى بذلك عبر وسائله المشروعة وغير المشروعة، دون أن يعير أي إهتمام أو حرص لمصالح الآخرين، إنه يحرص فقط على أن يحقق كل شيء، متجاهلًا في طريقه الإنسانية التي تربطه بالعالم من حوله.

هدف الإنسان الأسمى منذ جاء إلى هذه الدنيا وطموحه الأكبر، بل وكل همه، أن يحقق ذاته وأفكاره وثقافته ودينه وعرقه، يريد أن يقول للعالم بأنه الوحيد الذي من حقه أن يعيش في هذا الكون.

إن الغرور والأنانية والاعتزاز بالذات وتمجيدها وإقصاء الآخرين من تفكيرك وإهتمامك لن يجعلك مرتاحًا فالخصوم أحد أسباب النجاح، لأن ذلك الصراع الذي ولدته الطبيعة فينا منذ أن خلقنا على البسيطة، وأعني هنا الصراع الإيجابي الذي تكون منفعته بادية للجميع، لا ذلك الصراع المبني على القتل والحروب وإراقة الدماء، بل أقصد التفاعل الذي لا تغييب فيه للآخر ولا صراع فيه على حساب دين أو عرق أو قومية، فالإنسانية التي نتشاركها يجب أن تكون غايتنا والهدف المنشود الذي نسعى إليه كل يوم، ونرسخه لكل فرد منا، بل ونتشبع به أيما تشبع.

والإنسان المحب للإنسانية يسعى لبناء مجتمع أفضل خال من الشوائب والمصائب، يزرع القيم النبيلة ويربي الناشئة على تقبل الآخر بكل تلاوينه وإختلافاته، قيم تمزج بين كل الأفراد وتغيب الأنا وصراع الهويات القاتلة، أما إذا قبل الإنسان بفكرة كونه الوحيد والأوحد الذي لا إنسان بعده، فلن يكون إلا أنانيًا، بالرغم من أنه يرى في نفسه التي تسعى إلى إمتلاك كل شيء بطلًا قوميًا، وما هو بذلك مهما خُيل له ذلك، أو صنعت له نفسه بيتًا أو عالمًا من الأوهام، فالإنسان إزاء كل هذه الأشياء لن يصنع لنفسه إلا هلاكًا مؤجلًا أو حتميًا، يقتل به نفسه والآخرين.

إن من أحد الأسباب والعناصر التي تدفع بصاحبها إلى طريق الإنحراف عن كل ما يمت للإنسانية بصلة والتقوقع في عالم الفردانية، هي كل تلك المتطلبات التي تطلبها الذات وترغب في الوصول إليها، ما يجلعها حبيسة المحيط الذي تتقوقع فيه، ثم يبدأ بالدوران حول محور الذات، معتبرًا أياه ذلك المركز الكوني الذي يدور حوله الكل.

ويشكل الغرور والأنانية والفخر والاعتداد بالنفس، أشد الأسلحة فتكًا، تلك التي تدمر وتخرب الذات البشرية وتعرقلها على الإنجاز والتميز، فكلما أحس الإنسان على أن فردانيته الدونية الأنانية ستجعل منه أنموذجا، سعى في الأرض إلى تكريس فكرته وما هو صانع، وإذا وجد من ينافسه أو يسعى هو الآخر إلى ما يسعى إليه، تعلن الحروب ويحل الخراب والدمار، وهذا ما تفعله كل الدول العالمية حاليًا، بل أغلب الجماعات والأقليات والطوائف..

إن اختلافنا نحن البشر اليوم، جماعات وأفراد، في الانتماء والاعتقاد، لا يُحترم بالرغم أننا نتظاهر بذلك، فكل منا علانية وخفية يريد بشتى الطرق والوسائل أن يكرس لمذهبه، وأن يدافع عنه معتبرًا أن ما تؤمن به ذاته، وما وجد عليه أجداده هو الحق، ولا إختلاف معه، وهذا خطأ وحماقة بني البشر، تنتج عنه حروب لا هوادة فيها، يروح ضحيتها الآلاف ممن يتقاسمون معنا الإنسانية والهواء والماء والأرض، يتحول جزء كبير منهم إلى مشردين أو مستباحين. ونحن السبب، نغلق الباب في أوجههم غير مكترثين لعواقب هذا السلوك الذي ولدته فينا الأنا، السلوك الأناني القاضي على كل مطامح بناء مشروع الإنسانية التي نحلم بها جميعا.

لا قيمة لتفكيرنا ولعملنا وعلمنا وما وصلنا إليه من تقدم تكنولوجي، ما لم نجعله في خدمة البشرية، لا لمحقها أو تدميرها، فإذا كنا سنسخر كل جهودنا الفكرية في خدمة التحكم في البشر وصناعة الأسلحة، فأنا أفضل أن نظل أميين بعيدين كل البعد عن التطور العلمي والتكنولوجي.
إن كل ما نؤمن به وما يجعلنا مختلفين مع الآخر في الفكر والثقافة والسياسة والدين والعرق واللون والجنس لا يضرنا، وإنما ذلك التوجس الذي تصنعه ذواتنا هو ما يقتل كل إنسانية فينا، ويتركنا للحماقة وركوب جنون الحرب وهوس القضاء على الآخر.
فكل ثقافة من ثقافتنا تريد أن تزيح وتقصي الأخرى بشتى الطرق و والوسائل، وأن تحل محلها أو أن تفرض نفسها لتبقى هي وحدها السائدة والمسيطرة، في حين أن الصواب هو الانصهار، ذوبان ذات الأنا في الجماعة لنشكل أمة إنسانية واحدة متكاملة الأطراف، بكل إختلافاتها وأطيافها.

أنا لا أؤمن بنجاح الذات ما دامت تقوم بإقصاء الآخرين وتحيا لنفسها، ولا أؤمن بالهويات لأنها قاتلة، تسبب الحروب والدمار، فنحن بني الإنسان قاسمنا المشترك هو الإنسانية فلنعشها بعيدا عن كل تعصب وحب الأنا.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق