ثقافة وفنون

اللغة الإنجليزية… لغة التواصل العالمية

اللغة الإنجليزية تُصنّف اليوم كإحدى أكثر اللغات انتشاراً، من حيث عدد المتحدثين بها أو من منطلق اعتمادها كركيزة أولى لتسيير الأعمال في أغلب الوظائف المحلية، أو للتعامل التجاري والاقتصادي مع دول العالم.. فللغة الإنجليزية موقع خاص سواء كانت اللغة الأساسية (اللغة الأم)، أو كلغة ثانوية (لغة ثانية لبعض الأمم) أو كلغة أجنبية تُستخدم في أغلب المجالات العامة.  فقد باتت اللغة الإنجليزية أداة لا غنى لنا عنها وتُساهم في توفير العديد من الفرص للأفراد، مثل مساعدتهم في الحصول على فرص التوظيف وفرص الترقي في العمل والدراسة.. إذ أن أغلب المقابلات الوظيفية في الكثير من الدول باتت تعتمد على الإلمام باللغة الإنجليزية كشرط أساسي في قبول الباحث عن العمل في الوظيفة التي قد يتقدم لها.. وقد باتت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية للعديد من أنواع المجالات الدراسية الجامعية، كالعلوم والطب والهندسة والاقتصاد وإدارة الأعمال، وغيرها من المجالات التعليمية الأُخرى التي يسعى العديد من الطلبة الجامعيين لدراستها والتخصص فيها.. وعلينا الاعتراف بأن اللغة الإنجليزية اليوم باتت الأداة الأكثر شيوعاً وضروريةً حيث تُساعد في زيادةِ القدرة على التحصيل المعرفي من خلال قراءة الكتب والمطبوعات والمنشورات الثقافية والمجلات المتخصصة وأغلب الأبحاث المنشورة الحديثة، والتي تدعم تنمية العلم والمعرفة والثقافة الشخصية عند المتعلمين والدارسين حيثما يكونون حول العالم.

بل وتقدم اللغةُ الإنجليزية مجموعةً من وسائل الاتصال بين الشعوب المختلفة، مما يساهم في التواصل بين الشعوب والتعرّف على العادات والتراث والتقاليد الشعبية العالمية.. ونجد اليوم كيف يتم استخدام اللغة الإنجليزيّة بشكلٍ كبير جداً للخوض في المواقع الإلكترونية على شبكة الإنترنت؛ حيث أن تعلمها بات كأداة ضرورية تساهم في مساعدة الأفراد في التعرّف على طبيعة المواقع الإلكترونية، والولوج في أغوارها وتصفح المحتويات المنشورة في صفحات مواقعها المختلفة (موقع موضوع الإلكتروني).

لقد كتبت في مجالات متعددة واصفاً اللغة الإنجليزية بأنها لم تعد مُلكاً للإنجليز، بل أنها باتت لغة عالمية يتحدث بها ويستخدمها القاصي والداني وبشكل يومي.. وأن كل ملة من شعوب الأرض قد أضافت لها وعليها وجعلتها خاصة بها.. فنجد مثلاً شعوب شبه القارة الهندية يتحدثون بها كلغة مميزة بهم ويستخدمون مصطلحاتها بحكم نطقهم وبتأثير لغاتهم الأصلية ومخارج الألفاظ واللكنات، وحتى القواعد اللغوية الخاصة بلغاتهم الأصلية.. وكذلك تفعل كل شعوب شرق آسيا بشكل عام.. وللفرس إنجليزيتهم الخاصة بهم، كما للعرب طرقهم في لفظ الأصوات وتراكيب الجُمل الغريبة التي ربما تعتمد في أحيان عديدة على الترجمة الحرفية والخلط بين القواعد اللغوية.. ولشعوب أوروبا لكناتهم الخاصة بهم بحكم مخارج ألفاظهم ونطقهم للأصوات.. لكن الجميع أصبحوا يتفاهمون فيما بينهم ويتواصلون بهذه اللغة العالمية الموحدة في تجاراتهم ودراساتهم ومراسلاتهم ونشر علومهم ومعلوماتهم حول العالم.

فنحن العرب رغم طول سنوات تبنينا للغة الإنجليزية لا نزال نعاني من مشاكلنا الخاصة مع أبسط القواعد اللغوية، حتى بين المحسوبين علينا من الدارسين في الدول الناطقة باللغة الإنجليزية، أو من بين الخريجين من المدارس الخاصة المحلية التي تعتمد على اللغة الإنجليزية بشكل شبه كامل.. ففي دول الخليج العربي تكمن مشاكلنا اللفظية مع بعض الأصوات ونعجز عن التفريق بينها بالذات مع (P) و(B)، وأيضاً بين (V) و(F).. وفي دول الشام والمغرب العربي تكمن مشكلتهم الأساسية في نطق (Ch-) و(Sh-).. أما بين أخوتنا في مصر والسودان فيتميزون بمشاكلهم مع (Th-) سواء كانت تنطق (ذ) أو (ث) فينطقونها (ز) أو (س).. وأخوتنا المصريين يميلون لإضافة أصوات حروف العلة الإنجليزية بين الأصوات الساكنة المتعاقبة والمسماة (Clusters)، وكمثال واحد فقط، يميلون إلى نطق كلمة (World) بإضافة حرف علة لتصبح الكلمة وكأنها (Worled).

