ثقافة وفنون

الإعلام المعولم مائدة للحوار والتلاقح الثقافي وساحة للصراع والصدام الحضاري

من المعلوم أن للإعلام دورا مهما في تقليص الهوة بين شعوب العالم خاصة العالمين الغربي والعربي الإسلامي، باعتبارهما الخصمان اللذان دخلا حلبة الصراع خوضا لمعركة أثر صداها على الجمهور الدولي، تماشيا مع متن خطابات العديد من المنظرين والكثير من المنابر ذات السيادة والقدرة على التأثير في شعوبها، والتي تدعي أن الإسلام هو العدو الذي يهدد راحة الإنسانية ويسعى إلى السيطرة على الكون، الشيء الذي دفع بالغرب إلى مجابهة هذا الترهيب عبر إضعافه قبل أن يفكر في النهوض للمواجهة، وذلك لأن دفة الصراع تحولت مما هو عسكري إلى ما هو إعلامي.

 فالإعلام يمتاز بالدقة والسرعة في إيصال الرسالة ثم الإقناع، مما يجعل منه أفضل وسيلة متاحة حاليا لتصحيح مسار القاطرة التي تسير بالعالم والتي انحرفت عن مسارها منذ سنوات، بيد أنه ليس مستقلا في عمله مما يطرح معه عدة تساؤلات تشكك في إمكانية الاعتماد عليه ليقوم بهذا الدور الذي يمكن أن يجنب الإنسانية الوقوع في دمار محتمل، إذن فما الدور الذي يلعبه الإعلام؟ وكيف يمكن أن نجعل منه مائدة للتحالف والتصالح لا جبهة للصراع والتصادم؟

في ظل الهلوسة التي تراود ذهن الغرب تحت تأثير نظرية صدام الحضارات للكاتب والمفكر الأمريكي هنتنجتون ومواليه، التي تستشرف واقع العلاقة التراتبية التي ستحكم العالم بعد انقضاء الثنائية القطبية. 

في هذا السياق تذهب بعض وسائل الإعلام التي تجعل من آراء المستشرقين والمفكرين الغربيين مرجعا لها في خدمة أجندات معينة، نظرا لما لهذه الوسائل من قدرة على التأثير عن طريق تلك العلاقة التي تربطه بالجمهور،() والتي تحدد المواضيع الأكثر والأقل أهمية وتعرضها من خلال البرامج التي تبثها، وصياغة الأحداث المحيطة في قالب جديد يتم ترتيب أهميتها في الوسيلة الإعلامية بما يتناسب والسياسة التحريرية للمؤسسة الإعلامية الحاكمة،() وذلك من أجل (تصنيع الإجماع) بمعنى جعل الرأي العام موافق على أمور لا يرغبها بالأساس عن طريق استخدام وسائل دعائية.()

ولعل خير مثال على ذلك هو لجوء الولايات المتحدة الأمريكية إلى الآلة الإعلامية من أجل حقن الرأي العام الأمريكي بأفكار عدائية ضد الألمان والنازية أثناء الحرب العالمية الثانية، بعدما كان الشعب الأمريكي لا يرغب في المشاركة في الحرب لغياب الأسباب والدوافع التبريرية لذلك،() من هنا يتضح الدور الكبير الذي تلعبه وسائل الإعلام في تنزيل مقتضيات سياسات الدول بكل سلاسة وانسيابية.

وارتباطا بما سبق ذكره، فبعد انهيار المعسكر الشرقي استطاع المفكرون الغربيون أن يخلقوا خطرا آخر وهو الخطر الأخضر كبديل للخطر الأحمر القابع وراء البحار، والذي تسوق له الدول الغربية عبر وسائل الإعلام، والتي تجعل من الإسلام معادلا طبيعيا للإرهاب يطارد أحلام الأمريكيين خاصة والغرب عموما وذلك بعد أحداث 11 سبتمبر2001 ، الذي كان طعم  في سنانير الإعلام ابتلعه الرأي العام الدولي في غياب تام للحكمة والعقل.

في المقابل لا يمكننا أن نحصر الإعلام فيما سبق ذكره فقط، وأخذا بعين الاعتبار قدرته على الإخبار وتحقيق التواصل، تجدر الإشارة إلى أن الإعلام إذا ما تم استخدامه بشكل موضوعي، قادر على تجسير الهوة وتقليص المسافات بين الثقافات كما هو الحال في وقتنا الراهن، الذي يعتبر عصر التكنولوجي أو زمن العولمة إن صح التعبير، فالعالم المعولم يعني زيادة التفاعل بين الشعوب، وحرية تداول المعلومات والترابط بين الثقافات، ويتمثل التحدي المحوري الذي يواجه العالم المعاصر في القدرة على التواصل بغض النظر عن الاختلافات الثقافية، وهنا يأتي دور وسائل الإعلام التي بإمكانها أن تضطلع بمهمة الوسيط في تحفيز الوعي العالمي.()

فالثقافة المغربية باعتبارها من الثقافات التي تغني الحضارة الكونية، تتعرض بدورها إلى تأثير الثقافات الأخرى عليها عن طريق وسائل الإعلام داخل قرية العولمة التي تجمع الثقافات على بساط واحد، مما أدى إلى سيادة بعض الممارسات التي كانت خاصة بالثقافة الغربية من لباس وشرب وأكل وأسلوب حياة…، فمثلا نجد الوجبات السريعة التي كانت منتشرة في الدول الغربية والتي كانت عيبا في الثقافة المغربية، أصبحت مندمجة في هذه الأخيرة وتشكل الآن جزء لا يتجزأ منها، مما يشكل خطرا يهدد التنوع الثقافي في العالم، لكنه يعكس لنا القوة التأثيرية للإعلام.

إن نوعية البرامج المقدمة للمتلقي تلعب دورا أساسيا في التأثير على أفراد المجتمع، فأحيانا تحتل الإثارة والترفيه المكانة الأولى، ويبرز التأثير في أحايين أخرى على جميع المستويات(القومية والاجتماعية والتاريخية…)، وفي هذا الإطار نجد إشهار ماكدونالدز وكوكا كولا اللذان يربطان المنتوج بالسعادة والمرح.

فأصبح وسائل الإعلام بهذا جزء من الحياة المعاصرة، كمعيار لقياس مدى تطور المجتمعات والتحول نحو الحداثة والديمقراطية، لأنها تؤثر في سلوكيات الفرد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية…، وما إلى ذلك . وقد جاء في المادة الثانية من اتفاقية حماية وتعزيز أشكال التعبير الثقافي التي وقعتها الأمم المتحدة سنة 2005 ” لم ولن يتسنى حماية التنوع الثقافي وتعزيزه ما لم تكفل حقوق الإنسان والحريات الأساسية مثل حرية التعبير والإعلام والاتصال وما لم تكفل للأفراد إمكانية اختيار أشكال التعبير الثقافي”.()

لذلك ينبغي على وسائل الإعلام والمغربية خاصة في ظل المثاقفة وعصر العولمة والتكنولوجية ما يلي:

  • نشر و تعميق الثقافة المغربية خصوصا بين الأجيال الشابة التي تعاني فراغا فكريا.
  • تعزيز التواصل الثقافي والفكري بين مشرق الوطن العربي ومغربه.
  • نقل الصوت العربي والمغربي المثقف إلى خارج حدود الوطن العربي لكي يساهم في التعريف بثقافته في زخمها القديم والمتجدد.
  • إتاحة الفرصة الواسعة للنتاج الثقافي المغربي والعربي.
  • السعي لتطوير قدرات المثقف المغربي معرفيا و لغويا.
  • إتاحة الفرصة للمثقف المغربي للإفادة من الإمكانات المتاحة بواسطة شبكات المعلومات العالمية المتخصصة.
  • إتاحة المنابر الثقافية من خلال تخصيص مساحات زمنية أوسع لثقافة المادة لما يعنيه ذلك من توسيع دائرة المهتمين بالكلمة التي تساهم في ترقية الدائرة الثقافية للجماهير.
  • الاهتمام بالتنمية الثقافية التي يعتبر أحد جوانبها إتاحة الفرصة لتكريس اللغة العربية الفصحى.

لائحة المصادر والمراجع

  • محماد بن عبد الرحمان الحضيف، كتاب كيف تؤثر وسائل الإعلام: دراسة في النظريات والأساليب، مكتبة العبيكان، السعودية، الطبعة 2، 1998.
  • نسرين حسونة، رسالة ماجستير نظريات الإعلام والاتصال، ب ط،2015. 
  • ناعوم تشومسكي، السيطرة على الإعلام، تعريب أميمة عبد اللطيف، مكتيه الشروق الدولية، الطبعة الأولي،2003.
  • موقع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، مقال بعنوان: دور وسائل الإعلام في تعزيز الحوار بين الثقافات، 19/01/2019، 13:40

اقرأ أيضا: تأملات في حقيقة أمر السلف الصالح

رشيد اضريفي

رشيد اضريفي من مواليد سنة 1993 بتاونات المغرب، أستاذ بالتعليم الثانوي، خريج المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين فاس، باحث، وعضو المكتب التنفيذي للمركز الأكاديمي للدراسات الثقافية والأبحاث التربوية، حاصل على شهادة الماستر الأساسي " تحالف الحضارات وحوار الديانات بين الفكر الغربي والفكر العربي الإسلامي"، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر مهراز فاس سنة 2019 ، وعلى الإجازة الأساسية في "الدراسات العربية تخصص آداب وفنون"، من كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس فاس سنة 2017، صحفي متدرب سابقا بالجريدة الإلكترونية نون بريس التابعة لمؤسسة المساء بالدار البيضاء وله مجموعة من المقالات الصحفية بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى