ثقافة وفنون

الإمام محمد عبده في مدينة باليرمو وصقلية الإسلامية

قام الأستاذ الدكتور/ أنطونينو بليتيري، أستاذ الأدب العربي في جامعة باليرمو بصقلية، بكتابة مقالة يتحدث فيها عن زيارة الإمام الشيخ محمد عبده لجزيرة صقلية، وخاصة مدينة باليرمو عاصمة صقلية. وأوضح مدى تأثر صقلية بالوجود الإسلامي.

كان للعرب تأثير عظيم فيها حيث انتعشت التجارة واتسع نطاقها في صقلية، وازدهر فن العمارة العربية الإسلامية في صقلية، وشيدوا فيها القصور والمساجد والحدائق، ومن أشهر المباني الإسلامية الباقية في صقلية قصر العزيزة وقصر القـُبَّة القائمان بالقرب من بلرم (باليرمو)، وقد روى المؤرخون الكثير عن فخامة مباني العرب في صقلية المزينة بالرخام الثمين والفسيفساء الزاهرة والمحاطة بأجمل الرياض. ولا تزال باليرمو تتميز بالروح العربية والإسلامية في كثير من مظاهرها العمرانية والاجتماعية والثقافية.

اعتبارات حول دور صقلية كحلقة وصل، وتعليم اللغة العربية في دير الكبوشيين و “حظوة استيداع الموتى”

الشيخ الإمام محمد عبده (1849- 1905 يعد أحد الدعاة الرئيسيين للحركة الإصلاحية الإسلامية، كان فقيها ومفتيا لمدرسة “الأزهر” الإسلامية الهامة في القاهرة. وفي عام 1902  كان الإمام محمد عبده في صقلية في إطار رحلة إلى شمال إفريقيا وأوروبا. قد زار العاصمتين تونس والجزائر، حيث التقى بالممثلين المحليين لحركة التجديد الإسلامية، وذهب إلى فرنسا، وأثناء عودته إلى الإسكندرية، عن طريق البحر، توقف في ميسينا.

اعتبرت هذه المدينة، قبل الزلزال الرهيب عام 1908، ميناء بحريًا هامًا للطرق بين أوروبا والشرق العربي المسلم. وفقًا لتقاليد قديمة، ظلت كذلك أثناء الوجود الإسلامي في صقلية خلال العصور الوسطى، والتي يذكرها الأندلسي ابن جبير، كما هو معروف، في رحلته الشهيرة حين أجبر على النزول إلى ميسينا خلال عودته الشاقة إلى الأندلس.

كان الشيخ محمد عبده مُلِمًّا بالأحداث المتعلقة بتاريخ سيتشيليا الإسلامية، والمعروفة باللغة العربية بـــِ”صقلية”، وكان ينوي تعميق معرفته من خلال زيارة مدينة “باليرمو” عاصمة صقلية، بعد أن اقتراح عليه بعض مسلمي صقلية بزيارتها.

المصدر الرئيسي الذي يخبرنا عن زيارة محمد عبده إلى باليرمو وميسينا يتمثل في بعض المقالات المنشورة في مجلة المنار (القاهرية) بين عامي 1902 و  1903، والتي جمعها لاحقًا السوري اللبناني محمد رشيد رضا في عمل بعنوان “تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده” (القاهرة، 1931، جزأين) في باب الرحالات العلمية والتاريخية (الجزء الثاني، ص.91-473).

بعد وصوله إلى باليرمو، أقام الشيخ عبده في فندق سنترال بشارع روما، وذهب إلى المكتبة العمومية، ودار المحفوظات للاطلاع على الأعمال المكتوبة باللغة العربية، والمخطوطات، والمراجع الأخرى المتعلقة بتاريخ الوجود الإسلامي في صقلية.

ومن خلال زيارة المعالم الأثرية العربية لصقلية، وما تحويها من عمارة إسلامية خالصة،  أدرك الشيخ عبده مدى أهمية دور الإسلام في بنية وضع صقلية في البحر الأبيض المتوسط كحلقة وصل.

ومما يثير الاهتمام اعتبارات شيخ الأزهر حول الوجود العربي والإسلامي، والعلاقة بين الأديان التوحيدية المختلفة، والنورمان، والعلاقات بين القوى غير المسلمة ومسلمي صقلية الذين بقوا في الجزيرة بعد عودة المسيحيين على احتلالها. بهذا الصدد، كتب عبده أنه في السنوات الأولى تحت سيطرة المسيحيين: “تمتع العرب بالحرية الكاملة في ممارسة عبادة دينهم وفي الإدارة المباشرة لشؤونهم” (ص. 475).

إن زيارة القصر الملكي، وقصر العرب، وكاسارو [1] لأهل باليرمو تكشف للضيف جمال غرفة الملك “روجر” بما فيها من طراز إسلامي فاطمي وإيراني، وكذلك الصندوق المغطى بالنقوش الذهبية، والساعة التي تحمل نقوشا باللغات العربية واليونانية واللاتينية.

بالقرب من القصر، تقع كنيسة سان جيوفاني إرميتي وتعلوها قباب حمراء جميلة ومئذنة. ومن هنا لاحظ الشيخ المصري وبرفقته القسيس الكبوشيي الحلبي جبرائيل ماريا، وسيتم التحدث عنه لاحقًا، أن الكنيسة وذلك القصر  هبة وتكريما للإسلام. ويمكن قول نفس الشيء عن زيارة قصر العزيزة (la Zisa)، وهو مبنى من العمارة الإسلامية الفاطمية، ويقال أنه تمّ بناؤه في عصر النورمان، ولكن قدماء المؤرخين الصقليين يعتقدون أنه كان موجود بالفعل، مثل قصر القبة (la Cuba)، قبل وصول النورمان. يمكن اعتبار قاعة النافورة سلسبيل الرائعة واحدة من أجمل ما تحب عين أن تراه.

لكن ربما كان الجزء الأكثر إثارة للاهتمام من إقامة الشيخ عبده في باليرمو هو زيارة دير الكبوشيين، والمدرسة العربية الملحقة به المخصصة للمبشرين الذين كانوا يتنقلون في العالم الإسلامي العثماني. قام بترحيب شيخ الأزهر القس الكبوشي، المدعو جبرائيل ماريا وهو من حلب، الذي وصل إلى باليرمو قادما من بيروت. قام بتدريس اللغة العربية باستخدام مناهج ومواد تعليمية معظمها من لبنان. لا تزال تلك المراجع محفوظة داخل المدرسة، حيث تمكنت من رؤيتها قبل بضع سنوات.

ومن وجه الاستفادة، لابد أن نقتبس مقطعا من العمل المذكور لرشيد رضا والذي تم اختياره من بين تلك المقطوعات التي تبين تعليقات رجل الثقافة الإسلامية الشيخ عبده، وتعتبر هذه التعليقات هامة لجانبين: الأول يتعلق بمنهجية دراسة اللغة العربية للأجانب، والأخر يتعلق بالموت والحياة الآخرة، والتي عبر عنها الشيخ عبده بعد زيارة المقبرة الملحقة بدير الكبوشيين.

دير الكبوشيين ومدرستهم ومقبرتهم في بلرم

للكبوشيين دير في بلرم فيه معبد ومدرسة ومقبرتان. أما المعبد فهو المعبد لا يحتاج إلى الكلام عليه، ولا يختلف عن غيره من المعابد، وأما المدرسة فهي لتعليم اللغات والفنون والعلوم التي يحتاج إليها المرسلون الذين يكلفون بالدعوة إلى الدين المسيحي، والتبشير بالإنجيل، ونشر ما تقتضي الغيرة الدينية نشره في الأقطار النائية، كبلاد العرب والترك والفرس وغيرها. ومما يعلم فيها اللغة العر بية، وأستاذها الراهب جبرائيل ماريا الكبوشي وهو من حلب وتعلم العربية في بيروت وأخبرني أن من أساتذته صديقنا الشيخ سعيد الشرتوني صاحب (أقرب الموارد) في اللغة. لاقيت ذلك الراهب، وحادثته في شأنه، والزمن الذي قضاه في إيطاليا، والداعي إلى الإقامة فيها فتبين لي أنه جاء إليها ليخدم دينه هذه الخدمة – تعليم اللغة العربية لنشر الدين في بلاد العرب مثلًا – وكان يتحرى في كلامه قواعد اللغة العربية بقدر الإمكان، فحمدت منه ذلك. كأنه اعتقد أنه إنما تعلم العربية لينتفع بها في منطقة وإن كان في بلاد إيطاليا، وعمل بما اعتقد، وما كان أسهل عليه أن يكلمني بالحلبية كما يكلمني البيروتي بالبيروتية، والتونسي بالتونسية، ولا يبالي أكنت أفهم أم لا أفهم كما لا يبالي الكثير ممن ذكرناهم.

وفي هذه المدرسة تعلم العلوم اللاهوتية كذلك، للغاية التي ذكرناها، ولا حاجة إلى ذكر ما فيها من العلوم، فإن ما تحتاج إليه للبراعة في نشر الدين والدعوة إليه معروف عند من يعرف ما هو الدين، ويتصور معنى الدعوة إليه. أما من لا يعرف ذلك فلا نـكتب له حرفًا واحدًا من هذا الكلام.

هذا الراهب أستاذ العربية في الدير، وضع طريقة سهلة لتعليم قواعد اللغة العربية – من الصرف والنحو – للإيطاليين، يضع القاعدة العربية ثم يفسرها باللغة الإيطالية، بأسلوب يسهل معه تناولها بقدر الإمكان وقد رأيت من تلامذة الراهب من يحسن قراءة العربية، وإن كان لا يحسن التكلم بها لعدم التمرين على السماع والنطق، وما أحوج كل عربي إلى تعلم ما يحتاج إليه من لغته، ولكن ما أشق العمل وما أوعر الطريق وما أكثر العقبات في طريق العربي الساعي في تحصيل ملكة لسانه‏!! يفني عمره وهو لا يزال يضرب برجليه في أول الطريق، أفلا نشعر بالحاجة إلى تقريب المطلب، وتيسير المذهب في تحصيل ما تدعو إليه الحاجة من لغتنا، حتى نستطيع فهم ما أودع فيها من النفائس، والتعبير بها عما نجد في أنفسنا ونحب ان نسوقه إلى بني لغتنا على وجه صحيح ؟! وبأسلوب فصيح ؟!

ألم يأن لنا أن نرجع إلى المعروف مما كان عليه سلفنا، فنحيا بما كان قد أحياهم، وترك ما ابتدعه أخلافهم مما أماتهم وأماتنا معهم ؟

أما المقبرتان فإحداهما في بناء متسع الارجاء، تحت الارض (اقرأ سراديب الموتى)، ينزل إليه بسلم، وفيه نوافذ يأتي إليه منها الضياء، وقد وضعت فيه الجثث على ضروب شتى، فمن الجثث ما هو في صناديق مقفلة من الخشب أو الحجر أو البرونز، ومن ذلك جثة موسيو كرسبي رئيس الوزارة الإيطالية السابق، فإنه في ذلك المحل في صندوق مغلق، ومنها ما وضع في صناديق من البلور، بحيث تظهر الجثة للرائي من داخل الصندوق على الهيأة التي كانت عليها عند الموت. وقد يوجد في الصندوق الواحد عدة أشخاص بادية هياكلهم، ظاهرة وجوههم، على أتم ما يحزن له قلب وتعتبر به نفس، وهذان القسمان من الاموات إنما ينالون حظوة الاستيداع في هذا المكان إذا كانوا من الأغنياء الذين يتمكنون أن يدفعوا إلى الدير ما يطلبه من قيمة هذه الحظوة.

وهناك قسم آخر وهر جثث محنطة قائمة في جوانب المكان، عليها ثيابها في الحالة التي كانت عليها عند موتها، وهي جثث الرهبان والقسيسين الذين يحبون أن يودعوا في هذا المكان ليسعدوا ببركته، ولهم هيئات تنقبض لها النفس، ويضيق بها الصدر، ولا حاجة بنا إلى تعداد ذلك، ويكفي القارئ أن يتصور ميتا في أشد ما تكره النفس مما يصوره الموت في البدن.

وأما المقبرة الأخرى فهي كسائر المقابر، على ظهر الارض، وإن كان الأموات في بطنها، وهي من أجمل الأماكن وأنظفها، والقبور فيها نظيفة البناء، بهجة الظاهر. وقد غرس في المقبرة أشجار السرو بنظام بديع، وقيل لنا إن الذين يدفنون فيها هم الأمراء والأغنياء، أما الفقراء فلهم مقبرة تليق بفقرهم في مكان آخر. وكأنه قضي عليهم بأن لا يساووا الأغنياء، حتى في الموت، مع أن الموت قد سوى بين الأغنياء و بين أدنى طبقة من الأحياء، بل جعلهم طعمة لأقذر الديدان، كما جعل ذلك حظ أمثالهم من سائر الحيوان.

قيل إن الحكومة بعد أن استولت على رومية منعت الدفن في المقبرة الأولى على تلك الطريقة، وأمرت أن لا يدفن الميت إلا في المقابر المعتادة، كهذه المقبرة الثانية ونحوها، وإنما حفظت الحق في الاستيداع في المعابد للبابا وللملك دون سائر الناس، فهما وحدهما توضع جثتهما في صندوق وتودع في الكنيسة، وقد أحسنت الحكومة في ذلك، فإن من كان محجبًا بعظمته عن الناس في حياته، يجب أن يكون عبرة لعامتهم بعد مماته.

[1] هو أقدم شارع في باليرمو. يشار إليه بشكل أساسي من قبل سكان باليرمو باسم “كورسو فيتوريو”.

المراجع

زر الذهاب إلى الأعلى