أغلب الهنود مثلاً يصرون على نطق الحروف الصامتة في بعض الكلمات الإنجليزية لأنها مكتوبة أصلاً في تلك الكلمات، مثل كلمة (Bomb) المنطوقة بدون حرف الـ(b) في آخر الكلمة، فينطقونها (بومب)، وكثيرة هي الكلمات التي تحتوي على الحروف الصامتة.  والفرنسيين أيضا يقتطعون بعض الأصوات بحكم لغتهم الفرنسية عند التحدث بالإنجليزية أو ينطقونها بحكم لغتهم ومخارج ألفاظهم، لتصبح كلمة (Happy) وكأنها تنطق (Appe).. ومشكلتهم الواضحة الأخرى هي مع حرف الـ(R) فينطقونها (غ).. ولن ننسى هنا مشكلتهم الأساسية في نطق (Ch-) و(Sh-) والتي انتقلت منهم لتصبح مشكلة في دول الشام والمغرب العربي كما أسلفنا سابقاً.. أما في أغلب دول شرق آسيا فهي تواجه معضلة التفريق بين الصوتين (L) و (R)، لتصبح كلمة مثل (Rice) وكأنها (Lice)، بل وكثيراً يختفي في النطق الصوت الأخير لنسمع (Rice) وكأنها (Lie).. أما في الفلبين فمشاكلهم تكمن في التفريق بين الصوتين (S) و (Z)، ويخلطون بين المذكر (He) والمؤنث (She) والحاضر والماضي وبين المفرد والجمع.. والحديث سيطول لو تطرقنا للغة الإنجليزية في كافة أرجاء أفريقيا، وبالذات مع شعوب دولتي جنوب أفريقيا ونيجيريا، وغيرها!

وكثيرة هي الملاحظات حول اختلافات النطق وتركيب الجمل واستخدام المصطلحات بين كل دول العالم، ولكل تلك العوامل تأثيراتها الواضحة على مستخدمي اللغة الإنجليزية من غير الناطقين بها.. بل وحتى شعوب الدول الناطقة باللغة الإنجليزية أصبح لكل منها لكناتها الخاصة بها مثل أستراليا وأمريكا وكندا، وغيرها.. وحتى في بريطانيا نفسها نجد اختلافات واضحة المعالم في نطق اللغة الإنجليزية الدارجة بين الشمال والجنوب، وبين إسكتلندا وأيرلندا وانجلترا و ويلز.. وكذلك الوضع بين الولايات الجنوبية والشرقية والغربية في الولايات المتحدة، وحتى بين أستراليا وجارتها نيوزيلندا.

وقد كتبت كثيراً في هذا الشأن بحكم تخصصي في علم دراسة اللغات وسيكولوجية تعلم اللغات، بأننا لو قبلنا بأهمية اللغة الإنجليزية واعتبرناها اللغة العالمية الأولى فيجب علينا أن نقبل بكل اللكنات واللهجات والمؤثرات الدخيلة عليها من منطلق الواقع المفروض بأن اللغة الإنجليزية لم تعد حكراً على الناطقين الأصليين بها.. قد يسيسها البعض وينسب انتشار الإنجليزية للتاريخ الاستعماري في بلدانهم، أو قد يصفها البعض بأنها تحمل في طياتها شروراً ونوايا خبيثة للتأثير والسيطرة على الثقافات الأخرى، بل لزعزعة الوازع الديني واللغوي والثقافي، وغير ذلك من مشاعر التقوقع المجتمعي الذي يخشى التغريب والأجندات الخفية.. وفي الحقيقة لا يمكن أن ننكر أنه ربما من أحد أهم أسباب الانتشار الواسع للغة الإنجليزية قد يكون بسبب الرقعة الشاسعة للمستعمرات الإنجليزية حتى منتصف القرن الماضي من أقصى شرق آسيا حتى أمريكا الشمالية.. لكن حاجة العالم اليوم لتوفر لغة عالمية توحدهم وتسهل عليهم التواصل وتبادل الخبرات جعلت من اللغة الإنجليزية “نعمة” (إذا صح التعبير) جاءت للعالم على صحن من ذهب.. وربما يصح الظن بأن دولة عظمى جديدة وناطقة باللغة الإنجليزية مثل الولايات الأمريكية قد تبوأت هذا الدور بشكل مباشر أو غير مباشر في تعزيز عالمية اللغة الإنجليزية عبر كونها مصدراً أساسياً للعلوم والتقنيات و وسائل التواصل لتحل محل القوة الاستعمارية القديمة في ثوب جديد!!

د. محمد العباسي

أكاديمي من البحرين.. دكتوراة في سيكولوجية تعلم اللغات.. أكثر من 30 سنة في إدارة وتعليم اللغة الإنجليزية في كليات وجامعات في البحرين والكويت.. درست وعشت سنوات الدراسة و العمل في قطر والكويت وكاليفورنيا ولانكستر في إنجلترا وكارديف في ويلز.. متقاعد، وأكتب مقالات في كافة المجالات التربوية واللغوية والاجتماعية والسيكولوجية والفلسفية والسياسية، إلخ. وأيضاً لي مشاركات أدبية و مطبوعات شعرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى